ظهرت قضية الشيخ حارث الضاري للعلن للمرة الأولي بتصريح من رئيس دولة المنطقة الخضراء جلال الطالباني.
اتهم الطالباني الشيخ حارث بأن لا هم له الا تأجيج النعرات القومية (والمقصود العربية ـ الكردية) والطائفية (والمقصود بالطبع السنية ـ الشيعية). أن يصدر مثل هذا الاتهام من المنطقة الخضراء للشيخ حارث ليس بالأمر الغريب. ولكن ان يصدر عن السياسي العراقي ـ الكردي الأشهر، حجماً وتاريخاً، فمن الغرابة بمكان. فمنذ برز الطالباني علي رأس مجموعة من الشبان اليساريين المنشقين علي الملا مصطفي البارزاني، وهو طرف في كل الفتن التي تعرض لها العراق والأكراد. من حكومة البعث في بغداد الي ايران، ومن سورية وليبيا الي تركيا، ومن لندن الي واشنطن، لم يترك الطالباني طرفاً ذا مصلحة أو اهتمام بالعراق وشؤونه الا وعمل معه علي هذا المستوي أو ذاك. وحتي ساعة اطلاق تصريحه (ذلك ان حياته السياسية لم تنته بعد) شارك الطالباني، بدرجات متفاوتة، في شق صفوف الحركة الكردية واندلاع الصراع في أوساطها، في توريط الأكراد في سلسلة من المغامرات المسلحة الخاسرة ضد الحكومة المركزية (بعضها لم يخل من خدمة مصالح قوي أجنبية)، في اندلاع حرب كردية أهلية مدمرة في التسعينات، ومن ثم في التورط في مشروع غزو العراق واحتلاله، الذي أوصل البلاد الي ما وصلت اليه من جحيم ودمار وموت. والطالباني هو اضافة الي ذلـــك كله الطرف الرئيسي في الفتنة الدموية المتصاعدة في كركوك منذ بداية الاحتلال. مثل هذا السجل لا يؤهل الطالباني لاتهام حتي العنصريين والطائفيــين بالعنصرية والطائفية، ناهيك عن توجيه الاتهام للشيخ حارث.
بيد ان تصريح الطالباني لم يكن مقصوداً لذاته، بل مقدمة لمؤامرة كان حضر لها قبل أيام علي الأقل، بين ما يسمي بالتحالف الكردي ـ الشيعي في المنطقة الخضراء. وقد أصبحت المؤامرة أكثر وضوحاً عندما أعلنت وزارة الداخلية العراقية، ولم يجف حبر تصريح الطالباني، قرار توقيف الأستاذ الشيخ بتهمة دعم الارهاب. لم تشهد الأسابيع الأخيرة متغيرات جوهرية في خطاب الشيخ حارث ومواقفه السياسية حتي توجه له اتهامات ما؛ فالرجل ورفاقه في هيئة علماء المسلمين عارضوا منذ البداية الاحتلال وسياساته، كما عارضوا الكيان الذي ولد من رحمه، بلا مواربة ولا مساومة. والحقيقة انه ان كان ثمة من متغير في لغة الشيخ حارث مؤخراً، فالملاحظ أنه أصبح أقل حدة وأكثر توكيداً علي وحدة البلاد. فلماذا اذن جاء هذا التصعيد المفاجئ في موقف دولة المنطقة الخضراء من رئيس هيئة علماء المسلمين، وأحد أبرز وأهم الرموز الوطنية في العراق اليوم؟
ان كان ثمة من اجابة بسيطة ومباشرة فان الأمر يتعلق بلا شك بتحركات حارث الضاري السياسية الأخيرة في المنطقة وليس في لغته ومواقفه. فبعد زهاء السنوات الأربع علي احتلال العراق ووصوله الي الوضع الذي وصل اليه كان من المفاجئ ان يستقبل الشيخ حارث في المملكة العربية السعودية (ثم في الامارات) علي رأس وفد من هيئة علماء المسلمين، ومن الملك عبدالله علي وجه الخصوص. طوال المرحلة الماضية ارتكبت الرياض، كما القاهرة، خطأ كبيراً في الانسحاب كلياً من الشأن العراقي، وترك مستقبل العراق ليقرر من قبل واشنطن وحلفائها. ولأن الشيخ حارث الضاري وهيئة علماء المسلمين وقفوا دائماً موقف المعارض للاحتلال وسياساته، فربما وجدت الرياض حرجاً في استقبال قيادة الهيئة، بالرغم من اعتراف الجميع بأن الهيئة لا تمثل القوة الرئيسية في أوساط العرب السنة وحسب، بل وتمثل الجهة الوحيدة في الساحة العراقية المتشظية التي تطرح مشروعاً وطنياً وتحافظ علي علاقات وثيقة بعدد لا يستهان به من الشخصيات والعلماء وشيوخ العشائر العراقيين العرب الشيعة. خلال الشهور القليلة الماضية تغيرت الحسابات السياسية الي حد كبير.
