هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق ومقاومة المقاومة - جميل حمادة
العراق ومقاومة المقاومة - جميل حمادة العراق ومقاومة المقاومة - جميل حمادة

العراق ومقاومة المقاومة - جميل حمادة

العثور على عدد من الجثث لعراقيين مجهولي الهوية مقطوعة الرؤوس وعليها آثار التعذيب وملقاة في مكب للنفايات. مقتل وجرح عدد من العراقيين في تفجير انتحاري في سوق شعبي. مقتل وجرح عدد آخر من العراقيين في انفجار سيارة مفخخة وعدد آخر أيضا في انفجار قنبلة كانت موضوعة في كيس في تجمع للباحثين عن العمل في إحدى الساحات العامة. مليشيات ترتدي زي الشرطة وتستخدم سيارات وزارة الداخلية تحاصر الحي الفلاني وتقصف الحي العلاني بقذائف الهاون في وضح النهار. هذه بعض عناوين الأخبار التي يشاهدها المشاهدون أو يسمعها المستمعون منذ فترة ليست بالقصيرة عن الوضع في العراق.

لا الأعداد ظلت لها أهمية ولم يعد أحد يسأل عن الهوية الآن. وضع أمني لم يعد للأمن فيه مكان. وفوق ذلك, لم نسمع من الحكومات العراقية المتعاقبة, وآخرها حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي, أي رأي أو دعوة إلى أجهزة الدولة الأمنية أو المليشيات, وكلها تتبع حزبه والمجلس الأعلى والتيار الصدري, بوقف أنشطتها. كما لم نسمع مسؤولا أمريكيا واحدا ومنذ نحو أربع سنوات يعلق على هذه الموضوعات بغير الدعوة لدعم الحكومات المتعاقبة والعملية السلمية. المشترك بين الأمريكيين والحكومة العراقية ومن يدعمها إقليميا هو النظر إلى كل ما يحدث على أنه إرهاب تشير الأصابع فيه في اتجاه واحد معين لا غيره, ألا وهو المعترضون على مشروع الاحتلال ومناهضوه ومقاوموه. وما يحدث في واقع الأمر إرهاب بكل ما في الكلمة من معنى. لكن الأصابع ينبغي أن تشير في الاتجاه الصحيح, إلى الجماعات المسلحة "المجهولة" التي لم يكشف القوم سرها رسميا منذ ولدت وحتى اليوم بالرغم من أن أفرادها يرتدون ملابس منتسبي وزارة الداخلية, ويركبون سيارات وزارة الداخلية, ويحملون بطاقات وزارة الداخلية, (احزر من يكونون؟), ويقترفون جرائمهم باسمها بينما تقف مفارز الشرطة ودورياتها لتتفرج على مشاهد القتل والذبح والحرق وتوفر لمرتكبي هذه الفظائع السلاح والحماية و تصنع في أحيان طوقاً حول موقع الجريمة لمنع تدخل الآخرين. هم مسلحون "مجهولون" فحسب, ويبدو أنهم سيبقون كذلك حتى يقضي الله أمراً. لعلهم جاؤوا من كوكب آخر.

الوضع الأمني أو اللا أمني, إن شئنا الدقة, والبحث عن مخرج, وأشياء أخرى أمور لم تعد تهم الحكومة العراقية وحدها بالرغم من أهميتها بالنسبة لها. كما أنها لم تعد تهم الأمريكيين رعاة الاحتلال وحدهم بالرغم من أهميتها بالنسبة لهم. فهناك طرف إقليمي برهن على أنه أكثر حرصاً من الجميع على أيلولة الأمور في العراق في اتجاه معين.

فللمرة الثالثة, وربما لمرات أخرى في المستقبل, يؤكد المرشد الأعلى للثورة والرئيس الإيراني, محمود أحمدي نجاد, الرأي الواضح والصريح بشأن الحكومة العراقية؛ المرة الأولى كانت في خطاب افتتح به أحمدي نجاد اجتماع دول جوار العراق الذي عقد في العاصمة الإيرانية, طهران, في الثامن من تموز/يوليو الماضي, في حين كانت المرة الثانية في لقاء رئيس الوزراء العراقي, نوري المالكي, خلال زيارة الأخير لطهران يوم الثلاثاء 12/9/2006. والمرة الثالثة عند استقبال الإيرانيين الرئيس العراقي, جلال الطالباني. وما يمكن أن يضاف في هذا السياق هو أن الرئيس الإيراني والمسؤولين الإيرانيين- المرشد الأعلى للثورة وكبار المسؤولين الأمنيين- تعهدوا بتقديم الدعم للحكومة العراقية لتمكينها من بسط سيطرتها على كامل التراب العراقي.

