هيئة علماء المسلمين في العراق

الحج الركن الخامس في شريعتنا الأسلامية[4_4]
الحج الركن الخامس في شريعتنا الأسلامية[4_4] الحج الركن الخامس في شريعتنا الأسلامية[4_4]

الحج الركن الخامس في شريعتنا الأسلامية[4_4]

من شروط حج المرأة واعتمارها أولاً: إذن الزوج ثانياً: المحرم ثالثاً: أن لا تكون معتدة من طلاق ولا وفاة الحج واجب على المستطيعين من الرجال والنساء، هناك شروط صحة يشترك فيها الرجل والمرأة، وهي:  1.  الإسلام.    2.  الحرية.    3.  العقل.    4.  البلوغ.
  5.  الاستطاعة المتمثلة في الزاد، والراحلة، وإذن الوالدين أو أحدهما.

ولكن هناك شروطاً تنفرد بها المرأة عن الرجل، وهي متعلقة باستطاعتها، بحيث إن لم تتوفر لها لا تكون مكلفة بأداء الحج والعمرة، والشروط الخاصة بالمرأة هي:

  1. إذن الزوج.  2. المحرم.    3. أن لا تكون معتدة من طلاق أووفاة.

فإن وجد مانع من هذه الموانع فإن الحج لا يجب على المرأة في عامها هذا، ولها أن تؤخره إلى العام القابل أو بعده.

          أولاً:  إذن الزوج

من أرادت الحج أو العمرة وعزمت على ذلك عليها أن تستأذن زوجها، وعلى الزوج أن لا يمنعها من حجة الإسلام وعمرته إلا لعذر شرعي، سيما وأن الراجح من قولي العلماء أن الحج يجب على الفور، فإن تعنت ومنعها لغير عذر شرعي فلا طاعة له في ذلك، وعليها أن تذهب من غير إذنه ورضاه إذ استوفت الشروط الأخرى، خاصة المحرم، هذا فيما يتعلق بحجة الفريضة وعمرة الإسلام لمن يقولون بوجوبها، أما التنفل بالحج والعمرة فلا يحل لها أن تتنفل بحج أو عمرة إلا بعد إذن ورضا زوجها، وإن عصته في ذلك ولو لم يكن له عذر شرعي فقد عصت الله ورسوله.

ومما تجدر الإشارة إليه ويجب التنبيه عليه أن تكرار الحج والعمرة والتنفل بهما للمرأة ليس من السنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين بعد حجة الوداع: "هذه ثم ظهور الحصر" الحديث، ولهذا قالت سودة وزينب بنت جحش: "والذي بعثك بالحق لا تحركنا بعدك دابة"، قال الراوي فلم تخرجا إلا بعد موتهما إلى المقبرة.

قال صاحب "نيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب"1: (ولا تحرم زوجة بنفل حج وعمرة إلا بإذن زوجها، ولا يمنعها من فرض حج وعمرة2 كملت شروطه).
العذر الشرعي الذي يخول للزوج منع زوجه الذهاب إلى الحج والعمرة المرض الذي يحتاج إلى ملازمة والكبر، إلا إذا وجد من ينوب عن الزوجة كالبنت والأخت والأم ونحوها.

            ثانياً: المحرم

من شروط استطاعة المرأة للحج والعمرة وجود المحرم الذي يرافقها ويسافر معها إلى مكة والمناسك، بحيث لا يجوز لها السفر لحج ولا عمرة ومن باب أولى لغير ذلك من غير محرم.

ولهذا فإن العامة من أهل العلم ذهبوا إلى أنه لا يحل للمرأة أن تسافر إلى حجة الفريضة وعمرة الإسلام إلا مع ذي المحرم، دعك عن التنفل بالحج والعمرة، وذلك للأدلة الآتية:
1. "لا تسافر المرأة إلا مع محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم".3
2. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال له: "إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ قال: انطلق فحج مع امرأتك".4
3. وصح عنه أنه قال: "لا يحل لامرأة تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم".5
ولهذا قال أحمد رحمه الله: (المحرم من السبيل، فلمن لم يكن لها محرم لم يلزمها الحج بنفسها ولا بنائبها).
وقد أجمع العلماء رحمهم الله أنه لا فرق في ذلك بين سفر وسفر، سواء كان سفر المرأة للحج والعمرة، أولطلب العلم، أولغير ذلك.

