هيئة علماء المسلمين في العراق

أول ضحايا العولمة البلدان النامية -هشام القروي
أول ضحايا العولمة البلدان النامية -هشام القروي أول ضحايا العولمة البلدان النامية -هشام القروي

أول ضحايا العولمة البلدان النامية -هشام القروي

تصبح الأصوات المعارضة للعولمة أكثر حدة فى ظل اتساع الهوة بين الطبقات الاجتماعية فى الدول المتقدمة، كلما تراجعت الوعود السابقة بتحقيق الرفاهية والازدهار لشعوب العالم. وفى الدول النامية بالخصوص ، حيث تبرز آثار العولمة بشكل أوضح، تعانى الطبقة العاملة التى تفتقر إلى المهارات العالية من تقلص أجورها وانحدارها إلى صفوف الفقراء.

وغالباً ما تجهل اليد العاملة، أو حتى الموظفين من الطبقة الوسطى، أن ما يقومون به من أعمال ويؤدونه من وظائف فى بلدانهم، يتقاضون عليه رواتب أقل بكثير مما يتقاضاه نظراؤهم فى بلدان أخرى.

ولأن النظام العالمى الحالى يسمح فقط بانتقال رؤوس الأموال ويغلق الأبواب فى وجه العمال، يتم تشجيع ما يسمى بترحيل الوظائف إلى الدول الأقل تقدماً للاستفادة من يد عاملة أقل تكلفة. والهدف النهائى دائماً هو تعظيم أرباح الشركات، وفى الوقت نفسه تفادى هجرة العمال إلى دول الشمال.

بالإضافة إلى ذلك يبرز عامل آخر تتسبب فيه العولمة بشكل مباشر، ويتمثل فى انتشار المحلات الكبرى التى تعرض بضائع منخفضة.

فهذه المحلات التى تبيع بضائع رخيصة للعمال فى دول مثل الولايات المتحدة وتشجع على الاستهلاك بأسعار لا ترهق جيوب محدودى الدخل، تؤكد نموذج المحافظين فى الاقتصاد الذى يدعو الشركات إلى تقليص النفقات للحفاظ على أرباحها، كما يحث الدول على خفض الضرائب والتقليل من الخدمات الاجتماعية للحفاظ على تنافسيتها على الصعيد العالمي.

هذه بعض الأفكار التى يستعرضها عن العولمة جوزيف ستيجليتز، الحاصل على جائزة نوبل فى الاقتصاد. وهو يذهب الى أن النتيجة المنطقية للعولمة، كما تدور عجلتها حالياً، هى انبثاق مجتمع مُختل، حيث المستفيدون من العولمة الذين يملكون رؤوس الأموال ويتوفرون على التعليم المناسب يتربعون على قمة الهرم المجتمعي، بينما يتراجع المستوى المعيشى للطبقة الوسطى بعد حرمانها من الخدمات الاجتماعية والصحية التى توفرها الدولة، وبعد تراجع القيمة الفعلية للرواتب، خصوصاً فى ظل البلدان التى تشهد معدلات مرتفعة من التضخم.

وينطبق هذا الأمر أيضاً على المجتمع الأميركى الذى بدأت تخترقه الفروق الاجتماعية الحادة ويفرغ من الطبقة الوسطى.

أما بالنسبة الى بلدان النامية التى تسعى المؤسسات المالية العالمية والبلدان الغنيةإلى إقناعها بفوائد العولمة وضرورة الانخراط فى الاقتصاد العالمي، فهى تعانى الأمرين جراء اتفاقيات التجارة الحرة مع دول الشمال ذات الشروط المجحفة وغير العادلة. فبعد مرور عشر سنوات تقريباً على توقيع اتفاقية "نافتا" التى تهم دول أميركا الشمالية والمكسيك، ازدادت الفروق فى الدخل بين المكسيك والولايات المتحدة إلى أكثر من 10%.

والأكثر من ذلك أن المزارعين الفقراء فى المكسيك أصبحوا مضطرين إلى التنافس مع المحاصيل الأميركية المدعومة حكومياً، داخل المكسيك نفسها، وفقاً لما تنص عليه اتفاقية "نافتا" من ضرورة فتح الحدود أمام المنتجات الفلاحية.

وبسبب استحالة التنافس مع المحاصيل الأميركية الرخيصة التى تغرق الأسواق المكسيكية، يهجر المزارعون أرضهم ويتجهون نحو المدن لتتفاقم بذلك المشاكل الاجتماعية ويصعب على السلطات حلها. وعندما تضيق المدن بقاطنيها يولى العديد من المكسيكيين وجوههم شطر الولايات المتحدة فى رحلة شاقة تخلف الكثير من الضحايا.

ولعل الحل الأمثل لهذا الاختلال الذى تكرسه اتفاقيات التجارة الحرة هو تشبث المكسيك وكل الدول المشابهة لوضعها بالرسوم الجمركية على المنتجات الفلاحية القادمة من الشمال لمواجهة الدعم الحكومى للقطاع الزراعى فى البلدان الغنية، أو أن تقوم هذه الأخيرة، وخصوصاً الولايات المتحدة برفع الرسوم المفروضة على قصب السكر وغيره من المنتجات الفلاحية المكسيكية.

واللافت حقاً أن الدول المتقدمة تفرض رسوماً جمركية على الدول الفقيرة تفوق بأربع مرات ما تفرضه تلك الدول الغنية على بعضها بعضاً. وفى المقابل تكلف اتفاقيات التجارة الحرة الدول الفقيرة ثلاث مرات أكثر مما تتلقاه من مساعدات إنمائية من الدول الغنية بسبب القيود التى تفرضها هذه الأخيرة على دخول المنتجات الفلاحية للبلدان النامية.

فما العمل ؟ قد يسأل بعضكم. لا يوجد جواب واحد عن هذا السؤال. فالخبراء الاقتصاديون يختلفون، ولكن الصحيح هو أنه لا يوجد أيضا نموذج واحد للتنمية الاقتصادية، وعلى كل بلد أن يجد حله بنفسه.

وكالة الاخبار العراقية

أضف تعليق