هيئة علماء المسلمين في العراق

هل من مخرج لأزمة الناتو في أفغانستان؟-د. عبد الباقي عبد الكبير
هل من مخرج لأزمة الناتو في أفغانستان؟-د. عبد الباقي عبد الكبير هل من مخرج لأزمة الناتو في أفغانستان؟-د. عبد الباقي عبد الكبير

هل من مخرج لأزمة الناتو في أفغانستان؟-د. عبد الباقي عبد الكبير

وافق قادة الدول الأعضاء في حلف الناتو خلال القمة المنعقدة في لاتفيا يوم 30 نوفمبر 2006 على تخفيف القيود على نشر قواتها في أفغانستان. وقال مسئول في الحلف: إن 75% من القوات سيتم السماح لها بالانتشار في أي مكان في البلاد. كما ركزت القمة على أهمية العمل في مجال البناء والتعمير كعامل مساعد للأمن والاستقرار. الصعوبات التي تواجهها قوات الناتو
لقد وُصِفت مهمة قوات الناتو في أفغانستان بالمهمة الأصعب في تاريخه، وهذا الوصف أطلقه جورج بوش كما أطلقته وسائل إعلام غربية وفقا لما يراه المحللون للأوضاع في أفغانستان، وتتمثل هذه الصعوبات فيما يلي:
1- ضعف الناتو الداخلي: الذي يتمثل في تهرب الدول الأعضاء من مسئوليات قتالية، حيث يعاني حاليا الجنود البريطانيون والكنديون والهولنديون من مرارة الحرب في جنوب أفغانستان أكثر من قوات الدول الأخرى، والقوات الألمانية والفرنسية تمانع من إرسال قواتها إلى جنوب أفغانستان -المناطق الأكثر خطورة- كما أن الدول الأعضاء لم تستجب بصورة عملية لمطالب قائد قوات الناتو في أفغانستان بتكوين فرقة للتدخل السريع في حدود 2500 جندي وتوفير التجهيزات الحربية لأجل الحماية اللازمة للجنود المحاربين في أفغانستان. هذا بالإضافة إلى أن قوات الناتو في أفغانستان تتبنى عقائد قتالية مختلفة وتتصرف وفق مقتضيات سياسة كل دولة ومصالحها، ولها تفويضات مختلفة ولها محاذيرها الوطنية فيما يمكنها أو ما لا يمكنها القيام به، فبالنسبة لكل قوة من تلك القوات بما فيها الأمريكية، فإن الأولوية القصوى هي أمنها الخاص، كما أن لكل قوة منها فكرتها الخاصة عن كيفية تنفيذ مهمة الناتو، مع العلم بأن كثيرًا من الدول الأعضاء ترسل جنودها تحت الضغط أو الابتزاز الأمريكي. وعلى العموم فهي تفتقد التحرك بناء على إستراتيجية موحدة، ومعظم الجنود تعد أيامها المتبقية وأموالها المكتسبة في داخل أفغانستان.
2- قوة المقاومة العسكرية وتنامي المعارضة غير المسلحة: حيث إن قوات طالبان تتقوى بمرور الأيام وتتسع دائرة التأييد لها من قِبل الشعب، كما تتوسع في علاقاتها بالقوة الإقليمية مع كل المعارضين لبقاء القوات الأمريكية وحلف الناتو في أفغانستان أو الذين يحملون القلاقل تجاهها، ولا يستبعد مد الصين وروسيا وإيران يد العون إلى طالبان، واعتقال مجند إيراني لصالح طالبان في أفغانستان خلال الأشهر الماضية يحمل بعض الدلالات على ما نقول، كما أن باكستان هي الأخرى تتربص اليوم الأسود بالحكومة الأفغانية الحالية والقوات الأمريكية على السواء، وهي غاضبة من ميل الولايات المتحدة الأمريكية إلى "الهند"، حيث لم تتمكن من الحصول على الرضا الأمريكي مع كل ما قدمت من غال ونفيس، كما أن أصواتا ترتفع داخل أفغانستان بأن وجود القوات الأجنبية غير مرغوب فيه في أفغانستان، وهذا ما قاله الأستاذ رباني الرئيس الأفغاني السابق الذي رحب بالهجوم الأمريكي بعد أحداث 11سبتمبر، وساعد الأمريكيين في إسقاط نظام طالبان ودخل كابول تحت غطاء الطائرات الأمريكية إلى القصر الجمهوري. كما أن العاملين في الجيش والشرطة الأفغانيين هم الآخرون ناقمون على القوات الأجنبية في أفغانستان، وقد تكرر استهداف عناصرهم بواسطة جنود الناتو، والإجابة الجاهزة من قوات الناتو أن الأمر كان خطأ أو قد أطلق النار عليهم من طرفهم، وتبرر الحكومة الأفغانية تصرف الناتو الهجين مقابل مواطنيها، ولكن الضحايا (عناصر الشرطة) يكذبون هذه التبريرات كما صرح بذلك الشرطي المصاب في مدينة غزنة يوم 3 ديسمبر 2006.
