هيئة علماء المسلمين في العراق

هل انتهت حقبة المحافظين الجدد؟-د. عبدالله خليفة الشايجي
هل انتهت حقبة المحافظين الجدد؟-د. عبدالله خليفة الشايجي هل انتهت حقبة المحافظين الجدد؟-د. عبدالله خليفة الشايجي

هل انتهت حقبة المحافظين الجدد؟-د. عبدالله خليفة الشايجي

السؤال الأبرز والأهم كنتيجة لانتخابات الكونغرس الأمريكي هو هل انتهت حقبة ومغامرات والتنظير الإيديولوجي للمحافظين الجدد الذين جروا الكثير من الويلات والدمار والكوارث في منطقتنا؟ كان من المفترض حسب تصور المحافظين الجدد ان يكون العراق هو القدوة والمثال الذي من خلاله سيتم صوغ المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية ويحولها الى منطقة طيعة تقضي على الإرهابيين وتنشر الديمقراطية وتهمش الدول المارقة وتشكل الرافعة لمرحلة هيمنة بلا منازع في المنطقة لأجيال قادمة. تنظير غارق في السطحية والمثالية للمنطقة الذي لا يدعمه الواقع. ولا يأخذ بعين الاعتبار الكثير من المتغيرات والوقائع.

قد يكون التغيير الأهم والأبرز الذي أفرزته الانتخابات الأمريكية هو النتائج التي ستترتب على ذلك الانتصار المهم، ليس بما يتعلق تقليديا في الشأن الداخلي الذي يمنح الكونغرس الدور الأكبر في النظام السياسي الأمريكي. ولكن قد يكون التأثير الكبير الذي سيحدثه الزلزال الديمقراطي الذي عكس الى حد كبير التململ والانزعاج الكبير في مزاج الناخب الأمريكي الذي دفعه للانقلاب على الجمهوريين، هو التغيير الكبير القادم على استراتيجية أمريكا وكيف ستتعامل واشنطن مع سلسلة الأزمات وتحديات السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة في منطقتنا خلال العامين القادمين.

بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية سيكون التغيير الكبير في تغير التوجه الأمريكي الذي انتهجه المحافظون الجدد الذين اختطفوا السياسة الخارجية الأمريكية وأمسكوا بزمامها خلال السنوات الست الماضية. تلك السياسة التي عملت تحت غطاء كبير مغلف بإيديولوجية غير مسبوقة تدعمها نزعة إنجيلية غارقة في المثالية المدعومة بالقوة الطاغية في تغيير وتحويل العالم ومنطقتنا المأزومة كالعجينة في لحظة التفوق الآحادية القطبية للهيمنة الأمريكية.

لا بل يؤكد الواقعيون من المنظرين الإستراتيجيين الأمريكين من أمثال ريتشارد هاس الجمهوري مستشار الرئيس بوش الأب والرجل الثالث في الخارجية الأمريكية في السنتين الأوليين من حكم بوش الابن وزبغنيو بريجنسكي الديمقراطي مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس كارتر في السبعينيات، الى إستنتجات مهمة ولافتة.

تؤكد تلك الاستنتاجات أنه في الوقت الذي كانت به حرب تحرير الكويت- التي كانت حربا ضرورية والتي شكلت الرافعة للهيمنة والاستفراد الأمريكي في المنطقة. كانت حرب تحرير أو احتلال العراق التي كانت حربا غير ضرورية كما يقول ريتشارد هاس المستنقع الذي سينهي تلك الهيمنة. ويقدم بريجنسكي مقاربة مهمة لوضع امريكا اليوم في العراق بوضع بريطانيا وفرنسا القوتين الاستعماريتين في المنطقة والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وكيف أن ذلك العدوان شكل بداية النهاية للهيمنة والحضور الأنغلو-فرنسي في المنطقة وأنه بالمقابل فإن حرب العراق كما يتفق هاس وبريجنسكي ستشكل بداية أفول وتراجع الهيمنة الأمريكية في المنطقة. قد يبدو ذلك مبالغا به للمتابعين ولكن في البعد الاستراتيجي للأمور فإن تلك التحليلات الاستراتيجية تبدو أقرب للواقع وخاصة بعد انتصار الديمقراطيين وإزاحة رامسفيلد وتساقط المحافظين الجدد وأفول نجمهم ومحاصرة العراب تشيني.

وتشكل عودة فريق بوش الخارجية والأمنية انتصارا كبيرا لجناح الاعتدال والواقعية. ذلك الفريق الذي تم تجاهله بقسوة خلال السنوات الماضية من قبل الجناح المتشدد واصطدم معه على الدوام. تشكل عودة بيكر وغيتس وسكوكروفت تغليبا للتيار الواقعي والبراغماتي الذي بدأ يكتسب زخما وقوة مع تشكيل فريق دراسة العراق برئاسة جيمس بيكر ولي هاميلتون.

ذلك الفريق الذي يسعى لإنقاذ إدارة الرئيس بوش من الورطة العراقية عبر التوصية بتغيير الاستراتيجية عبر سلسلة من الاقتراحات بما فيها الانسحاب المتدرج وهذه التوصية تصطدم بإصرار الرئيس بوش ومستشاريه الذين يمارسون عنادا غير عقلاني بالبقاء حتى النصر دون تحديد أفق لذلك. وبتغيير كبير في الاستراتيجية الأمريكية ستكون هناك مطالبة من فريق دراسة العراق ببدء حوار وإنفتاح على كل من سوريا وإيران. محور الشر الجديد ورمز التطرف وحيث تتهم الإدارة الأمريكية بدور تخريبي في العراق ولكن بمساع لإسقاط حكومة السنيورة في لبنان. والتي تتجلى على ما يبدو بإقناع حلفائهم حزب الله وحركة أمل والرئيس لحود بسحب وزرائهم من الحكومة التي بدأت تتهاوى لتسقط مع انسحاب ثلث وزرائها في أزمة مفتوحة تهدد بالتفاقم وبانعكاسات تقوي من خصوم أمريكا في المنطقة.

مع الاعتراف بأن الرئيس بوش لم يفقد جميع أوراقه، فهو الرئيس الأعلى للقوات المسلحة وصانع السياسة الخارجية. ودور الكونغرس في المحصلة النهائية يتمحور حول الشأن الداخلي ولن يغامر الكونغرس بالتهديد بورقة تجميد المخصصات المالية لتمويل حربي العراق وأفغانستان الورقة القوية بيدهم. لأن ذلك سيستعدي الأمريكيين الذين سيتهمون الديمقراطيين بأنهم تخلوا عن الجنود وتركوهم ليتعرضوا للخطر وهذا غير وطني. لأن الهم الرئيسي لكلى الديمقراطيين والجمهوريين هو الفوز بالبيت الأبيض في 2008.

لايزال أحد إفرازات الانتخابات هو اكتساب خصوم أمريكا المزيد من الثقة والجرأة في تحدي الإدارة الأمريكية بعد أن انتشوا وابتهجوا لسقوط الجمهوريين وإقصاء رامسفيلد. والخوف من مواجهة مبكرة قد تمتحن جدية وعود ومطالبة التعاون والانفتاح الذي وعد بها الرئيس بوش قيادات الديمقراطيين. من الواضح ان رياح التغيير تهب بسرعة في واشنطن. ومع اقتراب الذكرى الرابعة للحرب في العراق، فإن جردة الحساب ليست في مصلحة الإدارة المرتبكة والمثقلة المجبرة بتغير المسار في منتصف الطريق بعد تراكم الأخطاء وتحفز الأعداء وشماتة الحلفاء.


الشرق القطرية

أضف تعليق