ثمة قلق متزايد في الرياض (والقاهرة) من النفوذ الايراني في العراق، النفوذ الحقيقي أو المتخيل. وقد تفاقم هذا القلق بعد أن تورطت كل من القاهرة والرياض في الموقف من حزب الله في مطلع الحرب الاسرائيلية الأخيرة علي لبنان، والتي جاءت نهايتها انتصاراً كبيراً لحزب الله، وتحسب بالتالي انتصاراً لحلفائه في دمشق وطهران. ولكن الموقف السعودي ـ المصري من العراق يتغير بفعل عوامل أخري، تتعلق بالاخفاق الامريكي الفادح. فالعراق الذي وعدت به واشنطن، وقبله حلفاؤها في المنطقة بهذه الدرجة أو تلك من الحماس، كان عراقاً ديمقراطياً، مسالماً، صديقاً للغرب والولايات المتحدة. ما انتهي اليه العراق بعد سنوات طويلة من الاحتلال كان شيئاً آخر تماماً. العراق الحالي هو عراق منقسم علي ذاته، يطحنه صراع أهلي ـ سياسي، رفع من وتيرة الراديكالية الاسلامية في المنطقة، ويكاد يلتهم الجوار كله في مزيج من العنف الاسلامي والانشقاق الطائفي. وكما فقدت السياسة الامريكية ـ البريطانية في العراق دعم الشعبين الامريكي والبريطاني، فقد تركت هذه السياسة حلفاء واشنطن في المنطقة في حل من موقفهم السابق بترك الشأن العراقي كلياً للقرار الامريكي.
هذا هو الجانب الأول من خلفية التغيير الطارئ علي الموقف السعودي ـ المصري من العراق. أما الجانب الآخر فمن المحتمل ان يكون امريكياً بحتاً. اذ ليس من المستبعد ان الادارة الامريكية، وقد أدركت أنها غرقت فعلاً في وحل العراق وأخذت في البحث عن مخرج وعون، قد لجأت بالفعل الي حلفائها في المشرق العربي. دول مثل مصر، السعودية، تركيا، الامارات العربية المتحدة، اليمن، صمتت علي السياسة الامريكية في العراق، ولكنها لم تكن راضية عنها تماماً. وتستطيع هذه الدول، بثقلها المتفاوت وصلاتها بالعراقيين من كافة الاتجاهات، ان تساعد علي ايجاد مخرج ما وان تقلل من حجم العواقب المترتبة علي الاخفاق الفادح في العراق، ســــواء بالنسبة للوضع الامريكي أو بالنسبة للعراقيين أو تداعيات الوضع العراقي علي المنطقة. وليس من المستبعد، بالتالي، ان تكون واشنطن قد طلبت من العواصم الحليفة في المنطقة ان توسع من شبكة علاقاتها لتصل الي قوي وعناصر كانت هذه العواصـــم قد حاذرت الاتصال بها، خوفاً من اثارة غضب الحليف الامريكي.
مهما كان الأمر، فينبغي ان يقرأ لقاء قيادة هيئة العلماء المسلمين بالملك السعودي باعتباره حدثاً كبيراً، بالرغم من ان هذا اللقاء لن يولد سياسات ملموسة علي المدي القصير. وقد قرأت القيادات الكردية العرقية والشيعية الطائفية في المنطقة الخضراء اللقاء كذلك. ولكنها، وكما أغلب الخطوات التي اتخذتها منذ تشكيل مجلس الحكم في صيف 2003، لم تتصرف تجاه المناخ السياسي الجديد بعقل وروية وتأمل، بل برد فعل أهوج وعدمي. بدلاً من ان تعترف قيادات المنطقة الخضراء بشراكتها الكاملة للاحتلال في المسؤولية عن التمزق والدمار والموت الذي صارته البلاد، وان تبدأ بحثاً جدياً عن مخرج وخلاص وطنيين للعراق وشعبه، سارعت الي محاولة اخافة الشيخ حارث وتدمير صورته ونفوذه. علي ان الملاحظ هذه المرة ان القرار الموجه ضد الشيخ حارث يشي بما هو أبعد من السياسة العدمية التقليدية التي اتبعتها مجموعة المنطقة الخضراء منذ احتلال العراق. ثمة خوف واضطراب وارتباك، وشعور متعاظم بالاحباط، يحيط بمناخ المنطقة الخضراء السياسي. بعد كل الدعاية الرخيصة المحملة بالرموز ثقيلة الوطأة، من الارهاب الي الناصبية، يقف سياسيو النظام البائس عاجزين عن فهم ظاهرة المقاومة أو ايقاع الهزيمة بها. وبعد كل محاولات السيطرة علي كركوك، لم تنجح الأحزاب الكردية العرقية الا في توحيد العشائر العربية في المدينة وجوارها. وبعد محاولات مستميتة لتقسيم العراق، المحاولات التي يستخدم فيها التأجيج والعنف الطائفيان بلا خجل ولا مواربة، اذا بالعنف الطائفي يلتهم جميع البلاد ويكاد يخرج حتي عن سيطرة القيادات الظلامية التي أطلقته.