  - محرم المرأة

الزوج وكل ما يحرم عليه زواجها تحريماً مؤبداً، سواء كان سبب التحريم نسب، أورضاع، أومصاهرة، نحو ابنها، وأخيها، وعمها، وخالها، وابن أخيها أوأختها، وزوج أمها، وابن زوجها، أوكأخيها أوأبيها من رضاع.

    تنبيه
نفقة المحرم على المرأة إلا إذا تبرع بذلك.

  -يشترط في المحرم
يشترط في المحرم أن يكون:
  1. مسلماً.    2. بالغاً.    3. عاقلاً.
هذا هو المذهب الراجح الذي لا يجوز العدول عنه.
وأجازت طائفة من أهل العلم للمرأة أن تسافر إلى حجة الإسلام مع رفقة مأمونة، وهو قول مرجوح.
ومما يؤسف له أن هذا القول المرجوح أصبح هو الغالب، ليس في حجة الإسلام فحسب، بل في التطوع بالحج والعمرة، وفي ذلك مخالفة وجسارة على مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام النووي رحمه الله: (هل يجوز للمرأة أن تسافر لحج التطوع، أو لسفر زيارة، أو تجارة، ونحوهما مع نسوة ثقات أو امرأة ثقة، فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد، والماوردي، والمحاملي، وآخرون من الأصحاب في باب الإحصار، وحكاهما القاضي حسين والبغوي وغيرهم، أحدهما يجوز كالحج، والثاني وهو الصحيح.. لا يجوز لأنه سفر ليس بواجب).
واستدل على عدم الجواز بالأحاديث السابقة.

وسئل الشيخ العثيمين رحمه الله عن صحة حج المرأة من غير محرم فقال: حجها صحيح، لكن فعلها وسفرها بدون محرم محرَّم ومعصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
إلى أن قال: وهاهنا أمر نأسف له كثير وهو تهاون بعض النساء في السفر بالطائرة بدون محرم.. وتعليلهم لهذا الأمر يقولون إن محرمها يشيعها في المطار.. والمحرم الآخر يستقبلها، وهذه العلة عليلة في الواقع)6، ثم ذكر مخاطر ذلك.
وممن أجاز للمرأة السفر لحجة الإسلام مع رفقة مأمونة شيخ الإسلام ابن تيمية، والصواب ما ذهب إليه العامة من أهل العلم، سواء كانت المرأة شابة أم عجوز، وسواء كان السفر طويلاً أم قصيراً، والله أعلم.

          ثالثاً: أن لا تكون معتدة من طلاق ولا وفاة

من الأمور التي أصبح يتهاون فيها بعض النساء خروجهن للحج والعمرة سواء كانت حجة فريضة أم نافلة وهن في عدة وفاة أوطلاق، وهذا لا يحل ولا يجوز، إذ العدة واجبة على المرأة المدخول بها من طلاق أووفاة، وعلى غير المدخول بها من وفاة فقط، فإذا طلق الزوج المرأة بعد العقد وقبل الدخول فليس عليها عدة، لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً".7
أما إذا عقد الرجل على المرأة ومات قبل الدخول بها فعليها العدة لأن العدة شرعت لسببين اثنين، هما:
    1. إكراماً لعقد الزوجية.      2. وتبرئة للرحم.