للوهلة الأولى, تبدو الصورة وردية والأهداف في غاية النبل, لا سيما أنها تأتي من كبار المسؤولين في بلد جار. الواضح في كلام المرشد الأعلى والرئيس أحمدي نجاد هو الرسالة وما تحمل من عناوين؛ أهمها, واشنطن. وهذا أمر من أمور السيادة الإيرانية ولا أحد يمكن أن يعترض عليه إلا حينما يتم فتح الرسالة وقراءتها بإمعان وتفكيك رموزها التي لا تعدو أن تكون عرضا لتقديم خدمات الغرض المبطن منها المساعدة في إخراج الأمريكيين من ورطتهم التي أوقعوا أنفسهم فيها في العراق, ومن الطبيعي أن يكون ذلك مقابل ثمن. ولعل المشكلة تكمن في هذه النقطة بالذات حينما يتحول العراق أرضاً وشعباً ومقدّرات إلى هذا الثمن, أو أن يكون هو الذي يدفع الثمن. أما العناوين الأخرى التي تتلقى الرسالة فإنها متعددة بينها الإيراني والعراقي والعربي والعالمي. وهنا تثور تساؤلات كثيرة, سنترك جلها ونركز واحد منها فقط: كيف ستساعد إيران العراق في إرساء الأمن؟ وكيف ستبسط حكومة المالكي أو غيرها السيطرة على كامل التراب العراقي؟


كنا سنصدق ما يقوله المرشد الأعلى للطالباني وما ردده أحمدي نجاد لاحقاً من أن الخطوة الأولى نحو حل المشكل الأمني في العراق تكمن في رحيل المحتل وتسليم الأمر لـما سماه "الحكومة العراقية المستندة إلى الشعب" أو شيء من هذا القبيل, وهو يقصد الحكومة الحالية, كنا سنصدق ذلك لولا أننا نتذكر أنه هو شخصيا الذي أفتى بجواز استعانة "العراقيين" بالمحتل الأمريكي لاحتلال العراق. وكنا سنصدق لولا أنه هو شخصيا الذي أفتى أيضا بجواز تعامل الشركات الإيرانية مع قوات الاحتلال الأمريكي في ما سمي بـ"إعادة إعمار العراق". وكنا سنصدق كذلك لولا أن إيران كانت أول دولة في العالم تعترف بـ"مجلس الحكم" الذي عينه الحاكم المدني الأمريكي, بول بريمير, بعد الاحتلال بفترة. وكانت قبل ذلك أول دولة في العالم تعترف بحكومة كابل وتفتح سفارة هناك. وكنا سنصدق لولا أن مسؤولين إيرانيين كباراً أكدوا على رؤوس الأشهاد أنه لولا إيران لما سقطت كابول وبغداد. وكنا سنصدق لولا أن الرئيس الإيراني السابق, محمد خاتمي قال للأمريكيين في زيارته الأخيرة لواشنطن أوائل أيلول سبتمبر الماضي إن للولايات المتحدة وإيران مصالح مشتركة في العراق وإن عليهما مساعدة الحكومة الوليدة وعدم تركها تحت رحمة من سماهم "الإرهابيين والمتمردين". وكنا سنصدق أيضا لولا أن الحكام المفضلين لدى الإدارة الأمريكية في العراق منذ بدء الاحتلال وحتى اليوم هم أتباع مرجعيات قم والاستخبارات العسكرية الإيرانية, الذين ما زال كثير منهم يحتفظ بلكنته الفارسية في نطق الكلام العربي. وكنا سنصدق لولا أن الذي بنى ما يعرف بـ"البيت الشيعي" الذي يحكم العراق اليوم خلال رحلات مكوكية بين طهران وبغداد, (والشيعة الأحرار منه براء) هو أحمد الجلبي, رجل البنتاغون! كنا سنصدق هذا الكلام وغيره لولا أننا نعرف أن المرشد الأعلى وكل القادة الإيرانيين يعرفون أن الولايات المتحدة ليست جمعية خيرية أو متعهداً لتحرير "الشعوب المقهورة". كما أن الولايات المتحدة ليست بالسذاجة التي تسمح لإيران أن تضحك عليها. القائمة تطول وما ذكرناه لا يعدو أن يكون قمة جبل الجليد في الشراكة الأمريكية الإيرانية في العراق.

