مذكرة رامسفيلد التي نشرتها النيويورك تايمز كانت مفاجأة قاسية لبوش وإدارته. فنشر تلك المذكرة يشير إلى إمكانية تكرار سيناريو حرب فيتنام، عن طريق قيام الصحف الأمريكية خاصة النيويورك تايمز بكشف جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الأمريكية في العراق والخسائر المادية والبشرية التي تتكبدها. وهذا سيدفع الشعب الأمريكي الذي يتزايد سخطه وغضبه على الإدارة الأمريكية للخروج إلى الشوارع وارغام الإدارة على سحب الجيش الأمريكي من العراق.
هذا السيناريو لم يعد بعيداً بعد ان كشف مهندس العدوان الأمريكي على العراق رامسفيلد عن فشل الاستراتيجية الأمريكية، وأن الانسحاب أصبح هو الخيار الوحيد المتاح أمام الإدارة الأمريكية وهذه المذكرة السرية قدمها رامسفيلد قبل يومين من استقالته، وهو ما يمكن أن يشير إلى أن تلك المذكرة بما تتضمنه من اعتراف بالفشل قد تكون من أهم الأسباب التي دفعت بوش إلى اقالة رامسفيلد، ذلك أن الانسحاب من العراق يعني هزيمة ساحقة لبوش وإدارته، وهو يريد أن يتمسك بالبقاء في العراق حتى نهاية مدته.
ما خفي كان أعظم
ما تضمنته مذكرة رامسفيلد يتناقض مع كل ما كان يعلنه لوسائل الإعلام، فخطابه المعلن لم يكن يختلف عن خطاب بوش، وهذا يعني ان الاثنين معاً يمارسان خداع الشعب الأمريكي وتضليله، ويقومان باخفاء الحقائق وتزييف الواقع. رامسفيلد أيضاً كان يدافع حتى آخر لحظة في منصبه عن بقاء القوات الأمريكية في العراق، لكنه في مذكرته السرية يطالب بسحب هذه القوات وإعادة انتشارها، وهو ما يعني ان رامسفيلد وسيده بوش يكذبان على الشعب الأمريكي، وأنهما يدركان أن بقاء الجيش الأمريكي في العراق أصبح يشكل كارثة.. لكن الانسحاب قد يشكل كارثة أكبر.
هناك أيضاً احتمال آخر هو أن ما تضمنته مذكرة رامسفيلد السرية ليست مجرد آراء أو نصائح شخصية يقدمها الرجل في آخر عهده بالمنصب إلى رئيسه، ولكنها مطالب القادة الميدانيين للجيش الأمريكي في العراق، وأنه كان مضطراً لعرض هذه المطالب على الرئيس. ذلك أن القادة الميدانيين أصبحوا يدركون أن الحل الوحيد المتاح هو الانسحاب، وأنهم يتعرضون لحرب استنزاف طويلة وأنهم غير قادرين على مواجهة هذه الحرب وتحمل تكاليفها.
وقد يكون ما تضمنته مذكرة رامسفيلد هو بعض الحقائق التي تتضمنها رسائل القادة الميدانيين اليه، والتي قد تفوق تلك الحقائق التي كانت تتضمنها رسائل القادة الميدانيين إلى وزير الدفاع الأمريكي في حرب فيتنام وشكلت حينها صدمة عنيفة للشعب الأمريكي.. ولذلك قد تكون مذكرة رامسفيلد هي بداية نشر الكثير من الحقائق عن المأساة التي صنعها الجيش الأمريكي للعراقيين والمأساة التي يعيشها هذا الجيش في العراق.
وقد تحصل النيويورك تايمز مرة أخرى على شرف نشر الوثائق عن تلك المأساة من واقع أوراق البنتاجون الجديدة، فترغم الإدارة الأمريكية على سحب الجيش الأمريكي من العراق، وهي بذلك يمكن ان تنقذ الولايات المتحدة كما أنقذتها من قبل من حرب فيتنام.
تقليل التوقعات
مذكرة رامسفيلد تطالب أيضاً بإعداد المسرح للقرار الصعب وهو سحب الجيش الأمريكي من العراق، حيث يطالب القائد الفعلي للجيش الأمريكي بالبدء في حملات إعلامية لتقليل توقعات الشعب الأمريكي.
وهذا يعني انه يقول بصراحة لمستر بوش ان كلامه المستمر عن النصر، واستمرارية وجود الجيش الأمريكي حتى تحقيق المهمة أصبح كلاما فارغا لا معنى له، وأنه سيزيد احباط الشعب الأمريكي، ويزيد من تأثير الصدمة عليه، عندما يكتشف الحقيقة وهي عكس ما يقوله بوش تماماً.
مطالبة رامسفيلد بالعمل على تقليل توقعات الشعب الأمريكي يعني إعداد هذا الشعب نفسياً لتقبل الهزيمة التي أصبحت حتمية. هل امتلك رامسفيلد الشجاعة في آخر عهده بكرسي الوزارة لينصح رئيسه بالكف عن الحديث عن نصر لا يمكن أن يتحقق؟، وأن هذا الحديث عن النصر سيزيد من تأثير الهزيمة على الشعب الأمريكي سياسياً وسيكولوجيا وثقافياً.
