من يقرأ تصريحات بعض السياسيين العراقيين عن حاجتهم إلى بقاء قوات الاحتلال الأمريكي في العراق (مثل عبدالعزيز الحكيم وجلال الطالباني ونوري المالكي)، لن يفهم من ذلك فقط أن هؤلاء ومَنْ يمثلون ومَن يُحالفون لا يستطيعون الدفاع عن “نظامهم السياسي” إلا بقوة الجيش المحتلّ،
بل يفهم منه أيضاً وربما أساساً أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يشتري سياسياً مثل تلك التصريحات كي يُعزّز بها وضعه المتهالك في العراق وفي الداخل الأمريكي بعد أن سدَّدت له المقاومة الوطنية العراقية و”الحزب الديمقراطي” (مستفيداً منها) ضربات موجعة أرهقت سلطانه السياسي المطلق وحَدَّتْ منه، بل نالتْ.
فقد جورج بوش شعبيته في بلده بعد ان حجب عنه الأمريكيون التأييد في انتخابات مجلسي الكونجرس، وكانت سياسته في العراق سبب فقدانه الشعبية والتأييد، ويبدو اليوم وكأنه يعوض عنهما بتأييد بعض السياسيين العراقيين الحلفاء للسياسة نفسها التي اقترع الشعب الأمريكي ضدها قبل اسابيع فأسقطها وأسقط بعضاً من كبار رموزها: كان دونالد رامسفيلد أولهم، وقطعاً لن يكون جون بولتون آخرهم.
ثمة مفارقة صارخة تستدعي التأمل: يحتجُّ الأمريكيون على غزو جيش بلدهم بلداً آخر يبعد عنهم بآلاف الأميال فيعاقبون رئيسهم وإدارته وحزبه، فيما يهلل بعض قليل من العراقيين لغزو بلدهم واحتلاله ويتوسلون المحتل بتمديد احتلاله إلى آماد أخرى قادمة حتى يستقيم أمرهم أو عسى أن يستقيم لهم في يوم ما من الأيام (لا دليل على أنه قريب في كل حال)!
خَلْفَ هذه المفارقة اصطفاف سياسي ومعسكران، في جانب أول يقف الشعبان العراقي والأمريكي ومعهما المقاومة العراقية والمعارضة الأمريكية للحرب ويقف في الجانب الثاني النظام الأمريكي الجمهوري المحافظ وحلفاؤه السياسيون في العراق. يطالب المعسكر الأول لأسباب ودواع متباينة برحيل الاحتلال، ويتمسك المعسكر الثاني ببقائه، يتقدم الأول ظافراً ويتراجع الثاني مندحراً. الأول يحاصر الثاني، أما هذا فيكابر. لا عجب إن تمسك حلفاء المعسكر الثاني بحلفهم و”ممانعتهم” حتى وإن خسروا حربهم عسكرياً وسياسياً.
أخشى ما يخشاه فريق (عراقي) في المعسكر الثاني ان يخذله حليفه الأمريكي فيتنازل تحت الضغط، يرتفع معدل الخوف لدى هذا الفريق حين يلحظ كيف يتدفق اليوم سيل من المتغيرات السياسية المفاجئة، وكيف تنحو وقائعها نحو التأسيس لإطلاق عد عكسي للاحتلال الأمريكي: صعود الديمقراطيين إلى سدة التشريع في “الكابيتول”، تَدَحرجُ رؤوس رموز الحرب والتطرف في إدارة بوش (دونالد رامسفيلد، جون بولتون)، تصريح وزير الدفاع الأمريكي الجديد (روبرت جيتس) أمام لجنة الدفاع في الكونجرس بأن أمريكا لا تحقق انتصارات في العراق وبأن عليها أن تفتح حواراً مع سوريا وإيران في الموضوع، ثم تقرير لجنة بيكر هاملتون وما ورد فيه من توصيات.
تجتمع هذه الوقائع برمتها لتقول شيئاً واحداً: أزف موعد رحيل الاحتلال الأمريكي من العراق. كان هذا الموعد قد أزف فعلاً منذ وقت طويل، منذ بدأت احتجاجات الرأي العام الأمريكي على سياسات إدارة بوش في العراق تطلق دينامية اعتراضية في المجتمع الامريكي، منذ فضيحة سجن “أبوغريب” وتزايد ظاهرة رفض الخدمة العسكرية في العراق إلى حركة سيندي شيهان وأمهات الجنود القتلى، إلى وصول عدد القتلى والجرحى من الجيش الأمريكي إلى حدود لا تطاق، إلى تزايد التساؤل عن معنى بقاء الجيش عرضة للموت في بلد لم يعثر فيه بوش على “أسلحة دمار شامل”، ولا على علاقة مؤكدة لنظام الرئيس صدام حسين بتنظيم “القاعدة”.. الخ. ثم كان الشعور بالحاجة إلى الخروج من العراق يتزايد في أوساط الأمريكيين مع تزايد الشعور بأن حرب أمريكا على “الإرهاب” لم تجعل العالم أكثر أمناً، على ما زَعَمَ بوش، بمقدار ما أطلقت “الإرهاب” من قمقمه وقدَّمت له جنود أمريكا في عقر داره على طبق من ذهب دون ان تكلفه عناء الذهاب إليها.
مع ذلك، ومع أن الموعد أزف منذ سنوات، ركبت إدارة بوش رأسها واستمرت في سياستها غير آبهة بهذه الاعتراضات والحقائق حتى وقعت الواقعة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وخسرت أغلبيتها التشريعية، لكن الإدارة إياها التي أجبرتها هزيمتها الانتخابية على تقديم بعض التنازلات للمعارضة الديمقراطية وللرأي العام ما زالت تجرّبُ أن تخيط الماء لتبقي جيشها أطول وقت ممكن، وهي لذلك تلجأ إلى أصدقائها في العراق ليتوسلوا بقاءها بعد أن رفضه الشعب الأمريكي!
لا يمكن للرئيس بوش أن يستعير شعباً آخر أو قاعدة سياسية أخرى إن فقد ثقة شعبه وقواعده. إنه يعلم ان بقاءه في العراق سيهزم الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة. لكنه يريد ان يخرج من ولايته “بطلاً” “غير مهزوم”. فما أفدح ثمن هذه “البطولة”.
الخليج الامارتية
تقرير بيكر - هاملتون والثمن الفادح لـ\"البطولة\"-د. عبدالإله بلقزيز