يرى المرشد الأعلى والرئيس أحمدي نجاد والرئيس السابق خاتمي وغيرهم ويشاركون الإدارة الأمريكية في أن الحكومة العراقية الحالية حكومة شرعية ومنتخبة وأن على الجميع دعمها والتعاون معها. ولعلها كذلك لو لم نكن نحن شهود عيان على أنها ليست كذلك, ليس لأن الانتخابات كانت مزورة فحسب وإنما ببساطة لأن العراق أولاً وقبل كل شيء محتل. ولعلنا لا نذيع سراً إذا قلنا ذلك. هي حقيقة ماثلة للعيان بشقيه, البصري والعقلي. ومعروف أن الرئيس الإيراني وأركان القيادة جميعاً يعرفون هذه الحقيقة من دون الحاجة إلى استشارة المستشارين والخبراء الدوليين. هي حقيقة يعرفها القاصي والداني. فكيف يمكن أن تكون هناك حكومة "منتخبة" و"شرعية" في ظل احتلال هو الاحتلال الأمريكي بالذات؟ ولعل من نافلة التذكير بأن الرئيس الأمريكي, جورج بوش, أراد أن تكون هناك انتخابات في العراق حتى وإن تطلب الأمر سحق مدن عراقية كاملة لأنها تعترض على الاحتلال وأتباعه. ودعوة بوش تلك كانت ستخفق لا محالة لأن كلامه ليس ملزما لأحد في العراق باستثناء القادمين على الدبابات الأمريكية والذين عبروا من الحدود الشرقية بعد الاحتلال؛ فهو ليس مفتيا ولا آية من آيات الله. غير أن هناك من أعطى لكلام بوش القوة الملزمة من خلال الإفتاء الذي خرج علينا في تلك الفترة ليلزم كثيرين بضرورة التوجه والتصويت بالرغم من احتمال التعرض للقتل, لا لشيء إلا الخوف من "طلاق الزوجات" و"جهنم" التي كانت ستصبح مأوى من لم يشارك. وهكذا ولدت "الشعبية" التي تحدث عنها المرشد الأعلى. ولا ندري أننسبها لأمر بوش أم لفتوى السيد. مشكلة!

ولعلنا لا نذيع سراً أيضاً إذا قلنا إن أي احتلال في تاريخ البشرية يفرز بشكل طبيعي نقيضه؛ وهو المقاومة. وهذا ما حدث فعلاً في العراق.

