شرق المتوسط: سعي تركي لتعديل حقائق تاريخية
بقلم: د. مثنى عبد الله
تبقى المراحل التاريخية تضع بصماتها على الحاضر، وتظل ظلال إسقاطاتها كثيفة ومتشعبة على المراحل اللاحقة. وقد لخص علم السياسة هذا التأثير بنظرية «القوس والسهم» التي تقول، كلما شددت الوتر إلى الوراء تاريخيا، راح السهم منطلقا لمرحلة متقدمة في المستقبل.
وفي ضوء ذلك يمكننا أن نفهم طبيعة التوتر القائم اليوم في شرق البحر الأبيض المتوسط، بين تركيا من جهة، وقبرص واليونان خصوصا، والاتحاد الأوروبي، وهو ليس محصورا بموضوع الثروات، التي تم اكتشافها في السنوات الأخيرة وحسب، بل دوافعه خلافات تاريخية تعود إلى ما يقرب من قرن من الزمان ضاعفتها خلافات أيديولوجية وسياسية.
فلو بحثنا في الصراع من أجل الثروات، نجده قد انبثق بسبب عدم وجود اتفاقية سابقة تحدد المنطقة الاقتصادية لكل دولة في هذه المنطقة، حسب القانون الدولي للبحار عام 1982، الذي يسمح للدول بالبحث عن الثروات في المياه، وفق حدود مرسومة، ما دفع كل طرف لتحديد منطقته الاقتصادية وفق ما يريد، عندئذ حصل تداخل بالمناطق الاقتصادية لكل دولة من هذه الدول، فأعطى انطباعا بأن كل طرف يريد استغلال الثروات الكاربوهيدراتية على حساب الأطراف الأخرى في المنطقة.
وقد سعت أنقرة إلى ترسيم حدودها البحرية، مع كل من مصر وليبيا خلال السنوات المنصرمة، في محاولة للرد على تحديد قبرص واليونان حدودهما، لكن الظروف السياسية الداخلية في كلا البلدين، والعلاقات المتوترة مع مصر، أفشلت التقدم في هذا المجال، لكنها حققت نصرا استراتيجيا كبيرا بتوقيعها اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع طرابلس في 29 نوفمبر 2019. فتقاطعت منطقتها الاقتصادية الجديدة، مع المنطقتين الاقتصاديتين لكل من اليونان وقبرص. كما أصابت بمقتل المشروع المشترك لمد خط أنبوب الغاز الإسرائيلي عبر المياه القبرصية واليونانية، وبات تحت رحمتها. كما عرقلت خطة مصر بأن تكون منصة لتجميع الغاز وبيعه في المنطقة، حيث لديها المشروع نفسه مع أذربيجان وروسيا وإيران.
أما في موضوع الخلافات السياسية، التي هي إحدى مسببات التوتر الحالي، فإن أنقرة ترى أن هنالك محورا من مجموعة دول تحاول عرقلة نهضتها، من خلال حصرها بزاوية صغيرة من البحر المتوسط، واستبعادها من مشاريع الكاربوهيدرات ذات الأهمية الجيوسياسية، وصولا إلى احتواء النفوذ التركي ليس في شرق المتوسط فحسب، بل في الشرق الأوسط وشمال افريقيا أيضا، وتدلل على هذا التوجه بالاستبعاد المقصود لها من منظمة غاز شرق المتوسط، التي أسستها مصر مع اليونان وقبرص وإسرائيل ودول أخرى، فوجدت فيه استهدافا سياسيا وليس اقتصاديا فحسب. كما ترى أن هنالك عداء فرنسيا غير مبرر لها، في حين ترى فرنسا أن النزاع مع تركيا كبير، وفيه نقاط اشتباك حساسة منها مصالح أوروبا في المتوسط، وموضوع الهجرة، والتحرك التركي في شمال افريقيا التي تعتبرها باريس مجالها الحيوي، لذلك ما نراه من اشتباك سياسي تركي في شرق المتوسط، وفي ساحات أخرى هو مرتبط بشكل وثيق مع رغبتها بأختراق هذه الحواجز. واستراتيجيتها قائمة على أساس أن النزول القوي على الأرض يعيد التوازن بين كل الاطراف، وبالتالي يُرتّب لطاولة مفاوضات تصبح مراد الجميع. وهذا هو الذي دفع بها للذهاب بقوة إلى طرابلس، كجزء مهم من خطة حماية مصالحها الجيوسياسية، آخذين بنظر الاعتبار أن هذا التوجه ليس رسائل قوة للخارج فحســـــب، بل رســـــائل للداخل التركي أيضا، فالتحالف الحاكم في تركيا من حزب العدالة والتنمية وحزب العمل القــــومي، كلاهما يسعــيان إلى تعزيز القومية التركية، وكســـب الدعـــــم المحلي من خلال سياسة خارجــــية حازمة. وهذا الحــــزم لا يستهدف احتواء اليونان وقبرص فقط، بل يستهدف الدول العربية التي تعتقد أنقرة أنها في محور التضاد معها.
