عندما تجهر بصوتك منتقداً المشاركين في العملية السياسية من العرب السنّة في العراق يرد عليك القوم بأنك لا تعرف شيئاً عما يجري في العراق، وأن أهل مكة أدرى بشعابها، ثم يمعنون في تفصيل ما يعانون منه على صعيد القتل اليومي والتعذيب والاختطاف.
لكنك ترد عليهم بكل بساطة بأنهم لا يعرفون شيئاً نحن نجهله، أعني مما يمكن أن يغير رأينا في حصيلة مشاركتهم السياسية البائسة، ليس فقط لأن أخبار القتل والتعذيب هي المادة اليومية لوكالات الأنباء، ولكن أيضاً لأن انتقاد ما يفعلونه لا ينحصر فينا نحن العاملين في ميدان الكتابة والسياسة خارج العراق، بل يشمل أيضاً سياسيين وعلماء من داخل العراق، فضلاً عن جماهير شعبية لا ترى في مسارهم السياسي فائدة تستحق ما يقدم مقابلها من تنازلات.
ما ينبغي قوله ابتداءً هو أن كثيراً من المشتغلين في العملية السياسية في العراق هم ممن تنطبق عليهم مقولة المراهقة السياسية، لأن أعمارهم في ميدان العمل السياسي الحقيقي لا تتعدى عمر الاحتلال، والسياسة كما لا يعلم هؤلاء عملية معقدة، بل بالغة التعقيد، وليست مركباً سهلاً يسيّره أي أحد.
ليس لدينا موقف سلبي حيال أكثر المشتغلين في العمل السياسي في أوساط العرب السنة، فهم في أغلبهم مجتهدون في تحري الصواب.. ونقول أغلبهم، وإن تحرك بعضهم تحت دوافع الخوف والمصلحة، أكانت شخصية أم حزبية.
ما نريد قوله ها هنا هو أن من حقنا، ليس ككتاب فقط، ولكن كمشتغلين بالهم السياسي المعني بقضايا الأمة ومقاومتها للمشروع الأمريكي الصهيوني أن ندلي بدلونا فيما يجري في العراق بصرف النظر عن رضا هذا الطرف أو ذاك، ومن كانت لديه حجة مقابلة فليقدمها للناس.
نعود إلى موضوعنا، أي التقييم العام للمشاركة العربية السنية في العملية السياسية منذ مجيء الاحتلال إلى الآن، وهنا لابد أن نشير بشكل مقتضب إلى جوهر الخطاب الذي يردده المشاركون، والذي خلاصته أن غياب العرب السنة عن العملية السياسية هو الذي أوصلهم إلى ما هم فيه من بؤس.
واللافت في هذا الخطاب هو جرأته على الحقيقة، ذلك أن العرب السنة لم يغيبوا عن العملية السياسية إلا في واحدة من جولاتها، هي الانتخابات الأولى التي أجريت بعد عام من الاحتلال، وسوى ذلك فقد شاركوا في جميع الخطوات الأخرى، ومعلوم بالطبع أن الانتخابات المذكورة قد أجريت وسط معارضة شعبية واسعة بسبب اجتياح الفلوجة تجعل المشاركة فيها متعذرة، مع العلم أن المقاطعة قد اسهمت بقوة في تجذير مسار المقاومة.
ما ينساه القائلون بهذه النظرية البائسة هو أنهم هم الذين منحوا الشرعية لتهميش العرب السنة وحشرهم في دائرة العشرين في المئة، وذلك منذ مشاركتهم الأولى في مجلس الحكم، ثم في البرلمان الانتقالي، ثم الحكومة الانتقالية، ولو رفضوا لما كان بوسع أحد أن يفرض المحاصصة الطائفية أولاً، ثم يحشر العرب السنة في مربع الأقلية ثانياً.
لو رفض هؤلاء بعد الانتخابات المشاركة في الحكومة الانتقالية، ودعموا خيار المقاومة لسارت الأمور على نحو آخر، أما المكاسب التي طالما قالوا إنهم حصلوا عليها من المشاركة، فلا قيمة لها البتة، وقد كان بوسعهم الحصول على ما هو أفضل منها بالمقاطعة، مع العلم أن تقييم أي مسار سياسي لا يكون بالحديث عن العوائد فقط، بل بتقييم عام يوازن بين المصالح والمفاسد، ومن الطبيعي أن يمنح المحتل بعض المكاسب الهامشية لمن يتعاونون معه.
لقد شارك هؤلاء في الانتخابات التالية ولم يمانع أحد، بما في ذلك المقاومة التي تسامحت مع تلك المشاركة رغم الخطأ الفادح الذي ارتكبه الحزب الإسلامي قبلها بتمرير دستور التقسيم، فماذا كانت النتيجة؟
هل توقف القتل في صفوف العرب السنة، وهل خرج المعتقلون، وهل توقف التهميش؟ لم يحدث شيء من ذلك، وحتى المشاركة في الحكومة جاءت بائسة وبوزارات هامشية لا يتحكم بها وزراؤها، بقدر ما يتحكم بها الآخرون، وفي العموم فالمكاسب في جلها كانت حزبية لبعض الأعضاء هنا وهناك، وها هو إقرار الفيدرالية يأتي شاهداً على بؤس النتيجة، وذلك بعد تمرير الحزب الإسلامي للمشروع في قراءته الأولى قبل أن يصحوا في القراءة الثانية من دون جدوى.
هل يعني ذلك أننا ضد المشاركة السياسية برمتها؟
كلا، وقد دعمنا مشاركة العرب السنة في الانتخابات التالية بعد أن اختلفت الظروف عن الانتخابات الأولى، لكن مراهقي السياسة لم يديروا العملية بطريقة ذكية، بدءًا بالانتخابات عندما مرروا قانون الانتخاب وتقسيم الدوائر رغم ما ينطوي عليه من غبن بحق العرب السنة، ثم بالخطوات التالية عبر قبول مشاركة هامشية في الحكومة، وصولاً إلى تمرير الفيدرالية والعجز عن تحقيق شيء لناخبيهم، لا في سياق مواجهة القتل والتهميش ولا الإفراج عن المعتقلين أو وقف الهجمات على مناطقهم.
لقد آن للمشاركين في العملية السياسية من العرب السنة أن يعيدوا النظر في مسارهم برمته، وأن يتحولوا إلى قوة معارضة تعبر عن المقاومة وتستثمر بطولاتها، وذلك بوصفها المعبر عن إرادة العراق ووحدته وهويته العربية الإسلامية، وإذا لم يفعلوا ذلك فستبقى المقاومة هي العنوان إلى أن ييأس الغزاة وينسحبوا ومعهم من جاءوا على ظهر دباباتهم، وإلى أن يتعب الجميع ويوقنوا بأن لا بديل عن التعايش تحت سقف واحد بعيداً عن روحية المحاصصة الطائفية والعرقية.
حصيلة المشاركة السياسية للعرب السنة في العراق.. ياسر الزعاترة