في البداية, وكما هو معروف, كان هناك اتجاهان: اتجاه بدا أنه لم يستسلم للاحتلال. انسحب من الساحة ليحمل السلاح ويقاوم بما تيسر له من أدوات. وقد أوقع أصحاب هذا الاتجاه وما زالوا يوقعون خسائر كبيرة في صفوف جند الاحتلال والعاملين معه. أما الاتجاه الآخر, فقد أعلن أنه سينتهج ما أطلق عليه اسم "المقاومة السلمية أو السلبية". وهذا أمر لا ضير فيه حتى هذه النقطة, لا سيما إذا كان الهدف هو إنهاء الاحتلال وتحرير الأرض وصون العرض. لا ضير. لكن هل كان أصحاب هذا الاتجاه الذين رفضوا حمل السلاح بوجه المحتل يريدون أن يكونوا الواجهة السياسية أو الجناح السياسي لـ "مقاومة" تحمل السلاح وتترصد للمحتل في الخفاء؟ الجواب على هذا السؤال جاء بعد حين عندما تجانس أصحاب هذا الاتجاه مع المحتل وبدؤوا يغضبون لغضبته ويحددون المواقف إن استهدف أحد الاحتلال ورموزه بأي شيء حتى ولو بالكلام, وأصبح من يقف ضد الاحتلال في نظر هؤلاء إنما يقف في وجه الديمقراطية والحق ومن دعاة الدكتاتورية والتطرف والتكفير. وهكذا, وضع القوم أنفسهم طواعية في خندق المحتل لا في خندق الوطن. والذي حدث في واقع الحال هو أن الشبان الذين كانوا في المليشيات انخرطوا لتكوين التشكيلات الجديدة للجيش والشرطة والأمن الداخلي وأجهزة المخابرات, فضلا عن الوزارات والمؤسسات المدنية. وإذا بهم يحملون السلاح, ليس بوجه قوات الاحتلال وإنما بوجه "المقاومة الحرة الشريفة" التي بدؤوا يخلعون عليها التهم والتسميات ذاتها التي خلعها عليها المحتل. أمر لا يمكن تفسيره على أنه نوع من توارد الخواطر. إذن, أصبح لدينا "مقاومة" جديدة, لكن هدفها ليس مقاتلة المحتل وإنما "مقاومة المقاومة". وحقيقة الأمر أن هذه الولادة لم تكن مبتسرة أو خديجة بالمعنى الطبي للكلمة وإنما جاءت بعد تفكير وتمحيص. فهذه المليشيات هي البديل الذي كانت واشنطن قد هيأته للجيش وأجهزة الأمن الأخرى عندما يتم الاحتلال وتلغى وزارتا الدفاع والداخلية, ذلك الإلغاء الذي اعتبره البعض خطأً أمريكياً, لكنه لم يكن كذلك في واقع الحال وإنما كان عملاً مدروساً. والسؤال هنا: هل هذه هي المقاومة السلمية أو السلبية التي تحدث عنها القوم في بادئ الأمر؟ أم أنهم يريدون إقناعنا بأنهم الآن داخلون في نقاش حضاري مهذب مع المحتلين وأنهم لا محالة سيفحمون الولايات المتحدة التي ستجد نفسها محرجة منطقياً ومضطرة, نتيجة هذا النقاش الحضاري, إلى لملمة أغراضها ومغادرة العراق والاعتذار عما حصل؟

في تراث الشعوب دروس لا يستغني عنها إلا من كان في نفسه غرض أو مرض. والمعروف أن الشعوب التي تتمتع بشيء من الكرامة وتـُحتل أراضيها وتنتهك أعراضها لا تصطف إلى جانب المحتل ولا تلعب مع جنوده كرة القدم في مروج الوطن ولا ترقص معه الرقصات الشعبية, وإنما تقوم بتشكيل خلايا "مقاومتها", ويتحول المدنيون فيها إلى مقاومين من حملة السلاح, يقتنصون العدو المحتل ويوقعون به الخسارة تلو الخسارة, بالرغم من أنهم هم أيضا يخسرون من دمائهم وأموالهم. أما القوم عندنا فقد قدموا درساً جديداً, لكن بالمقلوب, لا ندري كيف سينظر العالم والأجيال القادمة إليه. فبعد أن كان للقوم أيام "معارضتهم" للنظام السابق فيلق وقوات ترتدي البزة العسكرية وتمتشق السلاح وتشتبك كل يوم مع الجيش العراقي على الحدود الشرقية وتقتل من أبناء العراق الواقفين هناك للدفاع عن حدود بلدهم, تراهم اليوم ما إن دخل المحتل إلى "الوطن" حتى تحول "الفيلق" و"الجند" المدربون من ذوي البزات العسكرية الممتشقين للبنادق إلى منظمات مدنية توزع أعضاؤها على الوزارات والمؤسسات في ظل الاحتلال الذي أسبغ عليهم الألقاب والمسميات وبدأت الأقلام تكتب لهم وعنهم التواريخ. درس جديد.

ولما كان العراق محتلا, وهناك مقاومة, وهناك تعهد من كبار المسؤولين الإيرانيين بمساعدة العراقيين, فلنسمح لأنفسنا بالتخيل لحظة أن الجارة التاريخية إيران ستساعد العراقيين على طرد المحتل وتكوين حكومتهم العراقية الحقيقية "الشرعية" التي ينبغي في هذه الحال أن تأتي من خلال الانتخابات. لكن, هل ستأتي المساعدة بهذا الشكل؟ رئيس الوزراء العراقي السابق, إبراهيم الجعفري, توجه ذات يوم إبان حكومته إلى واشنطن وقال للرئيس الأمريكي إنه يطالب الإدارة الأمريكية بإبقاء قواتها في العراق. وفعل الشيء ذاته خلفه نوري المالكي. وقيل إن رسالة حملها نائب الرئيس العراقي, عادل عبد المهدي, إلى الإدارة الأمريكية مؤخراً تفيد بالشيء نفسه وتحمل زيادة على ذلك مخاوف من تقلب المزاج الأمريكي واحتمال قلب ظهر المجن لهؤلاء واستمالة أهل السـُّـنــّة.

