نشر الأمريكى وأستاذ جامعة \"هارفارد\" صموئيل هنتنغتون كتابه \"صدام الحضارات\" فى أواسط التسعينات من القرن الماضي، وبعد بضع سنوات فقط من \"نهاية\" الحرب الباردة، ما انفك الحديث عن \"حوار\" الحضارات كبديل \"لصدامها\" يسمع هنا وهناك، ويجتذب إليه مزيدا من المثقفين، ولاسيما فى أوساط مجتمعات شعرت أنها هى المستهدفة بالدرجة الأولى بهذا التحدى وهذا النذير بالويل والثبور وعظائم الأمور.
ولكن الذين تصدوا لهذا التحدى ورفعوا شعار الحوار بين الحضارات، ربما فاتهم أن ينتبهوا جيدا إلى العنوان الفرعى لكتاب هنتنغتون، والذى يتخفى متواريا فى شبه جملة تبدو وكأنها تفصيل ثانوى للعنوان الكبير والمثير للاستفزاز: "صدام" الحضارات...
وأكاد أجزم الآن، وبعد مضى عقد من الزمن على نشر الكتاب، وبقدر ما كان بوسعى أن أتابع بحرص شديد ما دبج من مقالات عن "الصدام" و"الحوار"- وفى عالمنا العربى والإسلامى بوجه خاص- أن شبه الجملة المضافة أو العنوان الفرعى وهو "وإعادة تشكيل النظام العالمي" كما ترجم خطأ إلى العربية - لم تحظ بما تستحق من اهتمام أو بأى اهتمام أصلا، فى حين أنها من وجهة نظرى على الأقل، هى المعبرة عن جوهر ولب المسألة برمتها. ولعلى أذهب إلى أبعد من ذلك، فأزعم أن العنوان الحقيقى الذى كان فى وعى هنتغتون أو فى لا وعيه لا فرق، هو "إعادة صنع النظام العالمى وصدام الحضارات".
وهذا الزعم أو الظن، وما أكثر مزاعمى وظنونى هذه الأيام، فى كل ما أسمع وأقرأ عن "الحوار" و"الصدام"- بين الحضارات والقوميات والديانات والثقافات... والترهات والخزعبلات، إنما هو نابع أصلا من اقتناع بات راسخا فى الذهن والوجدان، وهو أن البهتان أصبح وأضحى وأمسى وبات وما انفك وما برح هو الكل فى الكل، وأن البشرية جمعاء سواء شئنا أم أبينا- تعيش "عصر الكذب"... وهو كذب فى مستوى القيم والمبادئ والمرجعيات الفلسفية، الفكرية والروحية التى تأسست عليها الحضارات الإنسانية واشتركت فيها العقائد والفلسفات الكبرى التى عرفها التاريخ، وقامت من أجلها النزاعات واحتدمت بشأنها الحروب والصراعات منذ آلاف السنين... ومن ثم فإن مقولة صدام الحضارات تصبح هى الكذبة الفجة والوقحة التى يختلقها "الكذابون" اليوم، وما أكثرهم!.. للزج بعباد الله فى صراع وهمى لابد له من "أسباب" ودوافع وتحديات واستجابات، وفعل ورد فعل، وليس كالاستفزاز والعدوان مدعاة للصدام والتناحر، وليس كالبهتان والافتراء وسيلة للخصام والتشاجر.
هكذا إذن، فإن ما يجرى الآن باسم العولمة، ليس فى الحقيقة سوى هجوم على حضارة الإنسان عامة لتقويض الأسس "أى القيم" المعنوية "الفلسفية والروحية"، التى كابدت البشرية قرونا وأحقابا فى مسيرة طويلة مضنية، من أجل إرسائها وإن كان بتضحيات بالغة الجسامة أحيانا، وبوسائل بغيضة شديدة القسوة.. حروبا ومنازعات وثورات وغزوات استعمار واحتلال وانتفاضات تحرر واستقلال الخ...
