هيئة علماء المسلمين في العراق

المأزق العربي في العراق د. عبدالإله بلقزيز
المأزق العربي في العراق د. عبدالإله بلقزيز المأزق العربي في العراق  د. عبدالإله بلقزيز

المأزق العربي في العراق د. عبدالإله بلقزيز

فاضت الأزمة العراقية عن حدود العراق وأطلّت على الإقليم والجوار، وعلى الشطر العربي منه على وجه التحديد. لعل الذين صنعوها، أرادوها هكذا منذ البداية: أزمة تستهلك العراق وتطرق أبواب جواره العربي فتدبّ معطياتها فيه لتنهش في لحمه ما نهشت في لحم العراق. وكثيراً ما ردد صناع الأزمة في العراق قولاً مأثوراً عنهم مقتضاه أنهم سيقيمون في العراق “نموذجاً” سياسياً واجتماعياً قابلاً للتعميم على سائر منطقة “الشرق الأوسط” (أي الوطن العربي وجواره الإسلامي). وربما فاضت الأزمة عن حدود توقعات من صنعوها فجرّتهم إليها جرّا على غير ما أرادوا وأرْدَتْهُم مهزومين أو مأزومين تأخذهم أزمتهم الى حافة الهزيمة.

في الأحوال كافة، خرج العراق عن طوره وبدأ معه جواره العربي في استشعار آثار ذلك الخروج فيه وفي استقراره الداخلي أو توازنه الإقليمي. ولمن “لا يعرف”، فالعراق بلد عربي ينتمي الى منظومة الدول (العربية) التي يشترك معها في الرابطة (القومية) وفي الجوار (الإقليمي). لكن هذه المنظومة مدفوعة بالخوف من رجل اسمه صدام حسين آثرتْ، عند عتبة من خوفها، أن توافق صراحة أو مواربة على عملية عسكرية “تحررها” من عقدة ذلك الخوف وتذهب بالمخيف ونظامه. لم تنتبه حينها الى أمور ثلاثة ليست تقبل التجاهل: أولها أن الذين جاؤوا العراق غزاةً ليسوا جيش مرتزقة تحت تصرف السياسة الرسمية العربية، بل أصحاب مشروع سياسي في العراق وفي جواره، وثانيها أن ثمن “تحريرهم” من عقدة الخوف من العراق ليس يقل عن تدمير هذا البلد وتمزيقه. وثالثها أن حصيلة التدمير والتمزيق في العراق لن تنال من استقرار هذا البلد ووحدته حصراً، بل ستمتد آثارها وتداعياتها الى مجمل محيطه العربي.

حصل الوعي بذلك متأخراً بكل أسف؛ أي بعد أن أكل فعل الغزو الكولونيالي من وحدة العراق فانتقل صدى جموح العصبيات من بلاد الرافدين الى الآفاق (العربية) القريبة والبعيدة. لكنه ما كان وعياً كاملاً ودقيقاً، على نحو ما تبيّنت نتائجه مع مرور الأيام، بدليل أن السياسة الرسمية العربية ما كانت تملك نقطة تحفّظ واحدة على المشروع الأمريكي حيال العراق المتقدم أو المقدم نفسه تحت عنوان “العملية السياسية”، وإنما جارته ووالته وسارت في ركابه، بل التمست له أسباب الشرعية (العربية) حتى في الوقت نفسه الذي كان فيه ذلك المشروع عرضة لنقد سياسي داخل الولايات المتحدة أو من حلفائها الأوروبيين والدوليين.