ونعود إلى السؤال نفسه: كيف ستساعد إيران الحكومة العراقية؟ ونلاحظ هنا دقة التعبير. فالمقصود بالمساعدة هو الحكومة العراقية وليس العراق. والهدف هو بسط السيطرة التي يفهم من خلالها أن هناك مناطق خارجة على القانون وعلى نطاق هذه السيطرة أو أنها لا تخضع لها.

محاولة الإجابة على السؤال تقتضي النظر في أسئلة أخرى: هل نفهم أن إيران بصدد رعاية المقاومة العراقية لطرد الاحتلال؟ الجواب البسيط, طبعاً لا, وكيف يمكن أن ترعاها وهي التي تعتبرها عدو الوجود التاريخي الأزلي, وكيف يمكن أن تكافئ من يعمل على طرد الاحتلال وحرمانها وحرمان عملائها من الاستيلاء على العراق؟ هل ستقدّم إيران الدعم المادي والمعنوي للمقاومة العراقية وهل ستقول ولو كلمة طيبة واحدة بحقها؟ طبعاً لا, وكيف تفعل ذلك على حساب الأحزاب التي أنشأتها ذات يوم كجزء من متطلبات الحرب على العراق؟ هل ستقدم إيران السلاح والتدريب للمقاومة العراقية لطرد الغزاة الأمريكيين؟ طبعاً لا, وكيف تفعل ذلك والاحتلال الأمريكي هو الذي وفر هذه الفرصة التاريخية التي لم تكن لتتوافر في أي مدى تاريخي متخيـَّـل لهؤلاء المتشبثين اليوم بالأظفار وبالنواجذ بكل شيء وتراهم يستقتلون في سبيل الحفاظ عليه حتى وإن جرت الدماء أنهاراً. هل ستوفر إيران المأوى والملاذ الآمن للمقاومة العراقية في ظروف الشدة؟ معاذ الله, فمصير من يقع من هؤلاء المقاومين أو المحرضين على المقاومة في قبضتها أو قبضة ما يعرف بـ"الحكومة" معروف, الاختفاء عدة أيام ليجده الآخرون جثة هامدة مقطوعة الرأس في مكب للنفايات أو قرب أحد الشوارع الرئيسية أو في المشرحة وعليها آثار التعذيب والتثقيب بأجهزة الثقب الكهربائية.

