هيئة علماء المسلمين في العراق

جولات وصولات بوش الخائبة -عوني القلمجي
جولات وصولات بوش الخائبة -عوني القلمجي جولات وصولات بوش الخائبة -عوني القلمجي

جولات وصولات بوش الخائبة -عوني القلمجي

يدلل استدعاء جورج بوش لنوري المالكي الي العاصمة الأردنية عمان وبطريقة مذلة ومهينة، علي حجم المأزق الذي تعاني منه الادارة الامريكية في العراق، وعلي سعة الضغوط السياسية الكبيرة التي يتعرض لها بوش، من قبل الحزب الديمقراطي ومن لجنة بيكر ـ هاملتون، وحتي من داخل حزبه، ناهيك عن تدني شعبيته الي اقصي الحدود. فالكل يطالب بوش باعادة النظر في استراتيجيته الفاشلة في العراق، وايجاد مخرج لتجنب السقوط المدوي، ويبدو ان مطلب وضع استراتيجية جديدة قوامها الانسحاب باي طريقة من العراق مع الاحتفاظ بماء الوجه اصبح ضروريا وملحا. ولحين توفر الظروف المناسبة للانسحاب، تضيف لجنة بيكر ـ هاملتون مقترح اشراك دول الجوار لتقديم مساعدات اكثر فاعلية وخاصة من قبل سورية وايران، ويذهب وزير دفاعه الجديد روبرت غيتس ابعد من ذلك، ويري الحل في تدويل المسألة العراقية. وعلي الرغم من قدرة بوش علي تجنب الضغوط والتوصيات او الالتفاف عليها، بحكم صلاحياته الواسعة ومنها استخدام حق النقض (الفيتو). الا ان تجاهلها سيزيد من حدة ازمته الداخلية ويدفع الشعب الامريكي اكثر الي المطالبة بانهاء هذه الحرب وعودة ابنائه احياء وليس في اكياس سوداء.
لكن بوش ما زال، علي ما يبدو، مصرا علي رفض الانسحاب او التراجع، والمضي قدما في هذه الحرب لحين اكمال المهمة علي حد قوله. ولذلك فهو في حاجة ماسة لتحقيق اي نجاح حتي وان كان وهميا، لاسكات خصومه من الديمقراطيين او المطالبين بالانسحاب، ويعتقد بوش بان لقاءه بنوري المالكي واصدار الاوامر له وتهديده بالامتثال لها وتنفيذها علي وجه السرعة تحت طائلة العقاب بعزله، سيحقق له مثل هذا النجاح. فما تبقي له في البيت الابيض لا يزيد علي السنتين قبل نهاية ولايته الثانية والاخيرة. ودعونا من المديح الذي تكرم به بوش علي المالكي خلال المؤتمر الصحافي في عمان، والغزل بشجاعته ورجولته وحسن قيادته، فهذه عدة الشغل كما يقال.
طلبات بوش من نوري المالكي محددة، كما جري الحديث عنها من قبل بعض المصادر المطلعة، وهي ذاتها التي توصلت اليها، مجموعته الخاصة، التي يتقدمها مستشار امنه القومي ستيفن هادلي بعد زيارته لبغداد الشهر الماضي. وتضمنت كما قيل ست نقاط: اولها اصدار عفو شامل عن المسلحين وفتح قنوات معهم وتوسيع مبادرة ما يسمي بالمصالحة الوطنية والغاء هيئة اجتثاث البعث واشراك البعثيين في الحكم وتعويضهم عن السنوات الأربع الماضية وحل المليشيات وتقديم قادتها المتورطين بالجرائم للمحاكمات وتجميد قانون الأقاليم والفيدراليات ووضع خطة توزيع عادل للنفط علي العراقيين.
ومما يدعونا الي الاستغراب هو بؤس هذه المقترحات، كونها اصبحت مقترحات مهترئة وبائدة، فقد سبق وان جربت مرات عديدة وكان مصيرها الفشل. فالمقاومة العراقية قد رفضت الدخول في اي عملية سياسية او مفاوضات مع الاحتلال قبل الاعلان عن سحب قواته دون قيد أو شرط، واصدرت عدة بيانات واضحة وصريحة بهذا الخصوص. وتطمين السنة المعادين للاحتلال بتجميد قانون الاقاليم لتشجيعهم علي الدخول في مشروع المصالحة الوطنية ثم العملية السياسية قد ولي زمانه، فهيئة علماء المسلمين علي سبيل المثال، قد غسلت يدها قبل عدة شهور من العملية السياسية ومشاريع المصالحة الوطنية، واعتبرتها باطلة لانها تجري في ظل الاحتلال، في حين ان تجميد قانون الاقاليم لن يغير من واقع الحال شيئا، لا في شمال الوطن ولا في جنوبه، فمسعود البرزاني