في تعليق بريجنسكي علي فشل الجمهوريين في انتخابات الكونغرس النصفية نقل عنه قوله بانه كما انهت السويس سنة 1956 الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية فان الفشل الذي تلوح نذره في العراق سينهي الحقبة الامريكية في الشرق الاوسط.
وما قاله بريجنسكي ينطوي علي ادانة ضمنية لصناع القرار الامبريالي الامريكي ومستشاريهم بغزوهم العراق، كما لسابقيهم صناع القرار الاستعماري البريطاني والفرنسي بالعدوان علي مصر، لتجاهل صناع قرار الغزو ابرز حقائق التاريخ الانساني، وهي استحالة قهر ارادة شعب تعتمد قواه الحية المقاومة خيارا استراتيجيا. فكيف الحال عندما تكون قوي المقاومة تنتسب لامة عريقة التاريخ عرفت عبر القرون بقدرة شعوبها الفذة علي دحر الغزاة؟
وما قاله بريجنسكي يستدعي للذاكرة تداعيات حرب السويس، نتيجة فشل قوي العدوان في تحقيق غايته التي ارادها ايدن وموليه وبن غوريون الذين اثارت مخاوفهم بداية استعادة مصر دورها التاريخي كاقليم قاعدة عربي وكقوة فاعلة في القارة الافريقية. اذ راوا في اقدام عبدالناصر علي كسر احتكار السلاح وتاميم القناة ودعوته للتحرر والاستقلال محفزا لحركات التحرر الوطني في العالم الثالث، التي كانت تشهد حراكا جماهيريا متناميا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فحاولوا ان يكرروا مع عبدالناصر ومصر ما سبق ان صنعته الولايات المتحدة مع د. مصدق وايران في اعقاب تأميم البترول الايراني. غير ان صمود ومقاومة الشعب العربي في مصر، وعلي مدي الساحة ما بين المحيط والخليج، والاداء السياسي المتميز لعبدالناصر، افشل المغامرة الاستعمارية، مما حفز ارادة المقاومة في كل نواحي آسيا وافريقيا، بحيث سرعان ما تهاوت القلاع الاستعمارية وكانها قصور من ورق.
ولقد عرف قادة ومفكرو العالم الثالث وللعرب لحركتهم القومية ولقائدهم التاريخي دورهم في وضع النهاية الحاسمة للحقبة الاستعمارية. ويومها نقل عن المفكر الافريقي عبدالله المزروعي انه قال: اذا كنا نأخذ علي العرب مشاركتهم في تجارة الرقيق فان ما خلفه ذلك في النفوس زال تماما نتيجة ما قدموه بزعامة عبدالناصر من دعم لتحرر افريقيا ولتصفية التركة الاستعمارية فيها.
وحين يقرر بريجنسكي ان عجز آلة الحرب الامريكية عن قهر ارادة المقاومة العراقية يؤذن بنهاية الحقبة الامريكية في الشرق الاوسط، فانه بما يقرره ينبه الذهن للتداعيات المحتملة لنهاية الحقبة الامريكية في منطقة كان لشعوبها عبر التاريخ تاثير كوني. والذي يذكر ان الرئيس بوش عشية اصداره الامر بغزو العراق اعلن ان الغاية المستهدفة جعل العراق الديمقراطي انموذجا تقتدي به شعوب المنطقة المراد ادماجها في نظام الشرق الاوسط الجديد . حيث انه كان ينظر للعراق والاستقرار الامريكي فيه كحجر الزاوية في اشادة الامبراطورية الامريكية التي كان يحلم باقامتها. والمتعارف عليه ان سقوط حجر الزاوية يؤذن بتداعي اركان البناء المشاد عليه. الامر الذي يعني في التحليل الاخير ان المقاومة العراقية، بدورها في افشال الطموح الامبراطوري الامريكي، تضع بداية نهاية استراتيجية الحرب علي الارهاب ، وفي ذلك ما قد يساعد في اعادة النظر في القوانين المقيدة لحريات الامريكيين والسياسة الخارجية الامريكية المعادية لمصالح الشعوب العربية والاسلامية. وبهذا تغدو المقاومة العراقية مرشحة لان تصنع بعد خمسين سنة من زلزال السويس ما لا يقل، ان لم يفق، صنيع شعب مصر بقيادة عبدالناصر، لكون الظروف الاقليمية والدولية اليوم مختلفة عما كانت عليه يومذاك. وبالتالي فهي علي عتبات ان تحقق لشعبها وامتها الانجاز العربي التاريخي الثاني في العصر الحديث.
