هيئة علماء المسلمين في العراق

مخاطر هجرة الكفاءات من العراق - د.حسين حافظ
مخاطر هجرة الكفاءات من العراق - د.حسين حافظ مخاطر هجرة الكفاءات من العراق - د.حسين حافظ

مخاطر هجرة الكفاءات من العراق - د.حسين حافظ

لم يعد بوسع العراقيين في ظل الفوضى التي تجتاح البلاد سوى التفكير بأمرين أحلاهما مر، الأول التجلد بالصبر وتحمل البلوى أملا في أن تتحسن الأوضاع ويتاح لمن تسعفه الأقدار ويبقى على قيد الحياة العيش بسلام والتمتع بما وهب الله البلاد من الخيرات التي ظلت بمنأى عن متناول الكثير من العراقيين ردحاً طويلاً من الزمن، ولم يكن نصيبهم منها سوى الويلات والبلوى والدماء. أما الخيار الثاني فهو شد الرحال وترك البلاد والعباد والاكتواء بنار الغربة وذل الحاجة حتى أضحت البلدان المجاورة للعراق على ضعف حال البعض منها ملاذاً للعراقيين ينفقون فيها ما كانوا قد ادخروه ربما الدهر كله، يتزاحمون في سوق العمل وعلى قارعة الطرق طلبا لعمل لا يرجى منه سوى سد للرمق وسبيل لقضاء الحاجة.

المفوضية العليا للاجئين قدمت إحصاء خطيرا للهجرة من العراق وكان آخر التقارير قد أشار إلى نزوح أكثر من ثلاثة آلاف شخص من العراقيين كل يوم إلى دول الجوار، ناهيك عن ان الكثير من بين هؤلاء هم من الكفاءات العلمية النادرة من أطباء وأساتذة جامعات ومهندسين ورجال أعمال ومفكرين وإعلاميين إلى غير ذلك من الشرائح المثقفة التي تعتبر الثروة الحقيقية لكل أمة من دون استثناء، وممن تضطرهم الظروف الأمنية المعقدة إلى ترك العراق، وبالتالي فإن هذه الهجرة الخطيرة ستشكل معضلة حقيقية لمستقبل العراق إذا ما أريد بناؤه على أسس علمية سليمة وصحيحة.

المشكلة تكمن في أمرين، الأول هو تجاهل النداءات المتكررة لحماية بعض الشرائح المهمة كالأطباء وأساتذة الجامعات، وإذا ما استمر هذا التجاهل فستجد الجامعات والمستشفيات نفسها يوماً من دون كوادر حقيقية وسوف تستمر ظاهرة هجرة العقول خاصة وان فرص العمل للكثير من هذه الكوادر العلمية متوفرة لدى البعض من دول الجوار.

أما الأمر الآخر فهو إن استمرار بقاء هذه العقول لفترة طويلة من الزمن بعيدا عن الوطن سوف يؤدي إلى توطنها لدى دول الجوار واستحالة إمكانية عودتها مجددا لا سيما إذا ما استمرت الأوضاع في العراق على ما هي عليه الآن، وإذا ما تكونت لدى البعض من تلك الكفاءات ارتباطات إنسانية روحية ووظيفية ومصالح جديدة ليس بالإمكان التخلي عنها، من هنا يمكن أن نشير إلى المخاطر الجدية التي يمكن أن تواجه العراق في المستقبل خاصة في ظل استمرار استهداف العلماء وعدم وجود إجراءات ناجعة لحمايتهم.

إن المشكلة الحالية التي ينبغي الانتباه إليها هي تكرار واستمرار ظاهرة اختطاف وقتل الأساتذة الجامعيين والأطباء تحديداً، ففي غضون الثلاثة أسابيع المنصرمة قتل أربعة أساتذة جامعيين وبدرجات علمية عالية، وتمت تصفية ثلاثة كوادر طبية جلهم من الاختصاصيين، وهذه الظاهرة ليست عفوية كما يعتقد البعض أو ناشئة لأسباب آنية بالمرة بل إنها تشكل ظاهرة سياسية واعية وهادفة وذات أبعاد استراتيجية خطيرة، ومن تابع تصريحات الرئيس الأسبق بوش الأب سيجد ان من بين أخطر تلك التصريحات ما ذكره في بداية حرب الخليج الثانية من ان هدف الحملة هو إعادة العراق إلى القرون ما قبل الوسطى. ومن يتابع الهجرة العلمية واستهداف العلماء في العراق سيجد ان هناك جزءاً كبيراً من هذه الرؤية قد تحقق وما زال الجزء الآخر في طوره إلى التحقق.

وان من يطلق الرصاص صوب عالم عراقي يدرك جيدا انه يطفئ نور العراق وشمس غده، إذ لا مجال إلا لسيادة وشيوع التخلف وبقاء الجهلة والمفسدين، ومن لم يسع إلى حماية علماء بلاده سيجد نفسه يوماً من دونهم، حين ذاك لا مناص إلا أن نصدق ما ذهبت إليه مقولة بوش الأب.

* كاتب وأكاديمي عراقي
الخليج الامارتية

أضف تعليق