ومن شروط العدة عدم خروج المرأة من بيت الزوجية إلا لسبب قاهر، ومبيتها في بيت زوجها حتى تنقضي عدتها، فإذا منعت من المبيت في غير بيت زوجها الذي تركها فيه فكيف يحل لها أن تسافر إلى الحج أو العمرة؟!
يستوي في هذا الحكم الكبيرة، والصغيرة، والكافرة، والمسلمة.
قال مالك رحمه الله: (لا تخرج له ـ أي الحج ـ معتدة  وفاة).8
الدليل على أن المعتدة من وفاة لا تخرج من بيت الزوجية حديث الفريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم؛ قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوأمرني فنوديت له، فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله؛ قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، فاتبعه وقضى به".9

قال الحافظ ابن عبد البر: (وفي هذا الحديث وهو حديث مشهور ومعروف عند علماء الحجاز والعراق أن المتوفى عنها زوجها عليها أن تعتد في بيتها ولا تخرج منه، وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر، منهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وهو قول عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن مسعود، وغيرهم).10
وخالف في هذه المسألة ابن عباس، وقال: إنما قال الله: تعتد أربعة أشهر وعشراً، ولم يقل في بيتها.

وعائشة رضي الله عنها، حيث خرجت حاجة ومعتمرة بأختها أم كلثوم في عدتها على طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم.
ولا قول لأحد بعدما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عبد البر: (أما السنة فثابتة بحمد الله، وأما الإجماع فمستغنى عنه مع السنة).
ولله در القاسم بن محمد ابن أخ عائشة حين قال: أبى الناس ذلك عليها ـ أي على عائشة.
وقال الزهري: أخذ المترخصون في المتوفى عنها بقول عائشة، وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر.
قلت: لقد نهينا عن الأخذ بزلات وهفوات أهل العلم مهما كانت مكانتهم ومنزلتهم، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن تتبع رخص العلماء تزندق أوكاد، وتجمع فيه الشر كله.

  -إن لم تجد المرأة محرماً
إن لم تجد المرأة محرماً وتعذر عليها ذلك فعليها أن تنيب من يحج عنها ويعتمر.

**********************************************




                      من حجَّ بمال حرام فليس له حج


إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم".
اعلم أخي الحاج أن سلعة الله وهي الجنة غالية، وأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، ولا تنال الجنة ولا الحجة المبرورة إلا بالمال الحلال الطيب، فإذا أردت أن يكون حجك مبروراً، وسعيك مشكوراً، وذنبك مغفوراً، وعملك مقبولاً فلا تحجن إلا بمال حلال لا حرمة فيه ولا شبهة.

لقد ورد في ذلك حديث فيه مقال1 ينهى ويحذر من الحج بالمال الحرام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أمَّ هذا البيت من الكسب الحرام شخص في غير طاعة الله، فإذا أهلَّ ووضع رجله في الغرز أو الركاب وانبعثت به راحلته قال: لبيك اللهم لبيك؛ ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزوراً غير مأجور، وأبشر بما يسوءك؛ وإذا خرج الرجل حاجاً بمال حلال، ووضع رجله في الركاب، وانبعثت به راحلته، قال: لبيك اللهم لبيك؛ ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك، قد أجبتك، راحلتك حلال، وثيابك حلال، وزادك حلال، فارجع مأجوراً غير مأزور، وأبشر بما يسرك".

        * مذاهب أهل العلم فيمن حج أو اعتمر بمال حرام

ذهب أهل العلم في ذلك ثلاثة مذاهب، هي:
  1. لا تجزئ هذه الحجة عن حجة الإسلام وعمرته، وهذا مذهب مالك وأحمد.
  2. تجزئ ويغرم المال الحرام، هذا إن لم يكن يعلم وقت حجته وعمرته أن ماله حرام، أولم يعلم الحكم وعلم بعد ذلك، وهذا مذهب الجمهور، أبي حنيفة، والشافعي، وبعض المالكية.
  3. يجزئ ولا يُقبل، وهذا القول كالمذهب الأول، لأن العبرة بالقبول، فما قيمة الإجزاء من غير قبول؟!
أقوال أهل العلم في ذلك
قال الونشريسي المالكي رحمه الله: (وسئل ابن محرز عمن أراد الحج بمال طيب الكسب، وله ضيعة كانت يد السلطان عليها، وشهد عدول على السماع من الثقات وغيرهم أن بني عبيد2 غصبوها لأجدادهم وصارت لهم الآن بالشراء أوالميراث، هل هي شبهة يتحرى لأجلها؟
فأجاب: الحج قربة، فلا ينفق فيه إلا الطيب من الكسب، فقد روي عنه في الحديث صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حج بمال حرام فقال لبيك، نودي: لا لبيك ولا سعديك، فارجع مأزوراً غير مأجور"، فأما الضيعة التي كانت يد السلطان عليها وثبت فيها ما ذكر فليس في هذا ما يخشى، وليحج بغلتها وثمنها إن بيعت.
وقال كذلك:
وسئل بعضهم عمن حج بمال حرام، أترى ذلك مجزياً عنه، ويغرم المال لأصحابه؟ فأجاب: أما في مذهبنا3 فلا يجزئه4، وأما في قول الشافعي فذلك جـائز، ويرد المـال، ويطيب له حجه5 . انتهى.

