هيئة علماء المسلمين في العراق

فقه الترفيه.. بين المتشددين ومقاصد الشريعة!!*
فقه الترفيه.. بين المتشددين ومقاصد الشريعة!!* فقه الترفيه.. بين المتشددين ومقاصد الشريعة!!*

فقه الترفيه.. بين المتشددين ومقاصد الشريعة!!*

كم من القضايا والإشكاليات الفقهية تطفو على السطح العلمي والفكري بشكل رتيب ومتكرر عند حصول إحدى المناسبات الدينية المعهودة، مثل: دخول شهر رمضان أو العيد أو نوازل الحج أو بعض المناسبات السنوية التي يحتفل بها العالم الإسلامي، مثل: المولد أو ليلة الإسراء أو النصف من شعبان أو غيرها... وفي كل مناسبة من تلك المناسبات نعود مرة تلو الأخرى إلى اجترار الجدل والخلاف حول صحتها أو منعها، مشروعيتها أو بدعيتها، وتزداد تساؤلات الناس حول تلك المسائل وحكمها الشرعي من خلال البرامج الدينية الفضائية التي تحمل معها المزيد من التساؤلات العكسية، وليست الأجوبة المفيدة عن السبب من وراء تلك التباينات الفقهية، بل الصراعات الدينية في حكم هذه النازلة أو تلك المناسبة.

طرح غير واقعي

ولا أقصد هنا حسم الخلاف الفقهي في تلك المسائل؛ لأن هذا يعسر، بل يستحيل أن يختفي بمجرد القناعة الشرعية بالراجح المعتبر من الأقوال والأدلة أو من خلال وثوقية السائل والمستمع للفقيه المفتي، ولكن من الممكن أن نقلل ونخفف هذا الجدل بالاعتناء بتصحيح منهجية التفكير العلمي، والتربية الإيمانية على مقاصد التعظيم الغيبي، والأدب في التعامل مع المخالفين، والتركيز على هذه المعاني الفكرية التي تُصلح الخلل المتراكم منذ أزمنة نتيجة التعصب المذهبي والإلف على التقليد والخوف الشديد من الاجتهاد الجديد.

ولعلي أن أحكي قصة تتكرر في كل إجازة يقضيها أفراد المجتمع بحثًا عن اللهو والترفيه وكسر الرتابة لأنفسهم أو لأطفالهم، وقد بدأت القصة عندما رغبت الحديث في الإجازة الصيفية الماضية عن كيفية استثمارها واستغلال أوقاتها، فدخلت إلى أحد المواقع الإلكترونية المخصصة للخطب المنبرية لعلي أن أجد برامج جديدة ورؤى نافعة أبني عليها أفكاري التي أعزم أن أخطب بها أمام الناس.

وبعد استعراض عدة خطب في هذا الموضوع مما كانت على واجهة الموقع كأفضل الموجود من الخطب، عزمت بعد قراءتي لها أن أقفل الموقع، وأنهي البحث لشعوري بعدم واقعية الطرح الذي أقرؤه ومصادمته للعقل والفطرة الإنسانية ومقاصد الشريعة.
فغالب الحديث الذي قرأته في تلك الخطب يدور حول القضايا المحرمة والممنوعة من تصرفات الناس في الإجازة، دون البرامج المباحة والمتاحة، كما جاءت قاعدة سدّ الذرائع في غير مكانها المعروف شرعًا في أكثر من موضع بالمنع من كثير من صور السفر والسياحة واللهو المباح؛ لما يتوهم من إفضائها إلى المحرم شرعًا مع أن إسقاطات الكلام كانت داخل بلادنا المحافظة.

أما الخطاب الذي لاحظته في مثل تلك الخطب فكان ينزع إلى الاتهام المبطن لكل باحث عن الترفيه والتسلية بأنه في طريقه نحو الفسق والفجور، كما كانت لغة التحذير المستمر من أبواب الشرور التي تُفتح في الإجازة الصيفية طاغية على خطاب التيسير والتبشير المشروع، ولما جاء الحديث عن البرامج المثلى والبديلة التي ينبغي للوالدين حثّ أولادهم عليها كانت مركزة في إدخالهم حلقات القرآن الكريم، والمراكز الصيفية، وقراءة الكتب النافعة، والذهاب بالعائلة إلى زيارة الحرمين الشريفين، والبعض كان يتحدث عن الاستفادة من الدورات العلمية التي تُقام في أكثر مناطق المملكة...

