الأحداث التي تجري في العراق كثيرة، وهي أحداث متنوعة بأشكالها ودوافعها وبمن يقف وراءها. لكن كثيرين يرون أن استهداف الأساتذة والعلماء والأطباء يكتنفه غموض شديد، وهناك من يحاول أن يتلمس خيوط المشكلة المتشابكة...
والأمر الذي يتفق عليه الجميع، هو أن ما يشهده العراق يشكل استنزافا مخيفا للعقول والكفاءات والاختصاصات العلمية والأكاديمية. توجهنا بالسؤال عن هذا الموضوع الى أكاديميين عراقيين حول هذا الموضوع، نورد آراءهم أدناه.
د. عباس الحسيني - السكرتير العام للجنة التعليم العالي العراقية في المملكة المتحدة - جامعة ويستمنستر - لندن
استهداف الاكاديميين والعلماء العراقيين هو جزء من خطة لتدمير العراق لأجل ايقاف العملية السياسية ولأجل ايقاف اعادة اعمار العراق.
التخطيط لقتل الاكاديميين والعلماء العراقيين وقتلهم تقوم به مجموعات منظمة اعضاؤها من عناصر الاجهزة القمعية للنظام السابق وبتعاون من مسلحين اجانب وعراقيين.
وما يمكن عمله عاجلا لوضع حد لهذا الاستهداف وإيقافه يتلخص بما يلي:
دعم العملية السياسية والاستمرار في إشاعة الديمقراطية في النظام السياسي والاجتماعي وايقاف اي نشاطات سياسية ومذهبية في الجامعات.
كذلك يجب تشديد الحراسة حول الجامعات والطرق اليها وعلى وسائل وطرق تنقل الاساتدة. وتهيئة السكن للاساتدة في الجامعات او في اماكن قريبة والبدء في بناء الاقسام السكنية لهم.
وعلى الدول والمنظمات تقديم الاموال والمساعدات لدعم الأكاديميين وأصحاب الاختصاص في العراق.
لقد نظمنا من خلال لجنة التعليم العالي العراقية في المملكة المتحدة يوما للتضامن مع الاكاديميين والعلماء حيث شارك العديد من الاكاديميين والعلماء العراقيين في المملكة المتحدة وايرلندا.
ومن نتائج هدا اليوم التضامني ارسال نداء الى كثير من المنظمات والشخصيات العالمية تدعوهم لمساعدة الاكاديميين والعلماء العراقيين. وسلم هذا النداء شخصيا باليد الى المدير العام لمنظمة اليونسكو كويشيرو ماتسورا يوم 14 مايو 2006.
د. محمد الربيعي - مستشار الرئيس العراقي للشؤون العلمية وبروفيسور في الجامعات البريطانية والإيرلندية
تطال عمليات الاغتيال كل الاختصاصات ووصلت إلى غالبية الجامعات عدا الموجودة في إقليم كردستان. وأصبحت ظاهرة خطف واغتيال الأكاديميين ظاهرة متكررة مما أدى إلى اضطراب الأجواء الجامعية وازدياد الصراعات الشخصية والطائفية وازدياد هجرة العقول إلى الخارج.
وتسببت هذه المشاكل في إعاقة الكوادر الجامعية من مواصلة عملها الأكاديمي وإحباط آمالها في تحقيق نهضة علمية تمكن العراق من اللحاق بركب الدول المتطورة واخذ دورها في بناء الاقتصاد الوطني.
كما ان الجامعات تخضع اليوم لابتزاز وضغوط مستمرة متناثرة ومن جهات مختلفة تعرقل عملها وتتدخل في شؤونها او تحاول فرض تقليد او ممارسة معينة لا تمت صلة الى مهمتها العلمية والتعليمية.
ان الخطر الذي يواجه كل الأكاديميين اليوم يكمن في استهدافهم وإجبار العلماء على الهجرة إلى الخارج ومنع من هو في الخارج من العودة إلى الوطن، بالإضافة إلى استهداف الأكاديميين من قبل جماعات سياسية طائفية متطرفة كرد فعل على أعمال إرهابية، وأحيانا بسبب انتماءاتهم السياسية السابقة مما جعلهم عرضة للانتقام.