فإذا قلنا بالإجزاء، فمذهب جماعة من المالكية والشافعية عدم القبول، منهم القرافي والقرطبي من أصحابنا ـ المالكية ـ والغزالي والنووي من الشافعية، قال برهان الدين: ورأيت في بعض الكتب عن مالك رحمه الله عدم الإجزاء، وأنه وقف في المسجد الحرام في الحج ونادى: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس، من حج بمال حرام فليس له حج؛ أوكلام هذا معناه.
إلى أن قال:
وقال ابن القاسم: قال مالك رحمه الله: لا بأس أن يحج بثمن ولد الزنا، وفي كتاب الطراز للقاضي أبي الدعائم سند بن عنان المالكي المصري: إذا حج بمال مغصوب ضمنه وأجزأه حجه، وهذا قول الجمهور.

وعن أحمد بن حنبل: لا يجزئه وحجه باطل.
قلت: وأنشد بعضهم في هذا المعنى لبعض الحنابلة، وهو من القول بالموجب:
      يحجون بالمال الذي يجمعونه            حراماً إلى البيت العتيق المحرم
      ويزعم كل أن تحط رحالهـم            تُحَـطُّ و لكن فوقهم في جهنم).6
وقال الإمام النووي الشافعي رحمه الله: (إذا حج بمال حرام، أوراكباً دابة مغصوبة أثم وصح حجه، وأجزأه عندنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك7 والعبدري، وبه قال أكثر الفقهاء، وقال أحمد: لا يجزئه، ودليلنا أن الحج أفعال مخصوصة، والتحريم لمعنى خارج عنها).8
وقال الشيخ عبد الله البسام حفظه الله وهو يتحدث عن فضل الحج والعمرة: (كما ينبغي أن يعد لحجه وعمرته نفقة طيبة حلالاً، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، فإن حج بمال حرام من غير غصب أوربا، عالماً بذلك وقت حجه، لم يصح حجه، وإن كان وقت أداء الحج أوالعمرة لا يعلم عن حرمته، فحجه وعمرته صحيحان، وأما المال الحرام فيخرجه بعينه إن كان موجوداً أومثله إلى صاحب الحق، أويتصدق به، ومثله المكتسب من الربا).9
قلت: ليس فيما قال النووي حجة ولا دليل على الإجزاء غير المصحوب بالقبول، وهذا كله لمن لم يعلم بحرمة ماله عند أداء النسك.

      * من حج أو اعتمر بمال حلال وآخر فيه شبهة أومن كسب خسيس

من حج بمال حلال وآخر مشبوه، عليه أن يتخلص من المال المشبوه بإنفاقه على الفقراء والمساكين، وأن لا يدخل منه شيء في نسكه، ولا في إحرامه، ولا في تنقله، ولا في أكله وشربه وهديه، فإن فعل ذلك أجزأه حجه وعمرته، وتقبل منه إن شاء الله، أما ما أنفقه من المال المشبوه فليس فيه ولا أجر المناولة، فقط يكسب التخلص منه، ولكن يؤجر على ما تصدق به من مال من كسب خسيس، والله أعلم.

