ليس لاهل العراق باع في هجرة عراقهم، لكن الاقسي منها هو الذي يدفع بالناس دفعا نحو هجرة يراد لها ان تكون مستدامة، كنا نستصعب مجرد التفكير بمغادرة العراق، والان اصبحت مواسم الهجرة منه مستدامة!
لقد ارتبطت الهجرة من العراق بالنوائب المتلاحقة والتي ما انفك يعانيها هذا الشعب العريق، وما يحصل الآن من نزوح جماعي مخيف لمغادرته والي اي مكان اخر، الا علامة من علامات الكوارث، والقحط، والخسارة التي لا تعادلها خسارة مستمرة، هذه الكارثة ابتدأت منذ احتلال العراق وتحطيم مقومات دولته، وهي مثال بيّن علي نوع تلك الهجرات التي اشبه ما تكون بالاجبارية بل هي كذلك.
تشير الاخبار الي ان العراقيين الوافدين الي مراكز اللجوء في اوروبا بتزايد مستمر وان دول الجوار تكتظ باعداد كبيرة من القادمين الجدد يوميا، والذين ينتظرون دورهم بالعبور الي اوروبا، وهناك مئات الالوف منهم لا يستطيعون توفير الاموال اللازمة للمهربين، لذلك يعلقون في سورية والاردن وتركيا وايران وغيرها متحملين اسوأ الظروف بانتظار الفرج الذي عادة ما يتأخر!
يتندر العراقيون علي تصاعد اعداد المغادرين الي سورية والاردن بقولهم ان البلدين سيبنيان طابقا ثانيا ليتسع للعراقيين القادمين اليهما!
الوضع الجحيمي الذي وصل اليه العراق يمكن ان تترجمه ارقام اعداد الضحايا (650 الف قتيل) والحصاد مستمر، وفي شهر تشرين الاول (اكتوبر) من هذا العام فقط كانت حصيلة القتل 3750 قتيلا، حصيلة ترعب الاحياء، ناهيك عن فقدان مصادر الرزق وانعدام كل شروط الحياة الطبيعية، والخوف من المجهول الذي تعززه الفوضي الضاربة باطنابها كل مرافق الحياة، عدد من تركوا العراق خلال الاربع سنوات الماضية بلغ حوالي المليون، واعداد المغادرين بتعاظم مستمر، حيث اشار آخر تقرير للمفوضية العليا للاجئين بان 3000 عراقي علي الاقل هم من يتركون البلاد يوميا!!
انتماءات المغادرين تكذب دعاوي حكومات الاحتلال:
اذا كان اهل الجنوب الآن يملكون زمام امرهم وتحرروا من التمييز والمظلومية لماذا يهاجرون اذن وبهذه الاعداد الكبيرة؟
واذا كان اهل الشمال يعيشون عصرهم الذهبي المنقوش بالفدرالية والديمقراطية، لماذا اذن هذه الهجرة المتزايدة من الاكراد، الذين يدعون في اثناء التحقيق معهم عندما يطلبون اللجوء بانهم من بغداد لضمان حصولهم علي الاقامة، حيث تنخفض في محافظاتهم نسب القتل والفوضي الامنية لانها حسمت مناصفة بين فريقي الطالباني والبارزاني حتي اشعار آخر؟
لماذا يهاجر الجميع وفي وقت واحد ولنفس الاسباب؟
مصيبة اهل العراق واحدة ومصدر مشاكلهم واحد، لذلك تراهم ومن كل المحافظات متضررين لا يطيقون ما يحصل، للاسف وكأن الامر مدبر، فالامر يسير ويسهل بل ويضغط علي الاصلاء بالمغادرة ليحل محلهم دخلاء ليس لهم ولاء الا للذين يستخدمونهم وهكذا الحال، فعصابات اوك وحدك في الشمال توطن اتباعها من صعاليك الجوار، وملالي الجنوب والوسط يوطنون اخوانهم في التقليد والتفريس!
الاخبار التي تؤكدها تقارير المنظمات الدولية تشير الي ان معدلات الهجرة من العراق بتزايد متواتر منذ احتلاله وان اضخم موجات نزوح ومغادرة من العراق تتم خلال فترة الأشهر الأخيرة أي منذ تشكيل الحكومة الدائمة وحتي الآن!
سورية والاردن وتركيا تحتل المراكز الاولي بارتفاع نسب العراقيين الوافدين عليها طبعا اضافة للاعداد الكبيرة التي بقيت فيها منذ ايام الحصار.
