أما آن للناعقين أن يتوقفوا عن تقليب مواجع أغسطس 1990؟
بقلم: د. مثنى عبد الله
يُحكى أن قرويا استهوته فكرة الصيد بالطيور الجارحة، فقرر أن يمتلك صقرا، أملا في أن يطلقه في عنان السماء لينقض على غزال أو أرنب، أو أي نوع من أنواع الطيور، ثم يأتيه به فيستغني عن شراء اللحوم لإطعام نفسه وعائلته.
ويبدو أن هذا الطائر لم يتلق التدريب المطلوب والصحيح، فبات كلما يطلقه للصيد يذهب لصيد الثعابين والعقارب الكبيرة، ويأتي ليلقيها على صاحبه القروي. فذهبت القصة مثلا متداولا في العراق يُوصف به كل من يثير النعرات والفتن بين الإخوة وأبناء البلد الواحد والأمة الواحدة.
في الثاني من أغسطس/آب من كل عام ينبري بعض الخاوية عقولهم من كل فكرة بنّاءة، فيستلون أقلامهم التي جف مدادها، كي يسمعونا صريرها على صفحات بعض الصحف، ويعيدوا لنا رواية ما جرى بين العراق والكويت في عام 1990. فعلى الرغم من مرور ثلاثين عاما على الحدث، وانتقال قادة البلدين الذين كانوا يحكمون في تلك الفترة إلى ذمة الله، وذهاب جيل وقدوم جيل آخر، وعودة الأمن والاستقرار والرفاهية للأشقاء الكويتيين في بلادهم، وتكفل العراق بدفع تعويضات تلك الحادثة إلى آخر دولار، لكن هؤلاء مازالوا يحرثون بمحاريثهم بين الرماد، علّ نارا ما زالت تحته كي يوقدوها ويعتاشوا عليها. إنها شيمة المفلس الذي دائما يبحث في الدفاتر القديمة أملا في العثور على فتات.. لذا تراهم يصرّون على أجترار الماضي والحديث عن قضايا عافها الزمن وعبرتها الأجيال، فما الفائدة المرجوة في هذا الظرف العصيب الذي تمرّ به الأمة، من تسطير كلام فارغ وتساؤلات استنفدت إجاباتها من زمن؟ وما الذي يجنيه القراء من سطور تتحدث عن هل كان الجيش في العراق جيش صدام أم جيش العراق؟ وماذا قال الخزرجي وفلان وعلان عن ليلة الغزو؟ وهل كان وزير الدفاع يعلم بقرار الغزو أم لا يعلم؟ وغيرها من الأسئلة، التي باتت وراء ظهور الجميع، ولم يعد أي أحد من كلا الطرفين يعيرها أي اهتمام، بعد أن استنفد الحدث كل عناصره الزمانية والمكانية، وباتت وقائعه معروفة للقاصي والداني.
ما الفائدة المرجوة لشعبنا في العراق والكويت من محاولات أقلام مشبوهة تعيش على الارتزاق، والخوض في دماء الأشقاء، وهي تسعى لدفعهم كي يبقوا عالقين في أوحال الماضي، ورهن مستقبلهم لحدث انقضى ودفعوا ثمنه جميعا؟ يقينا ليست هنالك من مكاسب يمكن أن نجنيها جميعنا من وراء ذلك، لكن هذه الأقلام الخاوية هي الوحيدة المستفيدة من تقليب مواجع الماضي، لأنهم غير قادرين على الانصراف للبحث لأنفسهم عن موارد ذاتية، يتغذون بها كي يقدموا كتابات تطرح برامج رؤيوية حقيقية للمجتمع، لذلك هم يكتفون بإثارة الأحقاد والضغائن بين الإخوة. فالمهم بالنسبة لهم هو محاولة الاستمرار في مخاطبة الناس، واللعب بغرائزهم وعواطفهم، من أجل تحشيدهم وتجييشهم ضد بعضهم بعضا، كي تبقى النيران مشتعلة في البيت الواحد، لأهداف شخصية ارتزاقية.
