في إحدى الليالي، وبينما كنت أقلب في موجات المذياع.. استقر بي المطاف في النهاية وكالعادة على إذاعة bbc ليقع سمعي على قصة شدّت انتباهي وأنصتُ إلى تفاصيلها مستمتعاً وما أن انتهت حتى انتابتني حالة من الضحك .. لا لشيء إلا لأني عثرت على مثال مقنع لواقع مرير ربما يكون الأسلوب الأمثل لإيصال الفكرة التي أريد أن أكتب عنها.
القصة وكما رواها صاحبها حيث كان في زيارة عمل إلى القاهرة وكان من المقرر أن يلقي محاضرة لبعض المتدربين صباحاً .. لكنه حين استيقظ تذكر أن ذقنه طويل بعد أن شاهد نفسه في المرآة فنزل مسرعاً إلى الشارع عله يجد حلاقاً لكنه تفاجأ أن المحلات لا تزال مقفلة فالوقت هو الثامنة صباحاً والمكان هو القاهرة المدينة التي لا تنام ليلاً، لذلك ليس من السهولة أن تجد من يفتح باب دكانه باكراً، لكنه كان محظوظاً حيث عثر في النهاية على مبتغاه، محل حلاقة قديم يجلس فيه الحاج محمد – كبير السن – منتظراً قدوم الزبائن.
أسرع صاحبنا وتربع على عرش الحلاقة وبينما كان الحاج محمد يشحذ موسه دخل رجل يحمل "قنينة زيت" يدلل على بيعها، فسأله الحاج محمد: "بكم دي" ؟ فقال الرجل: " إنت بتسأل عليها وهي فارغة ولا وهي مليانة" ؟ فقال الحاج محمد متعجباً: " ليه وهو في فرق " فأجاب الرجل: " طبعاً .. "دي وهي مليانة بعشرين جنيه .. أما وهي فارغة بتناشر جنيه " ومضى الرجل حيث كانت زوجه بانتظاره خارج المحل وترك الحاج محمد في حيرة من أمره فسألني قائلاً: " يا بيه ": "هو احنه بنشتري الزيت علشان الإزازة ولا بنشتري الإزازة علشان الزيت ؟!"
وبعد أن سمعتم معي القصة لابد وأنكم قد عرفتم السبب الذي كنت أضحك من أجله.
هذه القصة ذكرتني بالحالة التي يمر بها إعلامنا العربي اليوم حيث أنك تجد مع كثرة الفضائيات وتزايد أعدادها يوماً بعد يوم إلا أنها لا تزال تراوح في نفس المربع وتدور في الدائرة ذاتها.
فحين تقلب القنوات تجد أن أغلب المواد المعروضة هي نفسها تتكرر من قناة لأخرى لذلك ليس على المشاهد أن يحزن إذا ما فاتته مشاهدة فلم أو مسلسل فما عليه إلا صبر ساعة أو مثلها ليجده على قناة أخرى وحتى القنوات التي تسمى مميزة "مجازاً" والتي تعرض برامج جديدة ومميزة فهي كذلك بالنسبة للمشاهد العادي، أما من لديه متابعة أوسع سرعان ما يكتشف أن هذه البرامج ما هي إلا ترجمة لبرامج سبق وأن عُرضت من على قنوات أجنبية والشيء الذي أضافته هذه القنوات "المميزة" هو الترجمة إلى العربية لا غير.
هذا هو واقع إعلامنا العربي اليوم اهتمام بالشكل وصرف مبالغ خيالية من أجل التميز عن القنوات الأخرى في الألوان والفواصل والموسيقى التي لا ننكر أهميتها، ولكن الحقيقة أنه تم إغفال الاهتمام بالمضمون الذي تريد هذه القنوات إيصاله للمشاهد.
فهل يُعقل أن يفطن رجل بسيط كالحاج محمد إلى هذه القضية ويغفل عنها خبراء ومختصون في الإعلام درسوا في جامعات عالمية؟
أم أن الأمر مدروس لإفراغ الأمة من أي قضية وجعل الشاب العربي يعيش بلا هدف، همه الشكل دون المضمون؟!
إعلامنا بين الشكل والمضمون - عمر راغب زيدان