لم يبق مكان في المعمورة الا وتغرب فيه العراقيون من الخليج الي مصر واليمن حتي السودان والصومال ناهيك عن دول اوروبا وامريكا واستراليا والبقية تاتي!
للهجرة القسرية هذه هموم ومعاناة بل وكوارث لا يقدر حجمها وطبيعة تضحياتها الا من عاشها، فقلة المال تعني قلة الحيلة وقلة الحيلة تعني الانحناء للمجازفات والمغامرات، وعندما تكون العائلة كلها باطفالها بصغيرها وكبيرها معرضة لهذه الصنوف من العوز والانتظار والحرمان من ابسط مقومات العيش الطبيعي، مدارس رعاية صحية سكن مناسب عمل دائم، علي امل العبور الي اوروبا، لاحدي دول اللجوء فيها، هذا الأمل يتعطل او يطول امد تحقيقه تبعا لسوق وتجارة التهريب، فالاسعار تخضع للعرض والطلب، وقد ينفد المال الذي خرجت به العائلة من العراق قبل ان تحقق هدفها في الوصول لاوروبا، لان الانتظار في عمان او دمشق او غيرها من المناطق قد يطول وهذا ما يضاعف من كوارث ومشقات المهاجرين!
سعر السفر مع مهرب من مطار بغداد عبر الامارات الي احدي دول اللجوء يصل ما بين 10 الي 12 الف دولار، والسعر من اربيل قد يصل من 8 الي 10 الاف دولار، هذه تسعيرة شهر ايلول (سبتمبر)، وهذه العملية تخضع لشروط ودقة مواعيد ورشاوي يتكسب بها رجال الامن في المطار عراقيين كانوا او من متعددي الجنسية!
اما من دمشق وعمان فالأمور اصعب وتخضع لشروط كثيرة بما فيها تغير الاسعار وحسب وثيقة السفر المتوفرة، فالجواز العراقي غير مرغوب فيه ويجذب الشبهات، والحصول عليه اسهل من شرب الماء لكن الخطوط لا تقبل الحجز بواسطته، لذلك يسعي الزبائن للحصول علي جوازات مزورة من بلدان اخري!
سعر الجواز لعراقي وتأخذه من مصادره أي بدون تزوير بين 500 الي 600 دولار بواسطة متعهدين لهم علاقات خاصة بالمتنفذين في اغلب سفارات العراق في الخارج، وفي هذا المجال حصلت الكثير من الفضائح منها مثلا منح جوازات لغير العراقيين بثمن مضاعف او دون ثمن لغرض زيادة عدد المصوتين اثناء الانتخابات، وخاصة للسفارات التي يسيطر عيها اتباع مسعود البارزاني او جلال الطالباني، وتمنح عادة للاكراد العاملين بالاحزاب الكردية السورية او الايرانية او التركية الموالية لهما، اما السفارات التي تسيطر عليها جماعة حزب الحكيم والمالكي فهم يمنحون الجوازات للراغبين من اطلاعات الايرانية!
اما اوضاع المهاجرين في تركيا وايران فهي لا تقل سوءا عن سواها، التهريب من ايران يتم عبر روسيا نحو فنلندا والسويد، وعبر تركيا الي اليونان ومن ثم الي المانيا وهكذا!
وهناك مآس يشيب لها الرأس قد حدثت فعلا وراح ضحيتها العشرات بل المئات من العراقيين عربا واكرادا مسلمين ومسيحيين، غرق زوارق التهريب بين تركيا واليونان، موت اطفال اثناء عملية التهريب بواسطة اخفائهم في اماكن يصعب التنفس فيها، صناديق السيارات، حاويات النقل، او نتيجة الارهاق والخوف اثناء تجاوز الحدود سيرا علي الاقدام ليلا، والتعرض احيانا للضياع بسبب الظلمة ووجود الاحراش والموانع المائية!
والبعض لا يسعفه الحظ فيقع بيد مفارز الشرطة وخاصة في اليونان، او روسيا.