ان هذا أيضاً يشكل اعترافا بفشل الاستراتيجية الإعلامية للإدارة الأمريكية، التي قامت على منع وسائل الإعلام من الحصول على الحقائق حتى لا يتكرر سيناريو حرب فيتنام، ووصف واقع وردي ليس له وجود، والحديث عن نصر من المستحيل أن يتحقق.
لقد أصبح على الإدارة الأمريكية كما يرى رامسفيلد أن تواجه الواقع الأليم، وأن تبدأ في اعداد الشعب الأمريكي نفسياً لكي يتقبل هزيمة أصبحت حتمية.
الانسحاب التدريجي
ورامسفيلد يقترح على رئيسه بوش إعادة تحديد مهمة القوات الأمريكية وأهدافها، وأن يتم تسليم المسؤوليات للسلطات العراقية، وأن يبدأ عملية تخفيض للقوات الأمريكية.
كما يقترح رامسفيلد إعادة انتشار القوات الأمريكية بسحبها من المناطق التي توجد بها مقاومة إلى مدن أكثر أمناً مثل بغداد أو سحبها إلى الكويت لتعمل كقوة تدخل سريع.. وهي مقترحات تشبه إلى حد كبير تلك التي يطرحها الديمقراطيون.
بعض المقترحات التي تضمنتها المذكرة تشير إلى قدر من الاضطراب وعدم القدرة على التعامل مع الوضع الراهن في العراق، حيث يقترح رامسفيلد منع أية عمليات لإعادة الإعمار في المناطق العراقية التي تشهد مقاومة، ومنع الإمدادات الاقتصادية عنها أي بمعنى آخر فرض الحصار على هذه المناطق.
والحقيقة ان اقتراح رامسفيلد هذا ليس جديداً فهو مطبق منذ زمن طويل حيث تعانى المناطق العراقية مثل الفلوجة والأنبار من حصار اقتصادي كامل بالإضافة إلى تدمير ممتلكات المواطنين بغرض حرمانهم من مقومات الحياة.
هذا بالإضافة إلى أن كل الشعب العراقي يعرف أن إعادة الإعمار أكذوبة، وأن العراق كله لم يشهد سوى عمليات التدمير وليس التعمير.
تضمنت المذكرة أيضاً اقتراحا بإغداق الأموال على قادة دينيين وسياسيين عراقيين لمساعدة القوات الأمريكية، ودفعهم لمواجهة المقاومة.
كما تضمنت بعض الاقتراحات التي وصفها رامسفيلد بأنها أقل أهمية: منها ما أطلق عليه خطة الفيدرالية العدوانية، وهو يعني بذلك فرض الفيدرالية على الشعب العراقي قهراً وإجبارا.
آفاق المستقبل
هناك الكثير من المؤشرات على أن اقتراح رامسفيلد الأخير ليس اقتراحا هامشيا، كما يصفه، ولكن الاحتلال الأمريكي قد يجد فيه الحل الوحيد، وذلك عن طريق اشعال نيران الحرب الأهلية ثم فرض تقسيم العراق، وبعد ذلك تنسحب القوات الأمريكية من المناطق السنية التي تتزايد فيها المقاومة، وتبنى قواعد دائمة في المناطق الكردية في الشمال والشيعية في الجنوب.
قد يفسر ذلك الكثير من الأحداث في العراق، وقيام المليشيات الشيعية بارتكاب الكثير من جرائم القتل والتعذيب والخطف ضد أهل السنة.
ومع ذلك فإن هذا السيناريو سيكون له الكثير من الآثار الخطيرة على المنطقة كلها، فالحرب الأهلية في العراق سوف تفجر منطقة الخليج، وتشعل صراعاً إقليميا طويلاً. وفي النهاية لن يكون ذلك في صالح الولايات المتحدة الأمريكية، حيث سيعرض النظم الموالية لها للخطر، وسيزيد قوة إيران الاقليمية، كما سيؤدي إلى زيادة قوة القاعدة.
يضاف إلى ذلك أن الأكراد في الشمال سوف يجدون أنفسهم في مواجهة تركيا التي تتخوف من وجود دولة كردية على حدودها.
ان هذا السيناريو سوف يفجر المنطقة كلها، وسيدخلها في حروب وصراعات اقليمية، وهو في النهاية سيزيد أزمة الولايات المتحدة، وسيجبرها على الانسحاب من العالم العربي كله.
لذلك فإن أفضل ما يمكن أن يفعله بوش لأمريكا هو أن يمتلك شجاعة ديجول الذي اعترف بهزيمة فرنسا في الجزائر، وسحب القوات الفرنسية منها وبذلك أنقذ فرنسا.
الاعتراف بالهزيمة في الوقت المناسب هو أفضل ما يمكن أن يقدمه بوش للشعب الأمريكي، وكشف الحقائق التي تتضمنها أوراق البنتاجون هو أفضل ما يمكن أن تنقذ به النيويورك تايمز أمريكا.
الشرق القطرية
أوراق البنتاجون الجديدة وهزيمة أمريكا في العراق-أ. د. سليمان صالح