ولنا الآن أن نتساءل: كيف يمكن للحضارات أن تتصادم؟ هذا لو سلمنا بوجود اختلافات وتمايزات عميقة بين هذه "الحضارات"؟ وحتى لو صح هذا التباين الشديد .. أفليست الحضارة كمفهوم، هى الظاهرة الأرقى تعبيرا عن تحرر الإنسان من نوازع الشر والعدوان، وانتصاره على الغرائز الوحشية والنعرات البدائية، وخلاصه من غواية الجهالة والضلالة وسوء العاقبة؟ وحوار الحضارات الذى يتحمس له ويدعوا إليه الكثيرون الآن، ومن جانبنا نحن العرب والمسلمين بوجه خاص، ما موضوعه يا ترى..؟ ومع من؟ ولأية غاية أو غايات؟ وكيف يكون؟
يقولون إنه "حوار" من أجل التفاهم والوفاق والسلام والتعاون بدل الصراع والنزاع والتشاحن وغير ذلك من أشكال التدابر والتنافر والتباغض... وباختصار، فإنه حوار "من أجل الخير للجميع".
وهنا لا ينبغى إنكار أو تجاهل أن هذه الدعوة "الكريمة" للحوار، قد لاقت صدى إيجابيا لدى البعض فى الجانب الآخر، وخاصة فى أوساط المثقفين والأكاديميين من ذوى الانتماءات والتوجهات اليسارية والتقدمية عموما، وكذلك لدى عدد من النشطاء فى حركات السلام ومناهضة العولمة... إلا أن جميع هؤلاء تقريبا ما انفكوا يخضعون لرؤية لا تكاد تذهب أبعد من الانفعال بالأحداث والتطورات والتأثيرات السلبية للسياسات التى "تورطت" فيها حكومات بلدانهم وثبت عجزها وقصورها، بل وباتت تشكل تهديدا خطيرا على مجتمعاتهم ذاتها، وتؤذن بتقويض الأسس الليبرالية والديمقراطية والحريات العامة والفردية ومستويات الرخاء الاقتصادى والرفاه الاجتماعى التى بلغتها تلك المجتمعات بعد "ثورات" علمية وصناعية وحتى دينية، وذلك منذ بداية عصر النهضة قبل أربعة قرون بالنسبة لأوروبا وأكثر من قرنين بالنسبة للعالم الجديد: أمريكا وشمالها بوجه خاص.
ولعل الظاهرة الأبرز فى المشهد الآن، والتى غدت تمثل التحدى الأكبر بالنسبة لمثقفى الغرب "اليساريين" والديمقراطيين، هى ظاهرة بروز وتنامى الأصولية الدينية وتسيسها ضمن عناوين ومسميات شتى كالمسيحية الصهيونية والإنجيليين الألفيين والمحافظين الجدد. وهؤلاء فى الحقيقية إنما أخذوا يعززون مواقعهم ويتوسعون فى التبشير "بعقيدتهم" منذ عقود من الزمن سبقت كثيرا نهاية الحرب البارد، وكان لها منظروها ودعاتها قبل صمويل هنتغتون وفرانسيس فوكوياما وحتى ليو شتراوس وبرنارد لويس وغيرهم. ويمكن الجزم بكثير من اليقين أن الحرب الباردة نفسها كانت هى أولى تجليات هذه الظاهرة، إذا ما اعتبرنا أن الصراع بين "الشرق والغرب" إنما احتدم بعد أن وضعت الحرب "العالمية" الثانية أوزارها، وهى الحرب التى تحالف فيها ستالين الشيوعى الدموى الأحمر مع روزفلت وتشرشل الناصعى البياض، "المفعمين" بمبادئ الحرية وقيمها الليبرالية الديمقراطية، مقابل استبداد وطغيان الفكر الماركسى وماديته الجدلية والتاريخية الملحدة، وصراع الطبقات وديكتاتورية البروليتاريا، وما يعنيه كل ذلك من قمع وتعسف واستهتار بقيمة "الحرية" فى حياة الإنسان... "ومتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا..؟"، رحم الله عمر بن الخطاب ورضى عنه.
ومرة أخرى، لا نرى ما يصدنا أو يمنعنا من الزعم بأن "المكارثية" فى الغرب وفى الولايات المتحدة التى عاصمتها واشنطن فى أمريكا الشمالية تحديدا - كانت هى البداية الفعلية لاتجاه جديد فى الحركة الأصولية المسيحية، جعلها تضع عينها على السياسة، إدراكا منها أن أهدافها الكبرى فى إعادة تشكيل النظام العالمي، لا يمكن أن تتحقق بالدعوات الصالحات و"الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"، وإنما بامتلاك "السلطة والثروة والسلاح"، وهو تثليث ينسجم تماما مع ثالوث آخر مقدس هو "الأب والابن والروح القدس"... "مع الفارق طبعا"، وهو ينعكس دون ريب فى نظرية "صدام الحضارات" الثلاث الكبرى بألوانها الثلاثة المميزة الأبيض والأخضر والأصفر؛ بل إن "محور الشر" نفسه لا يزيد أنفاره عن ثلاثة هى العراق، إيران وكوريا الشمالية، كما أخبرنا السيد جورج و.بوش، واثقا جازما فى حينه.