المشكلة التي يشكلها الشيخ حارث الضاري لمجموعة المنطقة الخضراء انه لم يعد يمثل ضمير العراق وميراثه التاريخي وحسب، بل انه الوحيد ربما الذي يمتلك ثقابة الرؤية والقادر علي كشف سوءاتهم. عندما يقول الشيخ حارث ان العنف الذي يشهده العراق ليس حرباً طائفية أهلية، بل حرب قوي سياسية تتغطي بخطاب طائفي زائف، يصبح الضاري خطراً علي مخططات العاملين علي تقسيم العراق. وعندما يقول الضاري ان أس البلاء في العراق هو الاحتلال الأجنبي، يصبح الضاري خطراً علي العاملين علي فصل العراق عن هويته العربية والاسلامية، والساعين الي تحويل العراق الي اقطاعات طائفية وعرقية. أما مشكلة من خططوا لحصار الشيخ حارث وتقويض صورته انهم لم يدركوا الفارق الكبير بين علو كعب الرجل والهوة التي هبطوا اليها. وقد فاجأتهم بالتالي مواقف علماء شيعة بارزين، وبيانات القوي العربية والاسلامية داخل العراق وخارجه، والتحركات الشعبية الواسعة، التي عبرت عن الغضب والاحتجاج علي المؤامرة التي استهدفت الشيخ حارث. كما فاجأتهم مواقف الأنظمة العربية (وربما حتي الحليف الامريكي) التي رأت بؤس قرار وزير للداخلية تحولت وزارته الي عصابات للقتل والموت، وحكومة لا تستطيع حماية مقار وزاراتها حتي تلاحق القادة الوطنيين.
ما نشهده في العراق اليوم هو الاضطراب والفوضي وانهيار اليقينات الذي يصاحب كل فترة انتقالية تصاحب الأحداث والتحولات الكبري في حياة الأمم والشعوب. باخفاق مشروع الاحتلال، وما يعنيه من اعادة بناء العراق علي صورة المحتلين وأهواء حلفائهم، تلجأ الأطراف الخاسرة الي اقصي درجات العنف لمحاولة ايقاف منحني الانحطاط. ونحن الآن في بداية المرحلة الانتقالية لا نهاياتها. الادارة الامريكية لا تريد ولا هي بصدد قبول الخسارة. وسواء بالدراسات التي تقوم بها مجموعة بيكر، بالمراجعات التي تجريها الادارة باجنحتها المختلفة، أو بالاتصالات مع الحلفاء في المنطقة، فليس من المستبعد ان تحاول واشنطن دفعة أخري في العراق. بل ليس من المستبعد ان تلجأ الادارة الامريكية الي دعم قوي طائفية ما علي حساب أخري، الي العمل علي تقسيم العراق، مهما أوقع مشروع التقسيم من خسائر باهظة بالعراقيين ونسيج البلاد الوطني، أو ان تدفع الأوضاع الي حالة من العنف الشامل الذي يستهدف تلقين العرب درساً لن ينسوه أبداً. وما قد يطرح علي مائدة التشاور الامريكية قد يطرح مثيله، أو ما هو أسوأ منه، علي مائدة مخططات حلفاء الاحتلال في المنطقة الخضراء. القرار البائس في حق الشيخ حارث ليس الا مقدمة لهول قد يتزايد بشاعة. فعلي نحو أو آخر، تدفع المنطقة وشعوبها ثمن سياسة امبراطورية خرقاء لقوي الخارج وأهواء سياسيين صغار وبؤساء من أبنائها.
د. بشير موسي نافع
القدس العربي
مؤشرات الخوف والانهيار بالمنطقة الخضراء: قضية الشيخ حارث الضاري