وإذا عرفنا أن من يحمل السلاح ويقف ضد الاحتلال وأفشل مشروعه في العراق هم وطنيون عراقيون وهم فقط قسم من العرب السـُّـنــّـة, ولا نقول جميعهم, وهذا لا يدخل في باب المذهبية أو العرقية في شيء لأنه ببساطة الحقيقة الوحيدة في العراق, وأن الحكومة والداخلين في العملية السياسية والقابضين على المناصب هم الأحزاب السياسية الحالية التابعة لإيران أو المدعومة من جانبها, فضلا عن الأحزاب الكردية وآخرين من مشارب مختلفة, بينهم عدد لا بأس به من العرب السنة, فإننا سنفهم أن إيران تحرص على هذه الأحزاب ويهمها كثيرا أن يكون أتباعها على رأس هرم السلطة. إيران يهمها أن يكون هؤلاء هم قادة العراق الجديد الذين لم ينتظروا طويلاً قبل أن يبدؤوا ممارسة مشروعهم الاستئصالي الاستئثاري الذي شكا منه "شركاء" السلطة من التيارات والطوائف والأعراق الأخرى. وهنا يبدو تماثل الأهداف واضحاً بين الأمريكيين والإيرانيين. وهذا يفتح الباب أمام أسئلة أُخرى تتعلق بمثلا, كيف تغامر أمريكا كل هذه المغامرة بأبنائها وأموالها وتقطع كل هذه المسافة من أطراف الكون وتأتي لتحتل العراق وتسلم مفاتيحه لأتباع "العدو اللدود" وبالتالي لـ"العدو اللدود" شخصياً الذي لم نر في أي يوم من الأيام أنهم تقاتلوا معه مرة واحدة على الأقل منذ اختفاء الشاه, باستثناء الساحة الإعلامية؟ ولذلك, ليس من المنطقي أو الطبيعي في شيء أن نعتقد ولو للحظة أن تقــْـدم إيران على فعل أي شيء من شأنه زعزعة الأمور في العراق بما يزعزع أركان حكم أتباعها, إلا إذا كان العنف يستهدف أعداء أتباعها. ولعل المرء لا يجافي الحقيقة في شيء إذا قال إن إيران ربما تبعث بأعداد من قواتها الخاصة بمسميات مختلفة, (زوار العتبات المقدسة, على سبيل المثال), لدعم النسخ المتكررة من حكومات العراق التي يقودها أتباعها. ولعل ما نراه اليوم أيضاً من إرهاب يعاني منه العرب السـّـنــّـة وقتل ومحاولات تطهير في بعض المناطق لتفريغها من سكانها العرب السـّــنــّـة, وما نراه من جثث – أحيانا من دون رؤوس ومجهولة الهوية - يتم العثور عليها كل يوم بالعشرات والمئات أحيانا, وفرض حالات حظر التجوال بغية تصفية حسابات مع أحياء معينة، ومحاصرة وقصف هذه الأحياء بشكل متكرر وعلى مرأى ومسمع من الجيش الأمريكي عدة مرات وفي وضح النهار, وسكب البنزين على عباد الله وحرقهم وهم أحياء وقطع أجزاء من أجسادهم بالمنشار وتركهم ينزفون حتى يفارقوا الحياة, لعل ذلك وسيلة واحدة من الوسائل التي تعتمده إيران لمساعدة حكومة "أولادها" الحالية في فرض حالة الاستقرار وبسط السيطرة.

من هنا نفهم أن مساعدة إيران الحكومة الحالية في العراق في بسط سيطرتها على كامل التراب العراقي تمر عبر مساعدتها في القضاء على عوامل عدم استقرارها, أي من خلال الإنهاء المادي والوجودي لكل من يعارض حكومة الاحتلال, وبالتالي الاحتلال؛ أمر تشترك فيه بشكل واضح كل من واشنطن وطهران, الأُولى, نظراً لمتطلبات مشروع احتلالها للعراق, ومن أجله تكون مستعدة للقضاء على كل من يرفع السلاح بوجه جنودها أو يتحدث ضد مشروعها, حتى وإن تطلب الأمر استخدام الفسفور الأبيض والأسلحة الأخرى؛ والثانية, نظراً لمتطلبات هيمنتها واستئصال عدوها المذهبي والثأر من عدوها التاريخي الذي حاربته في آخر مرة مدة ثماني سنوات ولم تتمكن من قهره والحصول على شبر واحد من أرضه, بل خرجت مدحورة خائبة. وربما يكون ذلك ما دفع المالكي إلى التأكيد في العاصمة الأردنية, عمّـان, أن حكومته ستنتصر لا محالة على أعدائها. لكن أعداءها ليسوا بكل تأكيد جنود الاحتلال.

المساعدة الإيرانية الموعودة ستأتي, إذن, في سياق يساعد الأمريكيين. وفي هذه الحال, فإن المقاومة الوطنية العراقية والمعترضين على الوجود الإيراني والأمريكي والإسرائيلي في العراق هم الهدف المشترك الذي يحاربه الأمريكيون والإيرانيون وأتباعهم. ولعل من باب تبادل المنفعة أن يسكت الأمريكيون أو حتى يتآمروا مع حلفائهم على إبادة أحد أهم مكونات المجتمع العراقي طالما أن ذلك يخلصهم مما يفترض أنه عدو مشروعهم في العراق, في الوقت نفسه, يوفر العمل ذاته لأتباع إيران فرصة محو وإلغاء عدوهم التاريخي, وفقاً للصيغة الصفوية الجديدة, أو على الأقل, عزله أو الانعزال عنه في شكل كيانات جديدة بمسميات أخرى لعل من بينها تشريع وتطبيق النظام الفيدرالي الذي لا يعني أي شيء آخر غير تقسيم العراق.


لا يعبر المقال بالضرورة عن راي الهيئة او موقعها الرسمي

أضف تعليق