تتمسك المعارضة اللبنانية بمطلبها الحصول على الثلث المعطل في الحكومة وتسميه الثلث الضامن المشاركة. حصولها على الثلث يعني قدرتها على حرمان الحكومة من الاجتماع اذا رغبت. يعني ايضا استحالة صدور اي قرار في اي شأن جوهري من دون موافقتها. وبموجب الدستور تعتبر الحكومة مستقيلة اذا استقال ثلث اعضائها وهذا يعني قدرة الثلث المعارض على نسف الحكومة ساعة يرى مصلحته في دفعها الى حتفها.
لنترك لبنان جانباً. ما يعوق حل بعض الازمات الاقليمية حاليا هو امتلاك ايران الثلث المعطل فيها، او مطالبتها باعتراف اميركي بحقها في الحصول على هذا الثلث. بعض الاسئلة البسيطة تكفي لتوضيح المسألة. هل يمكن فرض الأمن والاستقرار في العراق من دون موافقة ايران؟ هل يمكن تشكيل حكومة في بلاد الرافدين من دون اعطاء طهران الثلث المعطل فيها، هذا اذا اقتنعت بهذه الحصة؟ هل يمكن ترتيب انسحاب اميركي في شروط معقولة او شبه معقولة من العراق من دون مساعدة بادرت ايران الى عرضها اذا قررت واشنطن الانسحاب؟ لا يبتهج عربي على الاطلاق حين تمسك ايران بهذا الكم من الأوراق على المسرح العراقي. لا يبتهج لرؤية العراق يتحول ساحة أسوة بما اصاب لبنان.
لنترك العراق جانبا. هل يمكن تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية من دون موافقة ايران؟ هل يمكن ابرام صفقة لإطلاق الجندي الاسرائيلي غلعاد شاليت من دون معالجة الثلث الايراني المعطل؟ هل يمكن ترتيب وقف طويل لاطلاق النار خلافا لحسابات ايران التي يمكن ان تتصف بمرونة ظاهرة او تشدد مفرط تبعا لرقصة التنابذ والتفاوض في المنطقة؟ مسكين الرئيس محمود عباس عليه، كلما طلب شيئا من رئيس وزرائه، ان ينتظر عودة الحمام الزاجل من دمشق وطهران.
من يتطلع الى امتلاك الثلث المعطل او الضامن في المنطقة عليه الاتكاء على ورقة مهمة في النزاع مع اسرائيل. منذ ايام الامام الخميني صار «يوم القدس» تقليداً ايرانياً. العلاقة مع «حزب الله» اتاحت لايران الإقامة على حدود فلسطين المحتلة. انهمار الصواريخ الايرانية الصنع على شمال اسرائيل الصيف الماضي كان في سياق تأكيد القدرة على توظيف الثلث المعطل في تهديد أمن اسرائيل. من الملف العراقي الى جنوب لبنان مروراً بالتحالف مع سورية ووصولاً الى مخيمات غزة، تذكر ايران الولايات المتحدة بقدرتها على العرقلة بعدما كانت اثبتت لها في افغانستان قدرتها على التعاون.
ومن المواقف والتصريحات والممارسات مرفقة بتخصيب اليورانيوم تحاول ايران ان تنتزع لنفسها الموقع الاول في الاقليم موظفة ما تعتبره قدرتها على امتلاك الثلث المعطل في أمن النفط وأمن المنطقة وأمن اسرائيل. وهذا يعني انها تقدم نفسها مشروع منافس للحضور الاميركي في المنطقة او مشروع شريك. وثمة من يعتقد بأن ايران تذهب أبعد في الاحلام وتراهن على ملء جزء غير متواضع من الفراغ الذي تركه في المنطقة الاتحاد السوفياتي بعد اندحاره وانفجاره.
ان محاولة ايران انتزاع الثلث المعطل في دول وملفات وعلى مستوى المنطقة ككل ليست حدثاً بسيطاً لأنها تمس أمن الآخرين ومصالحهم وحساسياتهم وتشكل انقلاباً على توازنات اكثر انسجاما مع تركيبة المنطقة. لا مصلحة للعرب في العداء لايران، لكن لا مصلحة لهم ايضاً في دفع ثمن المواجهة بين طهران وواشنطن او ثمن الاتفاق بينهما. معركة الثلث الايراني المعطل لا تزال في بداياتها والالتفات الى مجرياتها يساعد في فهم بؤر التوتر المفتوحة في المنطقة.
* نقلا عن صحيفة " الحياة" اللندنية
إيران والثلث المعطَّل- غسان شربل