لم يقف النظام العربي الرسمي موقف اعتراض سياسي على المشروع الأمريكي حيال العراق، المعروض تحت عنوان “العملية السياسية”، بل ما كان في حوزته حتى البعض اليسير من التحفظات النقدية. وافق وإن على مضض على حل الدولة والجيش وقيام ما سُمّي “مجلس الحكم الانتقالي”. وصمت على توزيع “السلطة” حصصاً فئوية وعلى مقتضى إثني وطائفي. ووافق على إنشاء “حكومة مؤقتة” خاضعة لسلطة بول بريمر وعلى “مجلس وطني” معين. وسكت عن إصدار “قانون إدارة الدولة” في “المرحلة الانتقالية” من قِبل الباشا بريمر، وعن تقسيمه العراق الى إثنيات وطوائف وأقاليم. وهلل ل”الانتخابات” و”الدستور” و”الفيدرالية” من دون أن ينتبه الى أن ذلك كله يدق إسفيناً في وحدة الشعب والكيان. واستقبل “حكومتيْ” الجعفري والمالكي بمثل ما استقبل به “حكومة” علاوي (بحفاوة) من دون أن يُلقي بالاً الى اعتراض من اعترض على تلك “الحكومات” من العراقيين الخائفين على تمزيق وطنهم طائفياً.

والنتيجة؟ ها هو العراق مندفع نحو الحرب الأهلية والتفكك والانقسام، وها هي آثار ذلك تهدد المحيط العربي بأوخم العقابيل.

لم يكسب العراق شيئاً من غزوه، خسر كل شيء: الدولة والكيان والوحدة الوطنية والاستقرار ومئات الآلاف من الشهداء وأضعاف أضعافهم من الجرحى والمنكوبين والمنفيين قسراً هرباً من جحيم الموت الجماعي. وَعَدَهُ الغزاة ب”تحريره” من “الديكتاتورية”، ف”حرروه” من وحدته الكيانية والوطنية وأطلقوا فيه مفاعيل التقسيم والتمزيق! ووعدوه بنشر “الديمقراطية”، فنشروا فيه الفوضى والحرب الأهلية! أما هُم أنفسهم الغزاة أعني فلم يظفروا من غزوهم إياه بأي شيء تطلّعوا إلى قطافه: لا النفط، ولا القواعد العسكرية المتقدمة للسيطرة على الإقليم ومراقبة روسيا والصين، ولا نظام سياسي عميل ومستقر يملي شروطه على دول الجوار. فقد حصدوا أرواح آلاف من جُندهم وخراب أبدان أضعاف أضعافهم من العسكر الجرحى والمشوهين، ومئات الملايين من الدولارات المسحوبة من جيوب دافعي الضرائب الأمريكيين، وهزيمة انتخابية مروعة للفريق السياسي الحاكم في الدولة الغازية، واستنكاراً عالمياً لوحشية جرائمهم في العراق، وعودة ظافرة لقوى اليسار الى السلطة في أمريكا اللاتينية، وانطلاقة متجددة لحركات “الإرهاب” المعادية لسياسات واشنطن.. الخ.

أما العرب فيعاينون اليوم كيف أن ثمار تصفية النظام كانت وبالاً على مجتمعاتهم ودولهم: لقد أطلقت عفريت الطائفية والمذهبية من قمقمه ليخرج من حدود العراق الى رحاب الإقليم. وهزت توازنات المنطقة بقيام دول إقليمية أخرى بالدور الذي كان ينهض به العراق ولكن هذه المرة دور محمول على مشروع مذهبي ترتعد له فرائص الاستقرار، ودور محمي بقدرة عسكرية استراتيجية تتواضع أمام أهوالها “أسلحة الدمار الشامل” العراقية (أو شبهة تلك الأسلحة على نحو أدق).

وأمام هذا المأزق الذي أسهمت السياسة الرسمية العربية في صناعته منذ عقد ونصف العقد تتجدد المفارقة السياسية ومعها المأساة: تطلب أمريكا من العرب أن يحالفوها مرة أخرى في قضية العراق. كان عليهم سابقاً أن يبصموا على سياستها ضد النظام ليسوغوا لها التدخل تسويغاً. وبات عليهم اليوم أن يبصموا على سياستها ضد المقاومة في العراق حتى لا يخرج جيشها ذليلاً من بلاد الرافدين. أما حين يتردد العرب في البصم، فما عليهم سوى أن تلوح لهم بالخطر المذهبي أو بالخطر الإقليمي المذهبي حتى يرعووا.

الخليج الاماراتية

أضف تعليق