يحث الخطي من اجل الانفصال في اقرب وقت ممكن، وعبد العزيز الحكيم وبالتعاون مع ايران يحث هو الاخر الخطي لفصل الجنوب، علي الرغم من رفض غالبية سكانه لمشروع تقسيم العراق. وكذلك الحال بالنسبة لحل المليشيات التي تنتمي اصلا الي الاحزاب الحاكمة التي لا يمكنها البقاء بدونها. اما توزيع عائدات النفط علي العراقيين بالتساوي فهذه نكتة سمجة، فامريكا التي احتلت العراق من اجل السيطرة علي النفط باعتباره واحدا من اهم اهداف الاحتلال، لن تتحول الي مشرف او موزع ارزاق علي الناس . وما هي الا ايام أو اسابيع ونري كم كان بوش غبيا بامتياز.
من مصائب الديمقراطية علي الطريقة الامريكية هو عدم قدرة الامريكان علي قراءة الواقع، والاقرار بان المعركة التي تدور رحاها في العراق هي ليست بين قوات الاحتلال وبين متمردين او ارهابيين، ولا بين الحكومة او المعادين لها سواء من داخلها او من خارجها، وانما المعركة تدور بين المقاومة العراقية وقوات الاحتلال، والمقاومة العراقية ليست حالة غريبة او طارئة كي تنتهي مع مرور الايام والسنين، فهي امتداد لكل المقاومات عبر التاريخ، ضد الغزاة والمحتلين. وهي شبيهة تماما من حيث طابعها العام بالمقاومة الفرنسية والسوفياتية والبولونية واليوغسلافية وغيرها ضد الاحتلال النازي وشبيهة بالمقاومة في كوريا الشمالية والفيتنام وكمبوديا والدومنيكان ومقاومة حلف الوحدة الشعبية في تشيلي وساندينيا في نيكاراغوا والاتحاد الوطني في كولومبيا الخ . وفي ارضنا العربية نذكر المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي والمقاومة الفلسطينية واللبنانية التي لاتزال قائمة ضد الكيان الصهيوني.
كان علي بوش وصقور الحرب ان يدركوا هذه الحقائق، ويحزموا امتعتهم ويرحلوا، بدل البحث غير المجدي عن حلول ومقترحات وتوصيات خائبة، سبق وان جري تطبيقها واثبتت فشلها فيما بعد. خاصة وان المقاومة العراقية بشقيها المسلح والسياسي، هي مقاومة مستمرة كونها مشروعة سماويا ودنيويا، وامتدت جذورها في وجدان المواطن العراقي وتحولت الي ثقافة مقاومة بدل ثقافة اليأس والاستسلام للامر الواقع، وان هذه المقاومة اصبحت لحمتها الصمود وسداها الارادة، وانها كسرت كل حواجز اليأس والاستسلام وكل انواع الحصار وانها لن تتوقف قبل تحرير البلاد من الاحتلال البغيض. بالمقابل فان المقاومة العراقية قد وضعت اقدامها بثبات علي طريق النصر المؤزر، ولذلك فهي غير مستعدة للمساومة مهما كانت التنازلات مغرية، وهذا ليس غريبا علي الشعب العراقي وشعوب الارض كافة. فالمقاومة في نهاية المطاف حالة ترتبط بالشعوب الحية التي تؤمن بالحق والعدل وترفض الظلم والعدوان. وهي تمثل اصلا النضال الحقيقي والواقعي ليس ضد الاحتلال فحسب وانما ايضا ضد الظلم والاستبداد والتعسف. ناهيك عن ان المقاومة في العراق استندت علي مشروع متكامل اساسه تحرير العراق واقامة النظام الديمقراطي التعددي.
ان تكون المقاومة العراقية ضعيفة وهشة ويمكن القضاء عليها مع مرور الوقت، فهذا يبرر لبوش اصراره علي اكمال المهمة وتحقيق النصر. اما ان تكون المقاومة العراقية بهذه القوة وهذا الاتساع والكفاءة والقدرة علي الحاق الخسائر بقوات الاحتلال، فهذا يتطلب من بوش وادارته التوقف عن الغطرسة والقبول بالامر الواقع، بدل الصراخ برفض الانسحاب او التراجع، لان ذلك يعد حماقة اكبر من حماقة احتلال العراق، وتلحق افدح الخسائر بامريكا سياسيا وعسكريا واقتصاديا مما يفقد امريكا هيبتها وسمعتها كاكبر قوة في العالم، بحيث لا تستطيع بعدها ان تأمر وتنهي وترفع عصاها الغليظة ضد من لا يسير في ركابها. وسيكون بامكان اي دولة صغيرة ان تجابه الولايات المتحدة اذا اعتدت عليها سياسيا او عسكريا، متخذة من المقاومة العراقية مثالا لها.