فهذه الألوان "الحضارية" هى المحددة إذن لماهية الصدام "الحتمي" بين الثقافات كما يستدرك ص.هنتغتون فى حديث له مؤخرا إلى مجلة إسلاميكا ماغازين Islamica Magazine، وأوضح فيه أن التنافر والتناقض بين الهويات الثقافية للبلدان المختلفة هما بالضرورة حسب رأيه، الحافزان على التوتر والمثيران للبغضاء، ومن ثم التصادم بين الرؤى والمصالح والمواقف بين الناس من ذوى الأصول الثقافية المختلفة، فى عصر أو مرحلة جديدة بين تاريخ البشرية، أو النظام العالمى الجديد والذى لا يمكن أن يتشكل إلا "بإعادة صنع" هذا النظام، الذى ظل قائما حتى نهاية الحرب الباردة. و"إعادة صنع" "Remaking" هو التعبير الحرفى بمعناه الحرفى الصحيح عن جوهر ومضمون ما يفكر فيه صاحب نظرية "صدام الحضارات". وهو لكى يعزز فكرته الأساسية هذه، يذهب إلى البحث عن شواهد وأمثلة من تاريخ الغرب الحديث، ودائما حسب قراءاته الخاصة، فيرى أن القرن الثامن عشر فى أوروبا، تميزت أحداثه الفاصلة بالصراع بين النظم الملكية الرجعية الاستبدادية والحركات الجمهورية التحررية الصاعدة، فى أمريكا أولا ثم فى فرنسا بعد حين. أما القرن التاسع عشر، فإن المسألة القومية وبناء الدولة القومية كانتا أبرز سماته.
وفى القرن العشرين، تصدرت الإيديولوجيا مقدمة مسرح الأحداث، فكانت الثورة الروسية الشيوعية الماركسية، ثم الفاشية والنازية والديمقراطية الليبرالية، والتى كان لابد أن تتنافس وتتصادم فيما بينها. وإذا كانت الشيوعية والفاشية لم تختفيا تماما، وإنما تراجعتا إلى الهامش وأفسحتا المجال دون ريب للديمقراطية الليبرالية لتصبح أكثر قبولا، نظريا على الأقل، وعلى الصعيد العالمى بأسره، فإن السؤال الذى بات يفرض نفسه الآن ونحن نبدأ قرنا جديدا وألفية جديدة، هو ماذا سيكون المحور الرئيسى للسياسة العالمية وللصراع العالمى خلال العقود الزمنية القادمة؟ ويجيب هنتغتون على تساؤله هذا فيقول: "أنا أرى أن الهويات الثقافية والمشاحنات الثقافية، سوف لن تلعب دورا هاما فحسب، وإنما دورا فى غاية الأهمية. ولعل البلدان تتعاون بين بعضها البعض، ولكن مثل هذا التعاون سوف يكون أوثق على الأرجح، عندما تتقاسم الشعوب والأمم "ثقافة مشتركة" "المزدوجتان من الكاتب"، كما هو الشأن الآن بين بلدان وشعوب الاتحاد الأوروبي. ولكن تجمعات أخرى آخذة فى البروز فى شرق آسيا وجنوب أمريكا، غير أنها تتجه فى سياساتها نحو الاستقطاب الثقافي، وهو استقطاب لا يخلو من نزوع واضح للتنافر والتصادم..
وبالنسبة للغرب وعلاقته بالإسلام، فإنه بالرغم من وجود تناقضات واختلافات ثانوية داخل كل ثقافة، إذ لا يوجد تجانس تام فى أى منها- فإن جوهر الحقيقة هو الاختلاف فى الديانة، ولكن ذلك لا يعنى بالضرورة أننا فى الغرب نرفض التعاون، ونحن فى الولايات المتحدة مثلا، نحبذ أن نرى بلدانا صديقة مثل باكستان والعربية السعودية، وحتى أفغانستان تطور أنظمة ديمقراطية؛ بل إننا من أجل مصالحنا القومية، لم نر ولا نرى غضاضة فى التعاون مع أنظمة عسكرية استبدادية، ونحن فعلنا ولا نزال نفعل ذلك فى أصقاع كثيرة من العالم، لأن المصالح هى التى تدفعنا وتحدد سياساتنا تجاه ومع الآخرين، ولو أن ذلك غالبا ما يبدو من قبيل التحالفات والصداقات الغريبة العجيبة". فشكرا سيد هنتغتون على هذه الصراحة وهذا الوضوح... فالمسألة إذن هى أن التناقض دينى بالأساس، وأنه يبرز كتناقض ثقافى أشمل وأعمق، ولابد أن يؤدى إلى مجابهة لا مناص منها تنتهى "بثقافة مشتركة"، لن تكون سوى ثقافة الغرب، لأنه هو الأقوى والأولى بأن يتسيد ويفرض شروطه.