الترفيه ليس هامشيًّا

أمام هذه الحالة الراهنة للخطاب الترفيهي المتكرر مع قرب كل مناسبة أو إجازة سنحت في ذهني عدد من التأملات أرى أنها مهمة في مشروع تجديد هذا الخطاب ومعالجة مشكلاته الراهنة في مجتمعنا، فالترفيه -من وجهة نظري- لم يَعُد من القضايا الهامشية في حياة الناس اليوم، بل أصبحت برامجه ونفقاته من أولويات الميزانية الأسرية والخطط العائلية.. كما تشهد بذلك أوساطنا الاجتماعية.
وهناك في عالم المال من يتحدث بأن اقتصاديات الترفيه ستحتل المرتبة الأولى في الإنفاق العالمي، وستصبح الدول السياحية هي الأغنى بدلاً من الدول الصناعية حاليًّا والدول الزراعية سابقًا، وحتى الثقافة ستخضع لما يحبه الناس، ويستمتعون به، وليس لما يصلح لهم، ويبني أفكارهم علميًّا ومنطقيًّا..
هذه التغيرات العالمية لسنا في بُعد عنها، بل أصبح مدى تأثيرها علينا قويًّا وساحرًا؛ فكم من الأشخاص في مجتمعنا يقترض من أجل رحلة سياحية لا تستغرق أيامًا من إجازته؟! ويشتري أجهزة الاستقبال الفضائي وجوالات الجيل الثالث، وهو يعجز عن سد نفقات عائلته الصحية والتعليمية؟! فهذه التحوّلات العميقة في ثقافة الترفيه ليس بيدنا إيقاف عجلتها، ولكننا قد نستطيع تغيير اتجاهها وتخفيف صدمتها لثوابتنا ومقدراتنا لو تضافرت الجهود في بناء الوعي والبحث عن البدائل المقبولة والحلول المشروعة.

هروب غير مبرر

وعند النظر في الموقف الشرعي من مستجدات الترفيه ألحظ هروبًا وانزواء من نخبنا الشرعية عن مواجهة واقع السعي اللاهث نحو وسائل اللهو والترفيه المعاصر، خصوصًا من فئة الشباب والأطفال، ويعتقد بعض دعاتنا وعلمائنا أن الحلول المثالية التي لا تصلح إلا لفئة محدودة جدًّا من المجتمع كالانشغال بالحفظ والقراءة وحضور الدورات العلمية هي الحل المسكن والشامل لكل أولئك المبهورين بالجديد المغري والفاتن من اللعب والترفيه..

وأعتقد أن هذا يشكّل إحراجًا كبيرًا لكل دعاوى واقعية الدين وصلاحيته لمتغيرات الزمان والمكان، وأظن أن المحك الحقيقي للفقه السديد هو إيجاد البديل المباح عند المنع من أمر تتشوَّف إليه النفوس والأهواء..

كما أن الحاجة ماسة لإعادة النظر في كثير من القضايا الفقهية التي أخذت تحريمًا وتحوُّطًا مقدسًا في مرحلة ماضية للصحوة، مثل قضايا الرياضة بأنواعها المختلفة للرجال والنساء، وقضايا الفن الهادف، والهوايات الترفيهية، والألعاب العلمية، والسفر والسياحة وغيرها...، وهذه لو تأملنا فيها لا تخرج عن أصل الحلّ والإباحة، ويمكن أن تُنقّى من المفاسد والأضرار لا أن تُمنع في الأصل وتربط بالمروءات، وتُجعل معيارًا للتمسك بالدين من عدمه..

تراثنا غني

فهذه النظرة بما فيها من تشدّدٍ وتحوطٍ لا ينبغي أن تُعمَّم للجميع؛ كفتاوى ملزمة ومناهج تربوية محتَّمة، في حين أن في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدعو للترفيه واللهو بما لو حصل في أيامنا تلك لعُدَّ من الممنوعات وخوارم المروءات، مثل إذنه ومشاهدته عليه الصلاة والسلام لرقص الأحباش بالرماح في المسجد، وسماحه للجاريتين عند عائشة أن تغنيا وتضربا الدف في يوم العيد، ومسابقته عليه الصلاة والسلام لزوجته عائشة رضي الله عنها، والسماح لها باللعب بالدمى، وغيرها من مواقف وتوجيهات سامية تجمع الناس ولا تفرقهم، وتحببهم في الدين ولا تنفرهم، وتؤكد واقعية الشريعة في التعامل مع كل أصناف وشرائح المجتمع بما يحقق لهم الهداية، ويثبتهم على طريق الحق، ولو كان ببعض اللهو والمرح، وحتى يعلم الجميع أن في ديننا فسحة، كما أن فيه جدًّا وجهادًا واجتهادًا.

د. مسفر بن علي القحطاني
إسلام أون لاين

أضف تعليق