هيئة علماء المسلمين في العراق

هل قدمت امريكا العراق علي طبق من ذهب الي ايران؟-د. برهان الجلبي
هل قدمت امريكا العراق علي طبق من ذهب الي ايران؟-د. برهان الجلبي هل قدمت امريكا العراق علي طبق من ذهب الي ايران؟-د. برهان الجلبي

هل قدمت امريكا العراق علي طبق من ذهب الي ايران؟-د. برهان الجلبي

لا يمكن النظر الي المبادرة الامريكية للاستغاثة بسورية وايران للعثور علي حل لورطتها في العراق الا من خلال استمرار سياستها للهروب من الواقع. ويشترك الرئيس الامريكي جورج بوش في نظرته لهذا الامر مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير علي الرغم من كل التصريحات المضادة التي تطلقها ادارته.
ما لا يمكن اهماله، رغم اصرار واشنطن ولندن علي تقديم مبررات مختلفة، هو ان الحرب ضد العراق تم اعدادها وتنفيذها كحرب احتلال وليس كحرب تحرير كما تم تسويقها. فالواقع في العراق، والذي يرفض بوش وبلير مواجهته، يقول ان الشعب العراقي رفض الاحتلال منذ شن الحرب الي يومنا هذا مثلما رفض العنصرية والطائفية التي حاولت امريكا فرضها عليه وبهدف تبرير استمرار الاحتلال.
وها هي الادارة الامريكية ما تزال تواصل سلوكها في الهروب من الواقع. حيث نجد انها تستغيث بسورية، لكنها تقدم الصورة بطريقة مغلوطة. فيجب علي امريكا ان لا تسأل ماذا بوسع سورية تقديمه لها بل ان تسأل ماذا بوسع امريكا ان تقدم الي سورية علي الصعيد السياسي. فالادارة الأميركية الحالية تزعمت منذ استلامها الحكم برنامجا استراتيجيا عدائيا ضد سورية وشعبها. وقادت وما تزال حملة الإتهامات ضد سورية المتعلقة بمقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وهو ما ادي الي التأثير علي الموقف السوري السياسي والاستراتيجي. فثمة مشروع بتقديم سوريين الي محكمة دولية بتهمة اغتيال الحريري. كما واجبرت دمشق علي سحب قواتها من لبنان بسرعة ودون التريث مما وضع لبنان في خضم ازمة سياسية لا يعرف اين ستقود، عدا عن تسميمها للعلاقة الوثيقة بين الشعبين السوري واللبناني. ولم تتورع واشنطن عن ان تضع سورية مرة بعد اخري ضمن قائمتها سيئة الصيت والتي اطلقت عليها اسم محور الشر . وتستمر باتهام الحكومة السورية بتأييد الارهاب والتدخل بالشؤون العراقية الداخلية اضافة الي ان هذه الادارة الامريكية رفضت كافة المبادرات التي طرحتها سورية لحل مشكلة الشرق الاوسط وعلي رأسها القضية الفلسطينية وباصرار كامل علي رفض اي حوار مع سورية.
ولم تراع الولايات المتحدة أي حساسيات سورية وعملت علي دخول قوات غربية حليفة لها الي لبنان الامر الذي يشكل خطرا علي امن واستقرار سورية لان هذه القوات يمكن استغلال وجودها من جهات يهمها عدم الاستقرار في سورية، الامر الذي ادي الي مسارعة دمشق بنشر قوات عسكرية علي الحدود مع لبنان ليس كما تردد من ان السبب لايصال اسلحة الي حزب الله في لبنان بل لان سورية متخوفة علي امنها الوطني وموقعها الاقليمي نتيجة تواجد هذه القوات وتراكم التهديدات الاسرائيلية لها ضمن اختلال استراتيجي كبير في القوي بالمنطقة.
المبادرة الامريكية للاستعانة بايران لا يمكن ان تخدم مصالح العراق، بل هي مجرد محاولة تبديل الاحتلال الامريكي فالاحتلال الايراني في الحقيقة موجود علي ارض الواقع في جنوب ووسط العراق. فالاهداف الايرانية الاقليمية واضحة وتشمل فرض سيطرتها وسيادتها علي العراق وعلي منطقة الشرق الاوسط. ولا يمكن النظر الي برنامج تخصيب اليورانيوم وتطوير المفاعل النووي الا كجزء من الاستراتيجية الايرانية لتحقيق هذه الاهداف. لذلك تصبح مبادرة الاستغاثة بايران من وجهة النظر العراقية هي محاولة من الادارة الامريكية للانتقام من الشعب العراقي لرفضه الاحتلال، وهي مشروع سوف يؤدي الي تقسيم العراق. والشاهد علي ذلك هو ما يعيشه الشعب العراقي يوميا من معاناة تحت الاحتلال الايراني غير المباشر لجنوب العراق والذي يتمثل في الاغتيالات والاختطاف والتصفيات الطائفية الموجهة والعشوائية وتغيير الطبيعة الديموغرافية للمنطقة من خلال تطهير عرقي يؤهل لتحويل الاحتلال الايراني المستتر الي دولة تابعة او منطقة نفوذ ايراني مطلق. والادلة التاريخية المعاصرة تقود الي الاعتقاد بان طهران الملالي لن تتورع عن اعادة تنفيذ مخطط طهران الشاه عندما حدث الفراغ الاستراتيجي بانسحاب القوات البريطانية مطلع السبعينات من القرن الماضي والذي قاد الي احتلال الجزر الاماراتية وتهديد عروبة البحرين. فهل ثمة ما يمنع من ان تسارع ايران الي ملء الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب الامريكي المؤكد من العراق في الوقت الذي لا يترتب هذا الانسحاب من خلال الاعتراف بالمقاومة العراقية واعادة المؤسسات الوطنية العراقية تحت سلطة وسيادة حكومة عراقية غير عميلةأ