وحتى ذلك الحين، فهو لا يمانع من أجل مصالحه، أن "يتعاون" حتى مع الشيطان، فالغاية تبرر الوسيلة، وما لا يؤخذ باللين يؤخذ بالشدة؛ "فما نيل المطالب بالتمني... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.."
وهكذا، يكون "صنع" نظام عالمى جديد قوامه "ثقافة "مشتركة" أى واحدة موحدة فى الحقيقة، لأنه لا معنى لصفة "مشتركة" هذه، وإنما يستخدم اللفظ هنا بقصد المواربة والمراوغة، ومن أجل تغليف وتلطيف مرارة المستخبث من الطعم المستحدث..
وهنا، ودون خشية من الوقوع فى الزلل، فإن "صدام حضارات" السيد هنتغتون ليس سوى تسمية أخرى لأرماجيدون، وهى المعركة التى يقول الإنجيليون الأصوليون، ويوصفون أيضا بالمحافظين الجدد والصهاينة المسيحيين- إنها ستجرى فى آخر الزمان وتكون فاصلة بين "محور الخير" و"محور الشر"، إذ تنتهى بانتصار الأول وإقامة مملكة الرب فى "أرض الميعاد" لمدة ألف عام يأتى بعدها يوم الدينونة الكبرى، وعندها يكون التطهر من آثام الخطيئة الأولى، والعودة إلى الفردوس المفقود الذى يفوز به "الخيرون، خالصا لهم من دون الناس "الأشرار" كافة.
وهنا أيضا، وإزاء هذه "الحتمية" و"القدرية"، وهذا الصدام الآتى ولا مفر منه، فإن الحديث عن حضارات، وعن حوار، وعن تعايش سلمي، وتعاون بين البلدان والشعوب، يصبح حديثا هو أقرب إلى اللغو وزخرف القول... ولن تكون هناك حاجة أصلا لأى حوار مادامت الثقافة الواحدة "المشتركة"، ستفرض نفسها أو يتم فرضها بالأحرى، على سائر خلق الله.. وهى موجودة ومكتملة فى الغرب "المسيحي" الإنجيلى الصهيوني، الذى يكون له النصر الموعود والفوز بالفردوس المفقود، فاعتبروا يا أولى الألباب، وما ربك بظلام للعبيد، ولات حين مناص... فلا محيد... لا محيد.
وحتى لا نتجنى على ثقافة الغرب و"نصدم" مشاعر بعض أهلها، من المفكرين والمثقفين المنصفين الموضوعيين على وجه الخصوص، فإنه لا ينبغى الذهاب بعيدا فى قراءة نوايا أمثال هنتغتون برؤية سلبية، وتضخيم ما تنطوى عليه من مشروع خطير وجهنمي، "لصنع نظام عالمي" جديد كما يشتهى الغرب وحضارة الغرب؛ وبقوة إيمان بعض أهله بأنهم جند الله الغالبون بإذنه فى الأرماجيدون... فتلك أراجيف وأوهام وأماني، وهى من فعل ساحر وكذاب أشر، هو سامرى آخر ودجال "يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره هذا" كما قال فرعون عن موسى... فى غابر الأزمان وسالف العصر والأوان.
ومنذ هجمات 11/9، بدأ يتشكل فى الغرب تيار ما انفك يشق طريقه بصعوبة بالغة فى أوساط المثقفين الغربيين، وهو تيار أخذ يزداد تبلورا منذ غزو العراق واحتلاله، وما آل إليه من مأزق سياسى وعسكري، ما انفك يلقى بظلاله القاتمة على المجتمع الأمريكى خصوصا، ويؤثر بصورة مباشرة وعميقة فى اتجاهات الرأى العام والتفكير، ويدفع بها، وإن كان ببطء شديد- إلى تلمس جوهر الحقيقة من حيث أسباب وأهداف ما جرى ويجرى من تأزيم للوضع العالمى بأسماء وأوصاف ومزاعم تدور كلها حول الإرهاب، الشر، الحرب، الكراهية، التطرف، "إما معنا أو ضدنا"، وهذا هو بيت القصيد.. ولكن "معكم فى ماذا ولماذا وكيف؟" و"ضدكم فى ماذا ولماذا وكيف؟"، ما انفكا هما السؤالان اللذان مازال يجرى الالتفاف عليهما، بينما هما ما يجب أن يبدأ بهما كل حوار.
