يعكس قرار الرئيس جورج بوش تأجيل البت في قراره النهائي حول العراق إلى ما بعد أعياد الميلاد صراعاً داخلياً يهدد بالوصول مجدداً إلى وضع صدامي حادث لا محالة قسّم التوجه الرسمي الأمريكي إلى فريقين، أحدهما يتبنى وبشكل واضح توصيات تقرير بيكر هاملتون والآخر معاكس يتبنى توجيهات وتوصيات “المحافظون الجدد”. ولا يبدو الرئيس الأمريكي حتى هذه اللحظة متحمساً لتوصيات الفريق الأول، بل على العكس بدا أميل بعناد معتاد إلى تبني وجهة نظر الفريق المحافظ، وهو ما تكشف عنه تصريحاته التي وصف فيها ضمنياً بعض المقترحات بأنها ستؤدي للهزيمة.
والواضح أن الرئيس الأمريكي، على عكس ما يردد مستشاروه بأنه يدرس كافة التوصيات والتقارير من مختلف الجهات بما فيها توصيات بيكر، سيتجنب في قراره النهائي تنفيذ ما لا يعجبه من توصيات الحكماء، وان قراره بتأجيل الإعلان عنه جاء في اطار تجنب اغضاب الرأي العام الأمريكي في موسم الأعياد، خصوصاً بعدما أظهرت استطلاعات للرأي أمس الخميس ان 23 في المائة فقط من الأمريكيين راضون عن أداء الرئيس بوش، بينما أبدى 71 في المائة عدم رضاهم عن أدائه، ورأى 59 في المائة ان على الكونجرس ان يضع السياسات مقابل 21 في المائة فقط قالوا إن على الرئيس ان يتولى وضع السياسات.
الواضح أيضاً ان الرئيس بوش خلال لقائه بالعسكريين في وزارة الدفاع لم يكن سعيداً قط تقريباً بكل ما سمعه منهم، حيث جاءت تقاريرهم وتوصياتهم له، وجها لوجه هذه المرة، متناغمة إلى حد كبير مع معظم توصيات لجنة بيكر.
لقد واجه العسكريون بواقع ما يحدث على الأرض والتكتيكات المفترض تبنيها، فطالبوه بإعادة انتشار للقوات الأمريكية، “فقط إعادة انتشار”، وقالوا له صراحة إن الوضع في العراق ليس في حاجة لإرسال المزيد من القوات بل المطلوب حل سياسي واقتصادي بالتوازي مع سحب القوات الأمريكية من نحو 400 قاعدة ووحدة عسكرية في العراق، وإعادة نشرهم في قواعد أقل، وبشكل تدريجي، وحيث يتم تخفيض عدد القواعد الأمريكية بحلول الربع الأول من العام المقبل إلى 55 قاعدة، يخفض عددها ثانية خلال الأشهر الثلاثة اللاحقة (الربيع) إلى 17 قاعدة، ثم بنهاية الصيف المقبل يتم تمركز القوات الأمريكية فيما لا يزيد على 11 قاعدة كبيرة بالعراق.
أيضاً، رأى العسكريون ضرورة التقليل من الدور القتالي للقوات الأمريكية في العراق، مع تركيزهم على مضاعفة إعداد القوات الأمريكية العاملة بوحدات تدريب الجيش العراقي من ثلاثة آلاف عسكري استشاري حالياً إلى مابين 15 و20 ألف أمريكي بأسرع وقت ممكن، بحيث ينشطون في جميع وحدات الجيش العراقي، في إطار تسريع إعداد جيش مدرب.
وأتت آراء عسكريي “البنتاجون” لتصطدم مجرداً مع آراء صقور إدارة بوش والأكثر تأثيراً عليه ومنهم، والتي تتماشى آرائهم مع توجهات مسؤولي مجلس الأمن القومي وبعض كبار مسؤولي وزارة الخارجية، حيث يرى هذا الفريق ضرورة زيادة أعداد القوات الأمريكية في العراق، وإرسال لما بين 20 ألف إلى 30 ألف جندي فوراً ولفترة محدودة، بهدف القيام بعملية هي ببساطة اعادة لعملية احتلال العراق، غرضها فرض السيطرة على الأراضي العراقية وتطويقها بما في ذلك العاصمة بغداد، يجري بعدها سحب الزيادة من القوات.
هذه الأفكار اعتبرها كثيرون من العقلاء تبمثابة “كلام فارغ” حسب تعليق أحدهم ل “الخليج”، لأنه سيكون بمثابة تكرار “احتلال العراق”، وبالتالي تكرار تكبد المزيد من الخسائر، أي انه في حالة تبني ادارة بوش لتوجه المحافظين الجدد هذا، فإنها تقوم عن عمد بتكرار كارثة الغزو، ولدينا مثال مصغر هو عملية احتلال “الفالوجا 1” و”الفالوجا 2”، حيث دمرت الفالوجا تماماً وكانت النتيجة (فياسكو) كبيراً. الأمر الأهم ان عناد الرئيس الأمريكي لتنفيذ توصيات بيكر هاميلتون يبدو غير واقعي، خاصة لو علمنا ان تلك التوصيات تؤدي في معظمها الى تنفيذ الأهداف الحقيقة من وراء عملية غزو العراق برمتها، وهي الأهداف التي خطتها لجنة بيكر من دون مواربة ومن دون ادعاء بأن الغزو كان من أجل أسلحة دمار شامل بحوزة نظام صدام حسين أو من أجل ادعاءات دمقرطة العراق وتلقي الزهور. وكمثال على ذلك، فإن توصيات بيكر ركزت على تحقيق انسحاب تدريجي من العراق مع الابقاء على حوالي ستين ألف جندي أمريكي فقط ولأجل غير مسمى داخل ما بين 5 6 قواعد كبرى، أي تكريس وضع حامية عسكرية دائمة، وإذا كان المحافظون الجدد والأمر ليس خافياً على أحد يهمهم نفط العراق، فإن تقرير بيكر كان مريحاً حينما طالب بإعادة توزيع الثروة النفطية.
يتضح مما تقدم بروز حقيقة واحدة وهي أهمية أن تتوقف في عالمنا العربي المراهنات على الأمريكي الشرير والأمريكي الطيب، فكلاهما لا يعمل سوى لمصلحة أمريكا، وأمريكا فقط.
واشنطن - حنان البدري:
الخليج الامارتية
نحو إعادة احتلال العراق