وهذه العوامل كلها تجعل الأوضاع تنتظر الانفجار وقد يصحبه الغضب الشعبي العام، وكل المؤشرات تدل على أنه لا يرضي أحدا وجود قوات الناتو وتصرفاتها في أفغانستان إلا الذي يستقوي بالخارج للحفاظ على الكرسي أو الذي يريد أن ينمو في ظل المصالح الشخصية أو الطائفية والقبلية على حساب القبائل أو الطوائف الأخرى.
3- ضعف الحكومة الأفغانية: إن ضعف الحكومة الأفغانية وعدم قدرتها على كسب ثقة الشعب وتأييده، واستشراء الفساد والمحسوبية في إدارتها وتنافس كثير من المسئولين في الإدارات الحكومية على حصول أكبر قدر من الغنيمة من المساعدات الدولية التي تقدم لأفغانستان هو السبب الآخر لينظر الناس إلى طالبان كبديل عن الحكومة الأفغانية الحالية ويزداد تأييدهم الشعبي، ما يصعب مهمة الناتو في التصدي لهم، والأغرب في ذلك أن تسعى شخصيات مسئولة في المجلس الوطني لتعطيل مساعي الحكومة لأجل مكافحة الفساد المالي دفاعا عن بعض المقربين الضالعين فيه، كما أن الحكومة الأفغانية قد فقدت سيطرتها على البلاد، وفي حقيقة الأمر فإن أغلب المناطق في أفغانستان تعيش حالة انفلات أمني (لا حكومة ولا طالبان)، الأمر الذي ساهم في ازدياد قُطّاع الطرق والجناة في أكثر المناطق أمنا طوال السنوات الماضية (ولاية وردك نموذجا).
4- الاعتداء على المدنيين وعدم مراعاة حقوق الإنسان: حيث إن الأداء العسكري لقوات الناتو ليس أحسن حالا من أداء القوات الأمريكية في عدم الاحتراز عن قتل الأبرياء المدنيين وتدمير بيوتهم. وقد طالبت منظمة العفو الدولية عشية قمة الناتو تغيير السلوك العسكري للناتو في أفغانستان الذي يناقض حقوق الإنسان، وانتقدت المنظمة قصف المناطق الآهلة بالسكان وتدمير البيوت بواسطة قاصفات الناتو، الأمر الذي يسبب في زيادة تدفق اللاجئين، كما طالبت بتشكيل لجنة مراقبة للنظر في حقوق المدنيين في مناطق الحرب.
وتعود أسباب هذه الصعوبات إلى أن القوة الدولية للمساعدة على إرساء الأمن والتابعة للحلف الأطلسي (إيساف) تكونت في عام 2001 لحفظ الأمن في كابول، ثم بدأ امتدادها تدريجيا إلى خارج المدينة، ولم يكن من الحكمة أن تتحول من قوات حفظ الأمن والمساعدة في البناء والإعمار إلى قوات مهاجمة وغازية، الأمر الذي جعل الأفغانيين ينظرون إلى القوات الأمريكية كقوات غازية، وجعل طالبان في نظر الشعب حركة التحرر الوطني بغض النظر عن ضعفهم الفكري وعجزهم الحضاري. ومن ثم لم تنطلِ فكرة إلباس قوات الناتو رداء المساعدة للتحكم في جلب الولاءات أو تحييد الشعب أو منعه من تأييد طالبان والإقناع بتبريرات الوجود الأجنبي في أفغانستان.