ومن الحالات المؤلمة ان بعض العوائل وعبر مختلف بوابات الهجرة المتاحة، ترسل اولادها، اطفالها باعمار 10سنين، واحيانا اقل او اكثر مع مهرب ما عسي ان يصل الي بلد اللجوء، لانه بهذه الحالة ستكون الكلفة اقل واللجوء قد يكون مضمونا، وهنا تحصل مصائب وعجائب ومفارقات اعجز عن وصفها، ولكني استطيع ان اعطي رقما مؤكدا وموثقا من موظفي الهجرة السويدية ان هناك يوميا 3 اطفال يصلون الي السويد بدون عوائلهم من بين هؤلاء واحد او اثنان من اصل عراقي!
بعض العوائل تزوج بناتها زواجا صوريا مع شخص يمكن ان تتعرف عليه واحيانا بالصدفة، وهو من المقيمين في بلدان اللجوء كي يستطيع لاحقا طلبها اليه وهنا ايضا تحدث اصناف وامثلة من العذابات والمشاكل الاجتماعية والتربوية المتوالدة!
لا يمكن لأي متابع وعارف بحقيقة ما يجري لابناء شعبنا من نكبات وذل وامتهان الا ان يعلن سخطه ومطالبته وبأي شكل من الاشكال بانهاء هذه المأساة، بطرد مسببيها من بلادنا محتلين كانوا ام عملاء لهم، فكل هؤلاء هم سبب هذا الوباء انهم يسرقون ويدمرون كل شيء جميل فينا، الانسان قبل المكان.
وحدة المصير:
العراقيون موحدون بهمومهم وبطرق تصرفهم ازاء مصائرهم، لذلك يندر ان تجد احدا منهم لا يستنكر ويمتعض من الحالة التي وصل اليها البشر قبل المستقر في هذه البلاد، وهم لا يثقون بالغد فالامس كان افضل من اليوم، وهكذا ما دامت ايادي المحتلين تقبض علي بيضات البلاد والعباد، تراهم وبتشابه واضح المعالم ينبذون عنهم كل اشكال اللبوسات الطائفية والعرقية التي تحاول ان تسبغها عليهم المافيات السياسية والميليشياوية المتعاونة مع المحتلين والذين تصدروا المشهد الخرب فازداد خرابا.
تجد العراقيين ضحايا بكل ما تعنيه الكلمة لعملية تدمير شاملة لمنظومة المجتمع السياسية والادارية والاقتصادية والفكرية والقيمية، واخطر من ذلك لنسيجه الاجتماعي الذي تشكل بتفاعل واندماج ممتد في الزمان والمكان وتواصل باجياله حتي قيام الدولة العراقية الحديثة.
لا فرق بين شيعي وسني وكردي وعربي وتركماني ومسلم ومسيحي في شحة وانعدام الخدمات الاساسية، من ماء وكهرباء وغذاء ودواء ومدارس وصحة، لا فرق بينهم امام الفساد المالي والاداري الشامل، لا فرق بينهم امام تعدد مراكز القوي والحكم ـ محتلين وميليشيات وحكومة محكومة.
ان السلطة بيد الواجهات المدعومة من قبل المحتلين، اما اذا ادعي بعضهم بان هناك منتخبين من هؤلاء الذين يحكمون، فان الحال يشرح نفسه بنفسه، والانتخاب الحر يعني انك تختار من تشاء من المؤهلين وليس ان يختاروا لك بحكم نفوذهم، فالكردي ليس امامه في السليمانية غير حزب الطالباني الماسك بالسلطة هناك باياديه واسنانه وهو مستعد ان يحرق السليمانية باهلها اذا أرادت الاطاحة به!
وليس امام الكردي في اربيل ودهوك غير حزب البارزاني وان لم يفعل ويبصم له فان مصيره سيكون مصير الحزب الاسلامي الكردي الذي احرقت مقراته لانه حاول ان يخرج قليلا عن قواعد هذه اللعبة!
وليس امام الاخرين في مناطقهم الا من يسيطر عليها بالسلاح والمال المسروق او المستورد وبالتبعية الطائفية المزيفة!
ان ابناء شعبنا يفضحون المافيات السياسية في العراق كل العراق من شماله الي جنوبه ومن شرقه الي غربه عندما يفصلون بكل صغائر جرائم المحتلين واعوانهم قبل الكبائر في كل تحقيق يجريه موظف دولة اوروبية مع اي لاجئ عراقي شيعيا كان ام سنيا كرديا ام عربيا مسلما ام مسيحيا، وهذا باب آخر من الرفض الشعبي يطرقه من ضاقت به سبل البقاء!
كاتب من العراق
القدس العربي
معدلات قياسية لمغادري العراق -جمال محمد تقي