وبسبب عدم توفر الحماية الشخصية الكافية للأكاديميين وعائلاتهم يقعون فريسة العصابات المنظمة من خطف واغتيال ولصوصية.
يمكن تصنيف القوى التي تستهدف الاكاديميين والعلماء وغيرهم من الكفاءات المتميزة في المجتمع إلى قوى او افراد من بقايا النظام السابق او من تلك التي فقدت مواقعها ونفوذها داخل وقوى سياسية تريد "تطهير" الجامعة من كل اكاديمي بعثي او متعاون مع النظام السابق، وقوى طائفية تريد التخلص من كل اكاديمي ينتمي الى طائفة من غير الطائفة التي تشكل الاكثرية في المحافظة التي تقع فيها الجامعة.
وهناك قوى او افراد من بعض الاحزاب السياسية الدينية تريد ان تكون الجامعة جزءا من الصورة التي تراها للاسلام فتتدخل في شؤون الادارات او تحاول فرض تقليد او ممارسة معينة لا تمت صلة الى مهمة الجامعة.
للمساعدة في معالجة الموقف، على الدول والمنظمات العالمية تقديم الدعم المادي والمعنوي للعلماء والاكاديميين العراقيين. أما في الجانب الأمني فأن ما تستطيع تقديمه هذه القوى الدولية من منظمات وغيرها ان تعلن وقوفها الى جانب الأكاديميين العراقيين وتجرم كل عمل يرتكب ضدهم من داخل وخارج الجامعة ومساعدة الحكومة العراقية والقوى الأمنية لحماية الجامعيين العراقيين.
كما يجب التنسيق والعمل المشترك بين كل الاكاديميين لتشكيل كيان او اطار يقدم النصح والتوجيه للحكومة للتعامل مع الواقع المؤلم الذي تعيشه الجامعة والمجتمع من منطلق عراقي وطني.
ومن الضروري الالتزام بنشر مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية داخل الجامعة بغض النظر عن الانتماء المذهبي والقومي. وكذلك حث الدولة على تقدير الكفاءات العلمية المهاجرة وتثمين دورها في خدمة الوطن وذلك بتوفير الامن والمناخ العلمي والاكاديمي بالاضافة الى توفير الحوافز لمن يتبنون التطوير ومكافأة المبدعين والعلماء وتوفير فرصا حقيقية لهم للربح المادي والتميز في المكانة الاجتماعية.
ويجب مطالبة القوى السياسية وأعضاء مجلس النواب والحكومة العراقية بالاشتراك مع قيادات الجامعات العراقية وأعضاء هيئاتها التدريسية عقد مؤتمر عام حول وضع الجامعات لمناقشة واقرار مبادئ شرف يتمسك بها الجميع للحفاظ عليها كمؤسسات علمية وتربوية لنشر مبادئ الحرية والعدالة.
د. إسماعيل الجليلي - أستاذ استشاري في طب وجراحة العيون في المملكة المتحدة وعضو استشاري في لجنة بروكسيل القضائية
ما يحدث للعقول العراقية عملية تصفية للقابليات والطاقات البشرية التي يملكها العراق كجزء من المخطط الإستراتيجي لإضعاف هذا البلد وإنهائه كقوة إستراتيجية مهمة بالمنطقة.
إذا تمكن هذا البلد والذي ستكون نفوسه 50 مليونا بعد 25 عاما و 100 مليون بعد نصف قرن، أن ينمو ويتقدم فسيكون مركز ثقل استراتيجي ليس في المنطقة العربية والشرق الأوسط فحسب وإنما عالميا .
إن عراقا قويا وغنيا ومتقدما، لن يكون مرغوبا على نطاق السياسة الجعرافية (الجيوبوليتيك) وخاصة في المنطقة. ومن المنطق أن تسعى القوى العالمية والمحلية إلى إضعافه وتفتيته. وسياسة القتل والتهديد بالقتل وتهجير العقول والقابليات ما هي إلا وجه من الوجوه المتعددة لهذا المخطط، وأصبحت حقيقة واقعة وظاهرة تعدت مرحلة "نظرية المؤامرة"، بدأت مباشرة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.