  * أقوال العلماء

قال الونشريسي رحمه الله: (ووجد التادلي بخط الشيخ الفقيه الصالح أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى المعروف بابن الأمين الشنقيطي من تلامذة ابن رشـد على ظهـر شـرحه لكتاب الموطـأ ما نصه: قال أحمد بن خالد، قال ابن وضاح: يستحب لمن حج بمال فيه شبهة شيء أن ينفقه في سفره، وما يريد من حوائجه، ويتحرى أطيب ما يجد، فينفقه من حين يحرم بالحج فيما يأكل ويلبس من ثياب إحرامه وشبه هذا، ورأيته يستحب هذا ويعجبه.. وذكره عن بعض السلف).10
وقال ابن مفلح رحمه الله: (وفي "الرعاية الكبرى" يكره كسب الحجام، والفصد ونحوه، وعسب الفحل، والماشطة ونحوها، والنائحة، والبلان11، والمزين، والجرائحي، والصائغ، والصباغ، والحداد، وقيل: البيطار، ونحو ذلك.
وروى الخلال أن امرأة ماشطة جمعت مالاً من ذلك فجاءت إلى أبي عبد الله12، وقالت: أريد الحج؛ فقال أبو عبد الله: لا يحج به، وليس هاهنا أحل من الغزل.
وذكر بعضهم أن أحمد سئل عن كسب الماشطة13 أتحج منه؟ قال: لا، غيره أطيب منه.

وقال المروذي: سمعت امرأة تقول: جاءت امرأة إلى أبي عبد الله من هؤلاء اللاتي يمشطن، فقالت: إني أصل رأس المرأة بقرامل14 وأمشطها، أترى أن أحج مما أكتسب؟ فقال: لا، وكره كسبها، لنهي15 النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: قال ابن عقيل: ويكره تعمد الصنائع الدنيئة مع إمكان ما هو أصلح منها).16
هذا لمن لم يجد غير هذه المهن، وإن كانت جميع المهن مباحة، وقد تتعين في بعض الأحيان، لكن من وجد مهنة طيبة فعليه أن لا يتعمد المهن الخسيسة من أجل أن مردودها وعائدها أكبر.
فكسب الماشطة، والمزين، والحجام، ونحوهم حلال، ولكنه ليس بطيب، فمن كان له مال كسبه من غير هذه المهن فعليه أن يحج ويعتمر منه، وينفق هذا المال في معايشه، والله أعلم.

                  * الخلاصة
الذي يترجح لدي من مذاهب وأقوال أهل العلم السابقة الآتي:
  1. أن من حج أو اعتمر بمال حرام يعلم حرمته قبل الشروع في الحج حجه وعمرته مردودان عليه، ولا يجزيان عن حج وعمرة الإسلام.
  2. أن من حج بمال حرام وهو لا يعلم أن ماله هذا حرام عند قيامه بالحج والعمرة أن حجه صحيح وعليه أن يتخلص من هذا المال، من عينه إن وجد أوما يعادله.
  3. أن الجهل بعدم قبول وإجزاء الحج والعمرة بمال حرام لا ينفع، لأن من أوجب الواجبات لمن أراد الحج والعمرة تعلم ما لا يصح الحج إلا به، ويعلم مفسداته ومحظوراته.
  4.  إذا تبين له بعدما شرع في الحج أن بعض ماله حرام أوبه شبهة أومن كسب خسيس فعليه أن يتخلص منه برده إلى أصحابه أو بالتصدق به إن لم يعلم أصحابه أو تعذر رده إليهم أو إلى ورثتهم.

            * من أمثلة المال الحرام

على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
1.  المال المسروق، والمغصوب، والمنتهب، وما نيل عن طريق الرشوة، والمكوس، ونحوها.
2.  كسب المرابين والعاملين في المؤسسات الربوية.
3.  كسب الخمارين، والذين يزرعون، ويتاجرون، ويروجون للمخدرات والمسكرات بأنواعها المختلفة.
4.  المال المكتسب من زراعة التبغ، أوبيعه، أو الاتجار فيه: السجائر، والتمباك، والقورو، ونحوها.
5.  كسب المصورين للأنفس، وليس للمستندات والوثائق، لأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه.
6.  كسب الفنانين، والموسيقيين، والممثلين ونحوهم.
7.  المال المكتسب من البيوع المحرمة، كبيع العِينَة ونحو ذلك.



الدين النصيحة

أضف تعليق