مبادرة الاستغاثة الامريكية هذه تتسم بكافة مزايا ما سبقها من مبادرات امريكية وبريطانية من حيث المحتوي والتوقيت منذ بداية الحرب. فكافة الدلائل تقول ان هذه المبادرة لا تهدف لخدمة مصالح الشعب العراقي او تعالج اسباب الحرب وتداعياتها الكارثية علي العراق وانكشاف مبرراتها الحقيقية. بل هي محاولة لخطب ود الرأي العام في الولايات المتحدة وبريطانيا وامتصاص النقمة الشعبية الناتجة عن انفضاح خدعة تسويق الحرب وفشلها والتهرب من تحمل مسؤولية اندلاعها او ما ترتب عنها من اضرار وجرائم. وهل هناك افضل من الاعلان عن الحكم باعدام الرئيس السابق صدام حسين قبل يومين من الانتخابات الامريكية؟
دعونا نفترض ان الادارة الامريكية هذه المرة مخلصة وشفافة وانها عازمة علي كشف حقائق الغزو ومبرراته غير المعلنة ومصارحة الشعب الامريكي بان اسباب الحرب لا ترتبط بقرارات الامم المتحدة او عدم امتثال العراق لها او الانتهاكات لحقوق الانسان في العراق او للدفاع عن حقوق الشيعة في الجنوب والاكراد في الشمال، او علاقة الحكومة العراقية السابقة بالقاعدة او ان العراق يشكل خطرا علي جيرانه او علي امن واستقرار الولايات المتحدة وبريطانيا ومصالحهما في الشرق الاوسط. الا يجدر بها وبقواتها العسكرية وطاقم سفارتها الحاكم في العراق ان تستغيث اولا بالحركات الوطنية العراقية التي ترفض وتقاوم الاحتلال بشقيه الامريكي ـ البريطاني والايراني؟ الا يجدر بها الاعتراف بضرورة الاتفاق مع هذه الحركات علي برنامج انسحاب شامل مصحوبا باعتذار للشعب العراقي والعالم؟ الم يحن الوقت لمنح العراقيين ما يستحقونه من تعويضات علي تدمير حياتهم وبناهم التحتية وعن ارواح ابنائهم؟
بل ان من الضروري اشراك الدول العربية التي ساهمت بشكل فاعل في تسهيل الحرب علي العراق وبررت غزوه واحتلاله في نداء الاستغاثة الذي تطلقه امريكا. فجزء من اليات الانسحاب ينبغي ان يكون اعترافا، واعتذارا، من هذه الدول العربية بخطئها بحق العراق والعراقيين وان عليها ديونا يجب دفعها الي الشعب العراقي بعد ان فتحت ابوابها واراضيها الي القوات الاجنبية المحتلة وهي بذلك تشترك في تحمل المسؤولية اسوة بقوات الاحتلال.
رغم ان ثمة فئات صغيرة قد سقطت في اغراء مناصب الحكم او صدقت الوعود الامريكية بتحقيق السعادة والرفاهية عن طريق تطبيق الديمقراطية والليبرالية وبالتالي اتخذت من الحقد والكراهية وسيلة لتقرير مصير العراق عن طريق الاحتلال. فبعد ما يقرب من اربع سنوات من التخريب والنهب والفساد والقتل واهانة العادات والتقاليد العربية والاغتصاب وهتك العرض علي كافة المستويات لا بد ان هذه الفئات توصلت الي نفس خلاصات الجهات الوطنية التي رفضت وقاومت الاحتلال. حيث ان هدف الحرب كان ولا يزال هو فرض سيادة وهيبة امريكا علي العراق ومنطقة الشرق الاوسط والتحكم والسيطرة علي خيرات هذه الأمة واكبر احتياطات النفط والغاز في العالم ضمن المعادلة الامريكانية الجديدة والتي هي خليط من افكار المحافظين الجدد والذراع العسكرية والمصالح النفطية والابقاء علي الرؤوس العربية الحاكمة، حتي وان تم التلاعب بمفاهيم الديمقراطية المعروفة بغرض فرض حكومات عميلة او تلك التي تلجأ الي حماية امريكا دون شعوبها. وبالتالي فان الادارة الامريكية استغلت واستخدمت هذه الفئات ليس لخدمة مصالح العراق وانما لخدمة المصالح الامريكية والاسرائيلية في المنطقة. لهذا يجب ان يبقي هدف انهاء الاحتلال هو الهدف الاول والاسمي لكل عراقي رفض الاحتلال من يومه الاول او انساق خلف الوهم الذي قدمته له امريكا.


ہ عضو المعهد الملكي للشؤون الدولية المملكة المتحدة

أضف تعليق