ملامح "الشرق الأوسط الجديد" بدأت تظهر بمناطق عربية أخرى من أجل أن تتحول المنطقة إلى دويلات صغيرة متناحرة تنفق مواردها على السلاح فيستحيل تقدمها وبالتالي تفقد كل طاقاتها البشرية المتطورة في هجرة متواصلة للغرب الذي هو في أمس الحاجة لها.
ومن يستهدف الأكاديميين والعلماء والأطباء العراقيين هم من لهم مصلحة في تنفيذ هذا المخطط لشرق أوسط جديد.
إن لوضع حد لهذا الاستنزاف يحتاج إلى عمل مكثف دائب وتنسيق جهود على مختلف المستويات ابتداء بالأمم المتحدة وجامعو الدول العربية مرورا بالمنظمات الدولية والإنسانية عالميا وعربيا ونزولا إلى الفرد العراقي والعربي وتجمعاته السياسية والاجتماعية والثقافية.
مع شديد الأسف لا يوجد مثل هذا التنسيق تماما وبقي المثقف العراقي في العراء: إما يهاجر خارج العراق أو يتعرض للخطف والقتل.
الأمم المتحدة عقيمة تسيرها الدول الكبرى ومصالحها. والجامعة العربية هي انعكاس للواقع والسبات العربي المؤلم. والدول العربية حكامها يخشون على مراكزهم، وأنظمتها تفقد الثقة بالنفس وشعوبها في حالة سبات رهيب. المنظمات الدولية والإنسانية مستمرة في عملها في معالجة هذه القضية لكن تأثيرها محدود وتفقد التنسيق مع بعضها البعض والذي هو أساسي ليعلو صوتها ويزداد تأثيرها.
الوضع بالعراق سواء بالنسبة للكفاءات العالية أو للفرد العادي مأسوي. الحلول الجذرية سواء بيقظة الفرد العربي من اللامبالاة وعقد الخوف، وتوحيد الجهود العربية وجهود المنظمات العراقية العاملة بالغرب والداخل وابتعادها عن التركيز على المسائل الثانوية التي تفرقها إلخ هي نظرية وتحقيقها يحتاج إلى مدى طويل.
الدور الرئيسي والحيوي هو للإعلام وضرورة تركيزه المستمر على معضلة تصفية الكفاءات العالية وغيرهم مع العمل لحث الفرد العراقي خاصة والفرد العربي عامة لنبذ اللامبالاة. ولا بد من تشجيع مختلف المنظمات الدولية لوحيد جهودها لمعالجة استهداف العلماء والأطباء بالعراق.
د. سمير قلندر - أخصائي أشعة
لا ابالغ حين اقول بأن هنالك عملية ابادة جماعية و مستمره تشمل الأكاديمين والعلماء و الأطباء و الحضارة و الثقافة و التاريخ و كل ما هو حي في بلادي منذ الأحتلال و حتى اليوم .
وأعتقد من يقوم بهده الأعمال لا بد انه ينفذها بآلنيابة عن جهات تريد تهديم الحضارة و الأستمرار بالحياة في هذا البلد.
هنالك أطراف خارجية عدة لها غاية بالقضاء على كل ما هو حضاري و حي في العراق ، ناهيك عن فقدان سلطة الدولة و الأنفلات الأمني و سيطرة الميلشيات و العصابات التي لا يردعها دين ولا أخلاق ولا قانون .
على الحكومة العراقية أن تعمل على مساعدتهم. لماذا لا تحميهم و توفر لهم الأحترام و الأستقلالية في أماكن عملهم و تدريسهم ؟ لماذا تتركهم تحت رحمة الأحزاب و التطرف و كل من هب و دب ليكون مرجعا عن دور العلم و الثقافة و التربية ؟ لماذا يجرون على الفرار ثم نطلب من الدول أن تساعدهم ؟
ذوو الاختصاص الآن لا حول لهم و لا قوة و من لم يغادر سيقتل أو يختطف لا محالة .
لقد تركت عملي كرئيس قسم في مستشفى تعليمي تخصصي كما تركت عملي الخاص و مرضاي وبدأت من الصفر في بلد المهجر ، و الحمد لله، أعمل الآن و لكن أحس بأنني فقدت الأستقرار الى الأبد .
البي بي سي
آراء أكاديميين عراقيين باستنزاف العقول العراقية
