هيئة علماء المسلمين في العراق

حلقة الخذلان الأمريكي المتوقع للعراق- حمد الماجد
حلقة الخذلان الأمريكي المتوقع للعراق- حمد الماجد حلقة الخذلان الأمريكي المتوقع للعراق- حمد الماجد

حلقة الخذلان الأمريكي المتوقع للعراق- حمد الماجد

إشكال الانسحاب الأمريكي هذه الأيام من العراق مثل إشكال الرصاصة التي استقرت في العمود الفقري، يَحَارُ الأطباء في أمرها، فإن تركوها كانت خطرا محدقا يمكن في أية لحظة أو حركة من المريض أن تقضي على حياته، وإن حاول الأطباء انتزاعها صار عرضة كبيرة لإصابته بشلل مضاعف. أمريكا بالتأكيد لا يعنيها المريض العراقي، أصيب بشلل رباعي أو سباعي، أو شلت حياته بالكامل، بل ليذهب العراق والعراقيون إلى الجحيم ما دامت هي ومصالحها وإسرائيل بسلام وصحة وعافية. وهذه رسالة لا بد أن يفهمها كل من تحالف مع أمريكا داخل العراق وخارجه.

النكوص الأمريكي له تاريخ حافل ومجيد، حتى أصبح المستجير بعمرو الأمريكي كالمستجير من الرمضاء بالنار، وليس صحيحا أن الخذلان الأمريكي ضحاياه المسلمون أو يستهدف المصالح العربية والإسلامية فقط، فهذه بولندا وتشيكوسلوفاكيا اللتان احتلتهما ألمانيا النازية ما برحتا تتذكران الصمت الأمريكي المريب تجاه الاحتلال الألماني النازي لهذين البلدين مع أن أمريكا كانت للتو قد بدأت ترفع شعار تقرير المصير، ثم راحت أوروبا الشرقية لقمة سائغة في فم الدب الروسي، ولم تتحرك أمريكا خطوة واحدة، وحين تململت شعوب أوروبا الشرقية تنشد الحرية من كبت السوفييت، فانتفضت ألمانيا الشرقية في الخمسينات وهنغاريا والتشيك في الستينات، وراح ضحية هذه الانتفاضات عشرات الألوف، وهم حلفاء أمريكا وجلادهم عدوها الروسي اللدود، ردت أمريكا ببرود قاتل وخذلتهم في وقت عصيب، ولا زالت المعارضة الكوبية في المنفى الأمريكي تتذكر كيف سلمتهم أمريكا لعدوهم كاسترو حين رست طلائع سفنهم على الساحل الكوبي مطلع الستينات تحت رعاية الاستخبارات الأمريكية فتنبهت لهم قوات الرئيس الكوبي، فكانوا بين قتيل وأسير فرفض الرئيس الأمريكي كينيدي آنذاك تقديم أية مساعدات لهم، ولو لمحاولة إنقاذهم.

وفي فيتنام عام 1973 وفي ظروف مشابهة تماما لما يجري في العراق هذه الأيام حين اعترى الجيش الأمريكي في فيتنام شعور الاحباط وهبوط المعنويات، انسحبوا من فيتنام وتركوا فيتنام الجنوبية تتعرض لبطش الشيوعيين الشماليين. ولا تزال مرارة الخذلان الأمريكي عالقة في حلق الجنوبيين إلى الآن. وأما الضحية الأشهر في منطقتنا للخذلان الأمريكي فهو شاه إيران الحليف الأقوى لأمريكا، والذي نصبته بنفسها شاها لإيران عام 1953، فقد تخلت عنه أمريكا لا أقصد مساندته، ولكنها تعالت حتى عن إيوائه بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت مع أنه هو الذي خدمها وخدم مصالحها لدرجة العبودية.

والشيعة العراقيون ومعهم الأكراد الذين يستمتعون هذه الأيام بدفء الدعم الأمريكي لا أظنهم نسوا أن الأمريكيين خذلوهم عام 1991، فقد أطلق لهم الرئيس بوش (الأب) إشارة البدء بالانتفاضة على الحكومة العراقية بعيد انسحاب الجيش العراقي من الكويت، فقمع صدام حسين هذه الانتفاضة بشراسته المعروفة. وظل بوش (الأب) يتفرج كما سيتفرج بوش (الإبن) يوما على الحرب الأهلية العراقية بعد انسحاب قواته المحتلة من العراق.

مخطِئٌ من يحاول إقناعنا بأن أمريكا صادقة في تطوير الأوضاع الديموقراطية في منطقتنا ونشر الحريات وقمع الديكتاتوريات، وما يجري على الساحة العراقية خير دليل، والذين يحسبون أنهم واقعيون في ضرورة الاعتماد على أمريكا والتعويل عليها في تحسين الأوضاع إلى الأفضل لا يعون جيدا التاريخ الأمريكي الغني بالأمثلة الكثيرة من التخلي عن الحلفاء والأصدقاء ناهيك من الذين ترتبط بهم أمريكا بزواج متعة عابر.

الشرق الاوسط

أضف تعليق