وقد أتيح لنا فى السنوات الثلاث الأخيرة على الأقل، متابعة ما يكتبه عدد كبير من مثقفى الغرب، ولاسيما فى الولايات المتحدة وبريطانيا، متأثرين كما أشرنا، بما نشأ عن حرب العراق أساسا، من تداعيات وانعكاسات سياسية واجتماعية واقتصادية باتت تؤثر جميعا فى واقع الحياة اليومية لعامة الناس هناك، وهو تأثير سلبى لا محالة. ولابد أن يفضى إلى نوع من التحدى والاستجابة. ولكن فى أى اتجاه وبأى مضمون؟ إنها المصالح المباشرة فى المقام الأول. ولكن هل يمكن أن تظل هذه المصالح معزولة عن واقع أعم وأشمل، تتشابك فيه الظواهر والعلاقات والفعل ورد الفعل، والتجاذبات؛ وهو واقع عالمى أخذ يفرض نفسه على الجميع؛ ومن ثم، فإن العولمة والنظام العالمى الجديد إنما صنعا صناعة أمريكية فاسدة، لأنها اعتمدت على التفرد والعناد والتعصب "المذهبي" الأهوج، والنابع من خرافات وآراجيف باطلة، وإن سعى أصحابها ومروجوها إلى إسنادها بالمقدس المستمد من أسفار توراتية يقف المرء حائرا إزاء ما تشير إليه وتنبئ به من "رؤيا" "حزقيال ويوشع".
وفى الجانب الآخر، ودائما فى مجال التحدى والاستجابة، يقف متشددون يقال إنهم إسلاميون بالأساس، هم أيضا يعتمدون "رؤياهم الخاصة" المستمدة هى الأخرى من مقدس آخر. ويبدو أن الفريقين هما من لا يقبلان بأى حوار. وأن صراعهما لا مجال فيه للحلول الوسط، فإما أنا وإما أنت. وهنا يأتى دور من يقع عليهم عبء تفكيك هذه المعادلة الصعبة والمضنية. ونحن نعتقد أنه ربما بدأت تلوح بوادر ولاسيما فى الغرب، تشير إلى نوع من الوعى بضرورة حوار حقيقي، واسع وعميق، وهو لا غرو، يكتسى صبغة عاجلة ومؤكدة حتى يمكن وقف حالة التدهور الرهيب الذى يشهده عالمنا الآن، والذى أصبح مهددا جديا فى وجوده أصلا، ما دام هؤلاء المعتوهون بكل حماقاتهم وعصبياتهم وأوهامهم، بيدهم الأمر السياسى والقوة والثروة والسلاح.
فيا أيها المثقفون الأحرار فى الغرب والشرق، المؤمنون بقيمة الحياة وعظمة الإنسان فى فطرته، وفى القيم العليا التى لابد أن تظل هى مبرر وجوده وسعيه الدائب من أجل السعادة الأبدية، لم يعد لديكم من خيار سوى الحوار، الذى ينبغى أن يضع حدا لهذا الانفلات الخطير لنوازع الشر ومغامرات الأشرار. وهو حوار نعتقد أنه يجب أن يبدأ باعتراف مثقفى الغرب أولا، بحقيقة المظالم الرهيبة التى مارسها غربهم طوال قرون ضد شرقنا "فالمؤسف حقا أن الفرنسيين يرفضون رسميا وبعناد، أن يعترفوا بمساوئ استعمارهم للجزائر، وهو ما انفك يزيد من حالة الاحتقان والتوتر فى العلاقات بين البلدين والشعبين.. وهذا مثال واحد فقط، وله ما له من دلالة..". ودون هذا الاعتراف، فإنه لن يكون هناك حوار جدير بهذا الاسم.
* كاتب ومترجم من أسرة الشقيقة "العرب" اليومية.
حوار الطرشان فى عصر الكذب والبهتان-محمد البصيرى العكرمى