علي اي مبررات تستند رؤيتنا هذه؟
البعض يعتقد بان دخول ايران وسورية بقوة الي جانب امريكا وقيام المالكي بتنفيذ اوامر بوش ومقترحاته التي ورد ذكرها ونقل ما يقارب 30 الف جندي من محافظة الانبار الي بغداد لاعادة احتلالها، سيقلب المعادلة ويضعف المقاومة العراقية، الامر الذي يدفع القوي الوطنية المعادية للاحتلال الي الاستسلام للامر الواقع ويشجعها علي الدخول في العملية السياسية. ومثل هذا الاعتقاد لا يخلو من قيمة أو فائدة، خاصة وان اجهزة الاعلام الامريكية بدأت بالحديث عن استراتيجية جديدة ستعلن حسب مستشار الامن القومي ستيفن هادلي خلال اسابيع وليس اشهر، وفيها من عناصر القوة ما يكفي لتجاوز جميع العقبات التي تعترض تحقيق الانتصار المطلوب. ومنها ارسال الآلاف من القوات الامريكية الي العراق واحتمال اشراك قوات عربية واسلامية . لكن امرا كهذا في حال حدوثه لن يشكل قيمة استراتيجية من شأنها ان تغير مجري الصراع لصالح قوات الاحتلال، فطبيعة القوي المتصارعة وتباين اساليبها القتالية، تؤكد بان القوات المنظمة واينما تواجـــدت ومهما زاد عددها تظل عاجزة امام حرب العصابات او حروب التحرير.
بول كندي صاحب كتاب نشوء وسقوط القوي العظمي، كتب في جريدة الفايننشال تايمز قبل ايام من احتلال العراق : بان امريكا في حال احتلالها العراق ستؤتي بالسلاح الذي لا تتوقعه كما تؤتي اسرائيل الان بالعمليات الانتحارية .. ان اسلحة بسيطة وبدائية ربما ستؤدي الي سقوط القوة الامريكية. اما جون لوكار وهو اشهر روائي بريطاني معاصر، توقع نفس الشيء بسبب عنجهية وغطرسة امريكا، حيث وصفها في نفس الفترة بان امريكا دخلت مرحلة جنون تاريخي هي الاسوأ من المكارثية واشد كارثية من حرب فيتنام، وفي هذا المجال هناك العديد من خبراء حرب العصابات وحروب التحرير توقعوا مثل هذه النتيجة. وعلي ارض الواقع فان نبوءات هؤلاء قد تحققت، فالمقاومة العراقية تسير في طريق الانتصار، بينما القوة العظمي تسير في طريق الهزيمة والسقوط. ولن ينقذها عنتريات بوش واصراره علي البقاء حتي تحقيق النصر فهذه ليست استراتيجية النصر وإنما هي مجرد شعار يمكن استخدامه في السياسات الداخلية ولكنه يصبح فاقداً للمعني في ميادين القتال.
ومع ذلك فالمقاومة لن تقف مكتوفة الايدي امام مثل هذه المستجدات، أو تبقي متمسكة بنفس الاساليب والطرق في ادارة عملياتها القتالية والسياسية . فالمقاومة العراقية اشتد عودها وتجاوزت سن الرشد وتحتضن خيرة ضباط الجيش العراقي ذوي الخبرة القتالية العالية، التي تم اكتسابها من خلال تمرسهم في حروب فعلية. وليس علي الورق او في الكليات العسكرية فحسب. وهذه الحقائق والوقائع العنيدة من المفترض ان تولد قناعة لدي الادارة الامريكية ورئيسها بوش وتجبرهم علي الاقرار، بان لا طريق امامهم سوي الرحيل والخروج من العراق بماء الوجه. اما اذا اصر بوش علي التمسك باوهام القوة والنصر وقلب الحقائق رأسا علي عقب وتغطية فشل مشروع الاحتلال، بالحديث عن انجازات وهمية حول الديمقراطية والانتخابات والدستور وحكومة الوحدة الوطنية. كما فعل في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع المالكي في عمان. فان ذلك لن يجلب له ولامريكا غير الهزيمة المنكرة.
ان شعبا كالشعب العراقي الذي قرر المقاومة وصمم علي تحرير ارضه ولديه الاستعداد لتقديم التضحيات مهما كانت جسيمة، لا بد وان يكون النصر حليفه، وهذه حقيقة غير قابلة للشك او التأويل. وفي مناسبة كهذه يقال ونقول ان غدا لناظره قريب.



القدس العربي

أضف تعليق