وقد تسلمت قوة الناتو المهمة تلبية للرغبة والابتزاز الأمريكي لبعض الدول، رغبة من أمريكا للتفرغ لحربها في العراق، ولإشراك المجتمع الدولي بصورة أكبر في مستقبل حربها أو ما يسمى "الحرب ضد الإرهاب"، ولإدخال الناتو في لعب دور أممي خارج إطار أهداف نشأته، بما يتناسب مع التغيرات على الساحة الدولية وسقوط حقبة الثنائية القطبية في العلاقات الدولية، ومعلوم أن الدول الأوربية قد وافقت على مضض بإرسال قواتها إلى أفغانستان.
أين الحكومة الأفغانية؟
الحكومة الأفغانية عامة تجعل العامل الأساسي لعدم الاستقرار الأمني في أفغانستان هو تدخلات باكستان في الشئون الأفغانية، وبالتالي تبحث الحل في التعاون الباكستاني الأفغاني الأمني والعسكري وإيقاف التدريب والدعم عن حركة طالبان، مع أن الرؤية لحل الأزمة تختلف بين الأطراف داخل الحكومة، حيث إن الرئيس كرزاي ومجموعته لا تميل للاقتصار على العمليات العسكرية داخل مناطق الجنوب والشرق باعتبارها من المناطق التي تقطن فيها قبائل البشتون وتعتبر امتدادا قبليا لمجموعته، ولذلك فإن هذه المجموعة ترى ضرورة الضغط على باكستان عبر المجتمع الدولي لتجفيف الدعم عن طالبان، كما أنها تسعى للوصول إلى اتفاق مع العناصر المعتدلة في حركة طالبان ينهي الصراع في أفغانستان.
وأما الجناح الآخر في حكومة كرزاي وهو التحالف الشمالي السابق، فإنه يميل لتشديد العمليات العسكرية في الجنوب، ويرى أن ذلك هو الحل الوحيد للقضاء على طالبان. وقد صرح مسئولون في هذا الجناح بأن عزل هذا الجناح عن المشاركة في إرساء الأمن قد ساعد في تنامي القلاقل الأمنية، وذلك في إطار عرض أنفسهم على الأمريكيين لإشراكهم في المسئوليات التنفيذية في الحكومة الأفغانية والمسئوليات الأمنية والعسكرية باعتبار أنه الطريق السليم لمواجهة طالبان، كما أن هذا الجناح يسعى إلى إفشال مساعي جماعة كرزاي للتفاهم مع خصومهم التقليديين (طالبان وحكمتيار) ويتبنون إستراتيجية "استنزاف الأنداد" بواسطة الأمريكيين لأجل إقعادهم في كل المستويات عن أداء دور فاعل في مستقبل أفغانستان.
الخيارات المتاحة وإمكانات النجاح
من خلال مراقبة التحركات على الأرض وتصريحات مسئولي الناتو في أفغانستان، يمكن التنبؤ بأن التحرك سيكون في أربعة اتجاهات بصورة أشبه بمتوازنة، الضغط على الحكومة الباكستانية والتنسيق معها، والتفاهم والتشاور مع زعماء القبائل في جنوب أفغانستان وشرقها، والعمل على مشروعات التنمية والإعمار، واستخدام أعنف الأساليب في العمل العسكري.
وقد سافر قائد قوات الناتو -بعد تسلم قيادة المسئوليات الأمنية يوم 6 أكتوبر 2006 على كل الأراضي الأفغانية- إلى باكستان بغرض التنسيق حول منع تسرب المقاتلين وتدريبهم أو دعمهم عبر الأراضي الباكستانية، وتقديم الدعم الاستخباراتي لقوات الناتو، كما التقى بزعماء القبائل للتفاهم والتشاور في الشرق والجنوب للضغط على طالبان وإيقاف عملياتهم العسكرية ضد القوات الأجنبية، حيث يرى الناتو أن تخفيف العمليات العسكرية من قبل طالبان سوف يعطي الفرصة للإعمار وتحسين الأوضاع المعيشية- أخذا بالنظرية الأمنية في الربط بين التنمية والأمن- الذي سوف يساعد في تقليل الدعم الشعبي لمقاتلي طالبان، وبالتالي يتم عزلهم في المجتمع، ويسهل القضاء عليهم بعد أن يتراجع كثير منهم أو المتعاطفون معهم إلى الانضمام إلى مشروعات التنمية واستقرار معيشتهم في ظل الحكومة الأفغانية، والتركيز على تحسين الأوضاع المعيشية يبدأ واضحا في حديث ديفيد ريتشارد (قائد قوات الناتو في أفغانستان) حيث قال إن الأوضاع المعيشية إذا لم تتحسن خلال الستة أشهر القادمة، فإن كثيرا من أهالي الجنوب والشرق سوف يختارون الانضمام إلى صفوف طالبان.