إن أهلنا في العراق والكويت ومثلهم في باقي أقطار الأمة، بحاجة إلى كُتّاب شرفاء وأمينين على قضايانا المصيرية، يستطيعون من خلال كتاباتهم إبقاء جذوة الوعي متقدة في النفوس، كي تكون هي البوصلة التي تحدد لهم من هو العدو الحقيقي من غيره، وما هو الحدث الطارئ من المصيري، وكيف يمكن للجراح أن تندمل بين الإخوة، وما بينهم وبين الاعداء لا يمكن أن يندمل. إننا بحاجة ماسة إلى قلم يُذكّر الأجيال بحقوق الأمة المسلوبة، وأن لا يُهوّن اغتصاب أرضنا في فلسطين المحتلة، وأن لا يُصوّر الصراع العربي الاسرائيلي على أنه مجرد خلاف وجهات نظر، وأن لا يُثقّف على أن التطبيع مع العدو ممكن، وأن لا يُسمّي التوغل الإيراني في بلداننا، وبناء ميليشيات مسلحة تعمل لصالحه على أنه مقاومة. إننا بحاجة إلى كُتّاب يحترمون الكلمة ولا يعادلونها بقيمة مادية، فيكتبون على مقاسات ما يريد هذا وما يرفضه غيره من أجل بضعة دراهم. لذلك عرفنا على مدى عقود كُتّابا كان شرف الكلمة وقدسيتها يشكل مدماكا رئيسيا لهم في ما يكتبون، لذلك تأهلوا لقيادة فصول تاريخية في مقارعة الاستعمار والظلم والاضطهاد، ولم يرقصوا يوما على جراح الأمة، ولم يسعوا لجعل الخلافات العربية العربية حروب بسوس أخرى، يستثمرونها للحصول على عطايا هذا الحاكم وذاك السلطان.
إن للكتابة أخلاقيات، وهذه الاخلاقيات هي المعايير الأساسية للكتابة والتحرير، وهي التي ترفد الكاتب بمداد لا ينضب، وتعزز الموثوقية والمصداقية في ما يطرح على جمهور القراء والمتابعين، وبذلك تكون داعما أساسيا له، لأنها تحاكي وتسأل ولا تقبل الخوض في المياه العكرة، والاحداث الطارئة. كما أنها تعينه على الترفع من الارتهان للسياسيين والسير في دروبهم الموحلة، وتبعده عن الوقوع في شراك عدم المصداقية، وعدم المبدأية في تناول الأحداث، وتُحصّن كتابته من أن تكون مجرد صرخة عمياء في واد غير ذي زرع، لذلك فإن التنمية الأخلاقية للكاتب مطلوبة، وترسيخ المبادئ المهنية في الكتابة هي التي تقود إلى المصداقية، وتبعد الكاتب عن التسوّل، وممارسة دور النائحة التي تحاول بشتى الوسائل استدرار دموع المحيطين بها كي تقبض أكثر.
لقد سالت أنهار من الدماء بين دول وشعوب أوروبا، في حروب كبيرة وكثيرة، وهم الذين لا تربطهم وشائج مثل التي نرتبط بها نحن العرب، لكنهم وجدوا أن العيش في الماضي لا يجدي، وأن النبش في من بدأ هذه الحرب وذاك الاعتداء، لن يسمح لهم بالسير إلى أمام ومواكبة العصر، لذلك اجتمعوا على كلمة سواء قوامها طي صفحة الماضي بكل مآسيه، والتطلع إلى أمام، فباتوا اليوم يتسابقون في إنقاذ بعضهم بعضا، من الكوارث الاقتصادية، ويُقدّمون ملايين اليوروات لمن كانوا قبل عقود في حالة عداء معهم. وألمانيا التي حاربتها أوروبا خير دليل على ذلك، حيث تضع كل إمكاناتها الاقتصادية في خدمة أوروبا، من دون أن نسمع أحدا يكتب مُذكّرا الألمان بأن هذه الدولة الأوروبية أو تلك، قد قاتلتهم في يوم مضى.
إن الكتابة هي الدليل الملموس الوحيد على وجود الإنسان، ولكي يكون هذا الدليل فاعلا، لا بد أن يكون قائما على عنصر الأخلاق والشرف والمسؤولية، وعامل توحيد لا تنفير، حينها فقط ستكون الكتابة شعلة من الروح بعد أن يجتهد الكاتب في نحت الجمل من خلال تجبير عظام للكلمات، كي يثبت أنه نحّات حاذق. ما فائدة الكتابة التي لا تفتح النوافذ في الروح وتجلي صدأ النفوس، وتساعدنا على اكتشاف العالم وتبديد سحب الكراهية والحقد والضغينة؟ وهل يُسمّى كاتب ذاك الذي يوقف قلمه فقط على توفير الذريعة لمن لا يريد أن يمضي إلى أمام، ويبقى في دوامة كان وما كان؟ إن ما تمر به الأمة من تهديد وجودي لمصيرها ومستقبل أجيالها يتطلب التسامي على الأحقاد والضغائن، وحصر الحوادث التي تحصل بين الإخوة في الزمن المحدد لها، مهما عظمت المأساة، كي نستطيع مجابهة كل هذا الكم الهائل من التهديدات الخارجية.
كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية
