هيئة علماء المسلمين في العراق

رامسفيلد وجبل الشقاء-امي جودمان
رامسفيلد وجبل الشقاء-امي جودمان رامسفيلد وجبل الشقاء-امي جودمان

رامسفيلد وجبل الشقاء-امي جودمان

بدأ فريدريك دوجلاس، داعية إلغاء الرق الشهير، حياته عبداً على ساحل ولاية مريلاند شرقي الولايات المتحدة. وعندما تعب مالكه من عناد العبد الشاب العنيد الجامح، أرسل دوجلاس الى ادوارد كوفي، “محطم العبيد” الذائع الصيت. وكانت مزرعة كوفي، التي يُمارَس فيها التعذيب الجسدي والنفسي بصورة طبيعية، تدعى “جبل الشقاء”. وقد صمد دوجلاس وقاوم، وهرب في نهاية الأمر الى شمال الولايات المتحدة، ومضى ليغيّر العالم. واليوم، فإن مالك جبل الشقاء هو دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي المنصرف.

وممّا يدعو الى السخرية ان هذه المزرعة الشهيرة التي تدار من قِبل معذِّب متمرس، ستكون مملوكة الآن لرامسفيلد، الذي اتُّهِم بأنه الرجل المسؤول بصورة أساسية عن برنامج الجيش الأمريكي للتعذيب والاعتقال.

وقد ورد اسم رامسفيلد مؤخراً مع أسماء 11 مسؤولاً أمريكياً من ذوي الرتب العالية، في شكوى جنائية قدّمها في ألمانيا مركز الحقوق الدستورية الذي مقره في نيويورك. ويطالب المركز بأن تحقق الحكومة الألمانية مع رامسفيلد وصحبه، وتقدمهم بعد ذلك الى محكمة جنائية. ويقول مايكل راتنر، رئيس المركز المذكور، ان سياسة الولايات المتحدة التي تبيح “تقنيات التحقيق الشرس”، هي في واقع الأمر برنامج تعذيب أباحه وزير الدفاع لنفسه، ومرّره هبوطاً عبر سلسلة القيادة، وطبقه أحد المدّعى عليهم الآخرين، وهو اللواء جفري ميللر.

والشكوى مرفوعة نيابةً عن ضحايا التعذيب في سجن أبو غريب، والسجن الأمريكي في جوانتانامو. ويقول راتنر، “أعتقد ان من المهم ايضاح ان قضية مركز الحقوق الدستورية ليست مجرد القول ان رامسفيلد مجرم حرب، لأنه يأتي على رأس سلسلة القيادة، بل انه شخصياً قد لعب دوراً مركزياً في واحدة من أسوأ عمليات التحقيق في جوانتانامو”.

ويشير راتنر الى قضية المواطن السعودي محمد القحطاني. ويبيّن تقرير عسكري داخلي، بالإضافة الى تسرّب بعض سجلات التحقيق، كيف كان يُعذَّب هذا السجين في جوانتانامو بصورة منتظمة.

وقد وصفتْ محاميته جيتا جوتيريز، من مركز الحقوق الدستورية، محنته في البرنامج التلفزيوني/ الإذاعي الذي أقدّمه بعنوان “الديمقراطية الآن”، قائلةً لقد عُرِّض لنحو 160 يوماً من العزل، و48 يوماً من الحرمان من النوم، مصحوبة بتحقيقات كانت تدوم 20 ساعة متواصلة. وخلال تلك المدة من الزمن، كان يُعَرَّض كذلك للإهانة الجنسية، التي تُدعى بوصف ملطَّف “غزو الفضاء من قِبل أنثى”، حيث كان أفراد الشرطة العسكرية يطرحونه أرضاً، ويثبتونه، ثم تمتطيه محققات إناث، ويتحرشن به.

وتأتي الشكوى في أعقاب واحدة أخرى رُفِعت سنة ،2004 ولكنها رُفِضت. ولكن شكوى سنة 2006 تختلف بصورة رئيسية عن سابقتها، مع إقالة رامسفيلد من وزارة الدفاع. فمن دون الحصانة التي كانت تحميه بموجب منصبه الحكومي، يخضع رامسفيلد الآن لسلطة المحاكم الألمانية. وألمانيا من بين دول عديدة تطبق مفهوم السلطة القضائية العالمية، الذي ينص على ان الجرائم ضدّ الإنسانية، أو جرائم الحرب، يمكن ملاحقتها قضائياً من قِبل دولة ( مثل ألمانيا ) بصرف النظر عن السلطة القضائية في الأماكن التي ارتُكِبت فيها، أو جنسية المتهمين. وإذا صدرت إدانة بعد ذلك، فسوف يتعين على رامسفيلد ان يأخذ حذره عندما يسافر الى الخارج، كما هو الحال مع الدكتاتور التشيلي السابق اوغستو بينوشيه، ووزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر.

التعذيب ممارسة بشعة مؤذية، ويجب عدم التسامح فيها. وقد كان الرقّ ذات يوم قانونياً ومسموحاً به في الولايات المتحدة. ( وهو ما يزال يمارَس في بعض بقاع العالم). ولكن الناس قاوموا، ونظّموا صفوفهم وشكلوا حركة إلغاء الرّق. وتعمل المنظمات القانونية ومنظمات حقوق الإنسان الرائدة، مثل مركز الحقوق الدستورية، بجدّ واجتهاد وبصورة مبدعة، من أجل وقف التعذيب، ومحاسبة المعذِّبين والمسؤولين الذين يرأسونهم. وفي النهاية ستكون الجماهير الأمريكية لا المحاكم الألمانية، ولا الكونجرس الأمريكي هي التي ستوقف برنامج التعذيب الأمريكي. وقد لخّص فريدريك دوجلاس ذلك، ببلاغة، سنة ،1849 حيث قال : “من دون كفاح، لن يكون تقدم. والذين يعلنون أنهم يؤْثرون الحرية، ومع ذلك يحطّون من قدْر الثورات والاضطرابات، هم أناس يريدون محاصيل دون ان يحرثوا الأرض، ويريدون مطراً من دون رعد وبرق، ويريدون المحيط دون زمجرة مياهه العاتية. إن السلطات لا تتنازل عن شيء من دون مطالبة. لم تفعل ذلك أبداً، ولن تفعله”. وينبغي على مالك جبل الشقاء أن يأخذ حذره.


النص من موقع زدنت

الخليج الامارتية

أضف تعليق