وبناء على هذه الرؤية فإن قمة الناتو في لاتفيا قد ركزت على دعم جهود الإعمار، وفي إطار التفاهم مع زعماء القبائل توافقت القوات البريطانية العاملة ضمن قوات الناتو في منطقة "موسى قلعة" من ولاية هلمند مع زعماء القبائل حول إنهاء الأزمة الأمنية في المنطقة، وقال مارك ليتي الناطق العسكري لقوات الناتو: إن الهدف من هذا التوافق هو لأجل الحد من حملات طالبان. كما قالت قيادة الناتو: إنها ترحب بمثل هذا الاتفاق في المناطق الأخرى من الجنوب والشرق.
ورغم ذلك، تظهر تصريحات المسئولين في الناتو عدم تفاؤل بقدرتهم على إتمام مهمتهم بنجاح في وقت قريب، ونقلت صحيفة غاردين عن قائد قوات الناتو في أفغانستان قوله إن أفغانستان تقف على حافة الاضطراب والهرج، وإن إمكانيات الناتو أقل من المقتضيات الأمنية على الأرض، كما أضاف أن انتشار الفساد في المسئولين المحليين يدعم موقف مقاتلي طالبان ويجعلهم في موقف أفضل، وقال: إذا لم تتحسن الأوضاع خلال ستة أشهر مع امتداد نشر قوات الناتو، فإن الأهالي قد يختارون طالبان بديلا عن الحكومة الأفغانية. كما نقل عن قائد الناتو أن طالبان قد تغير من تكتيكاتها الحربية وتتجنب المواجهات العسكرية إلى أسلوب الفخ وزرع القنابل لإيقاع الخسائر الكبرى في صفوف قوات الناتو.
كيف الخروج من المأزق؟
عند تحليل ومراقبة الأوضاع في أفغانستان واستلهام التاريخ وطبيعة الشعوب، فإن استخدام القوة ليس السبيل الأنجح لحل المشكلات في الصراع بين القوات الأجنبية والمعارضة المسلحة الوطنية أيا كان الفارق بين الجانبين.
ولذلك لا مخرج إلا بتعامل المجتمع الدولي مع الأوضاع في أفغانستان برؤية واقعية، لأن طالبان ليسوا أفرادا معدودين يمكن القضاء عليهم، وقد تستمر الحرب لفترة طويلة، وتترك آثارا سيئة على مستقبل أمن أفغانستان وتنميتها، وسوف تثير القلاقل الأمنية والتنموية للأفغان وجيرانهم إذا لم يتحرك المجتمع الدولي في اتجاه صحيح.
والحل يكون عبر فتح باب الحوار مع حكمتيار وحركة طالبان على أجندة استعداد القوات الأجنبية للرحيل وفق جدول زمني محدد، ينهي القلاقل الإقليمية من التواجد العسكري الأمريكي ويتم الاتفاق على حكومة وحدة وطنية تشارك فيها جميع القوى الأفغانية -دون قوائم حمراء- تحت إشراف منظمة المؤتمر الإسلامي. وإذا كان هناك حاجة لقوات حفظ السلام الدولية لفترة مؤقتة، فإن منظمة المؤتمر الإسلامي هي التي يمكن أن تقوم بذلك من جنود الدول الإسلامية التي ليس لها أجندة سياسية في أفغانستان، وبذلك يمكن أن يخرج الناتو من المأزق الحالي، وعلى المجتمع الدولي أن يساعد الأفغان على تطوير مؤسساتهم وتنمية مواردهم، عبر دعم حكومة الوحدة الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني، وبهذه الخطوة الواقعية وحدها يمكن أن ننقذ المنطقة من التطرف والعنف المتزايد، ويمكن التأثير على قناعات الكثيرين نحو العمل المدني في الوصول للأهداف من خلال آراء الناخب وإرضائه وتبني همومه ومشكلاته.
________________________________________
**  كاتب وباحث في الشئون الأفغانية

أضف تعليق