وفي الافق المنظور مؤشرات الانجاز التاريخي للمقاومة العراقية، اذ توالت الدعوات الاوروبية والامريكية للتعامل مع النظامين السوري والايراني باعتبارهما جزءا من الحل، بعد ان كان ينظر اليهما علي انهما جزء من المشكلة. ولم يعد خافيا السعي لتوظيف علاقتهما في تيسير الخروج الامريكي من المستنقع العراقي باقل الخسائر. وقد جاءت زيارة جيمس بيكر لدمشق، ثم زيارة وليد المعلم لبغداد، تؤشران لاعتماد ذلك. الامر الذي يعني احتمال التراجع عن اعتبار النظامين محوري الشر في المنطقة وعقد صفقات معهما تضع حدا لما يواجهانه من تهديدات، ان لم تستبق اسرائيل ذلك بعمل عدواني يضاعف التوتر في المنطقة.
وليس من شك في ان بريجنسكي وجه قوله لشعبه الامريكي، وقدم شهادة احد ابرز مفكريه الاستراتيجيين حول الفشل التاريخي لادارة الرئيس بوش وزمرة المحافظين الجدد وما يدعون له. غير انه في الوقت ذاته، ودون ان يقصد، خاطب شعوب العالم كافة، والشعب العربي خاصة، ودعاة الواقعية العرب علي الخصوص. وقدم للجميع شهادة لا يمكن لاحد ان يطعن بها حول المكون الحضاري الذي تختزنه الامة العربية، وقدرة الشعوب العربية علي التاثير العميق في حياة البشرية، ان هي وجدت من يفعل امكاناتها وقدراتها المعطلة. الامر الذي يضحد كل مقولات ادعياء الواقعية العرب، وبالذات زعم بعضهم ان ليس للعرب حول ولا قوة، وانه لم يتبق لهم الا استجداء امريكا، والي غير ذلك من مقولات المسكونين حتي النخاع بثقافة الهزيمة.
واما القول بان شهادة بريجنسكي حول الفعالية العربية غير مطعون بها فلا يعود فقط لصدورها عن مفكر استراتيجي عالمي، وانما ايضا لهوية من صدرت عنه وما عرف به. فهو ليس عربيا من بقايا الملتزمين بالفكر القومي العربي، اصحاب اللغة الخشبية كما ينعتهم دعاة الواقعية العرب. كما انه ليس احد المفكرين الامريكيين او الاوروبيين المتعاطفين مع العرب وتراثهم وحضارتهم، خاصة مقاومتهم قوي الاستعمار والصهيونية. ولا هو من المعروفين بالانفعال والتسرع باطلاق الاحكام. وانما هو احد اساطين الفكر الاستراتيجي الامبريالي الامريكي، الذي شغل منصب مستشار الامن القومي في ادارة الرئيس كارتر، وما زال لما يصدر عنه اعتباره عند صناع القرار الامريكي جمهوريين كانوا ام ديمقراطيين. فضلا عن انه مؤلف كتاب بين جيلين الصادر سنة 1977، والذي انكر فيه عروبة مصر وغالبية شعوب الامة العربية، ودعا لاسقاط النظام الاقليمي العربي، الذي تجسده جامعة الدول العربية، واستبداله بنظام الشرق الاوسط المشكل من كنتونات عرقية وطائفية، بما يسمح للكنتون الاسرائيلي ان يعيش ويزدهر.
ومفكر هذه مواصفاته جدير بان تؤخذ شهادته بالعرب بعين الاعتبار. والسؤال الاخير: هل يستوعب دعاة الواقعية العرب رسالة بريجنسكي ام انهم عن التفكير الواقعي الحق ممتنعون؟
كاتب فلسطيني يقيم في الامارات
القدس العربي
رسالة بريجنسكي لدعاة الواقعية العرب
