عندما كتبنا في هذه الزاوية عن ولوج الحرب الأهلية عتبة جديدة ، تتميز بترسيم خطوط تماس بين المذاهب والطوائف ، وتبادل القصف العشوائي من ورائها ، سخر بعض قرائنا من العراقيين مما ذهبنا إليه ، وأمطرونا بوابل من الاتهامات تدور في معظمها حول \"جهلنا\" بالنسيج الاجتماعي العراقي المتداخل والممتزج ، وعدم درايتنا بشخصية العراقي العصية على \"التمذهب والتطيّف\".
اليوم سنلج في نبوءاتنا المتشائمة عتبة جديدة - للأسف - ونقول أن انفلات العنف الطائفي والمذهبي في العراق ، ينذر بجر البلاد والعباد إلى "نقطة اللاعودة" ، فالفوضى والفلتان المستشريان في مدن العراق وبلداته ، خرجا عن السيطرة ، ومن المؤكد أن واشنطن وحلفاءها ليسوا قادرين على احتواء الموقف ، وسيصبح من المشكوك فيه أن تنجح إيران وسوريا في احتواء تداعيات المشهد العراقي ، بفرض أن إدارة بوش ستعمل بتوصيات بيكر - هاميلتون: فالحرب الأهلية - أية حرب أهلية - لها ديناميكياتها الخاصة ، وهي تفرز في سياقاتها قوى مصطرعة ومصالح متعارضة ، تتغذى بحسابات الداخل بحاراته وأزقته وطوائفه ، فيما يقف الخارج بمراكزه الدولية والإقليمية عاجزا عن ممارسة الفعل والتأثير ، وقد حصل مثل هذا الأمر في معظم المجتمعات المحتربة أهليا ، والعراق بهذا المعنى ليس خروجا عن المألوف والقاعدة.
قلنا من قبل ، ونحذر اليوم ، بأن خرائط تقسيم باتت مكتملة إلا من خطين رئيسين: خط تقسيم بغداد العاصمة ، والخط المقرر لمصير كركوك ، وعنصر الوقت لا يعمل لصالح وحدة العراق والعراقيين ، فالوقت من دم وخراب وضحايا تتساقط بالعشرات ، وما لم تدرك واشنطن أن زمنها في العراق يشارف على نهايته ، ما لم تتصرف على قاعدة "أن العد العكسي لنفوذها المنفرد والمتفرد" قد ولّى وإلى الأبد ، فإن العراق سيظل يواصل انزلاقاته نحو الجحيم.
وإذا كانت هناك من بارقة أمل ، تبقي جذوة التفاؤل مشتعلة بعض الشيء ، فهي في رضوخ الإدارة الأمريكية للآراء والمطالبات التي تدعوها لإشراك المجتمع الدولي ومختلف دول الجوار الإقليمي وكافة اللاعبين في العراق ، في عملية سياسية جادة وجدية ، تبدأ بإعلان أمريكي نهائي وواضح وصريح ، بأنها لن تبقي جنديا واحدا في العراق ، وأنها ستسلم زمام البلاد لأهلها وفقا لجدول زمني يخلص إليه مؤتمر دولي حول العراق.
وما لم يأت الرئيس الأمريكي إلى عمّان قريبا بمثل هذه المقاربة الجديدة ، فإن قمته مع المالكي ستكون الأخيرة - هذا إذا عقدت القمة أساسا - فحكومة أمراء الحرب والطوائف وقادة الميليشيات هي جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل ، وقد آن أوان التصرف بطريقة أخرى ، إذا ما أرادت الولايات المتحدة لهذا الإقليم أن لا ينزلق إلى "بلقنة" شاملة ، ستأكل الأخضر واليابس ، وستأخذ في طريقها النفوذ والمصالح والوجود الأمريكي في المنطقة.
الدستور الاردنية
هل بلغت الحرب الأهلية في العراق نقطة «اللاعودة»-عريب الرنتاوي