كما يبرز العامل التاريخي بقوة في هذا التوتر والصراع الدائر في هذه المنطقة. فقد تشكلت بواكيره في هزيمة البيزنطينيين، وفتح القسطنطينية، ثم هزيمة الدولة العثمانية، ووضع جزء من أراضيها تحت السيادة اليونانية. وتعتقد أنقرة أن حيفاً تاريخيا وقع على كاهلها، تحقق بمعاهدة لوزان 1923 التي حددت حدود تركيا الحالية، والتي بموجبها باتت الكثير من الجزر الملاصقة لبرّها تحت السيادة اليونانية، في حين بعضها لا يبعد سوى بضعة كيلومترات عن اليابسة التركية. ولأن قانون البحار لعام 1982 منح الجزر حق أن تكون لها مناطق اقتصادية بحرية، فأن ذلك رتب لليونان مناطق أقتصادية تصل حتى اليابسة التركية. مما يعني تآكل المناطق الاقتصادية التركية المقابلة لهذه الجزر، وهذا جعل لسان حال الاتراك يقول بأنه ليس من المنطقي أن نخسر السيادة على هذه الجزر في الماضي، ونبقى حتى اليوم ندفع ثمن هذه الخسارة بخسارة أخرى للمناطق الاقتصادية الخاصة بنا بسبب ملاصقة هذه الجزر للبر التركي.
إن الارتباك السياسي يكاد يُغلّف تحركات جميع الدول في شرق المتوسط، وكذلك القوى الخارجية المنخرطة في هذا التوتر، فالرئيس التركي قال إنه على استعداد للتفاوض مع أثينا، بدون شروط مسبقة، ثم عاد ليتوعدهم بالزوال، وأجرى مناورات بحرية مع فرقاطة أمريكية. والاتحاد الأوروبي تحدث عن ضرورة التهدئة بين تركيا واليونان، ثم يشاركون في مناورات ضخمة من أساطيل أربع دول في منطقة التوتر نفسها. هذه كلها تناقضات واضحة لكنها ليست عبثية إطلاقا.. هي تناقضات مغلّفة برسائل يريد الأوروبيون والأتراك توجيهها في جميع الاتجاهات. الأوروبيون قسّموا الأدوار فيما بين ألمانيا وفرنسا، دور ألمانيا استخدام القوة الناعمة للتهدئة، ودور فرنسا رفع العصا الغليضة بوجه تركيا من خلال التهديد باستخدام القوة. والهدف من وراء ذلك بعث رسالة إلى أنقرة، أن الأوروبيين متّحدون وهم ليسوا الحلقة الاضعف في شرق المتوسط. وأن خلافاتهم الداخلية لا يمكن لأنقرة المراهنة عليها، وفي الوقت نفسه الذي هم فيه مستعدون للحوار والوساطة، فإنهم لن يتركوا اليونان وقبرص وحيدتين في عين العاصفة التركية.
كذلك أنقرة ترسل رسائل التهديد إلى اليونان والاتحاد الاوروبي، بأنها لن تتخلى عن حقوقها في بحار المتوسط وإيجه والأسود. وهي تعتقد بأن تجارب التاريخ الحديث يمكن أن تتكرر مرة أخرى، فالأوروبيون لم يستطيعوا فعل شيء عندما فرضت تركيا على أرض الواقع وبالقوة دولة شمال قبرص عام 1947. وفي عام 1997 أنزلت بالقوة أيضا علم اليونان، الذي تم رفعه على إحدى الجزر المتنازع عليها، تُرى هل يتكرر المشهد مرة أخرى ويبقى الاتحاد الاوروبي متفرّجا؟ أم أن الظروف الدولية قد تغيرت؟
إن التوصل إلى حل ما يقضي على هذا التوتر المتصاعد ليس أمرا يسيرا. فالقانون الدولي يعتبر أن هنالك 200 جزيرة تحت السيادة اليونانية، ووفق هذا القانون، فإن لكل واحدة من هذه الجزر مياها إقليمية ومنطقة اقتصادية خالصة لها. لكن في الوقت نفسه هنالك جزر تلاصق الساحل التركي، ما يحرم تركيا من ثروات مهمة في البحر، هذه المعضلة القانونية لا يمكن حلها إلا بالتفاوض بين الطرفين لتخفيف حقائق تاريخية باتت جغرافية أيضا.
٭ كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية
