هيئة علماء المسلمين في العراق

مستقبل العراق بين كيسنجر والجنرال أبي زيد
مستقبل العراق بين كيسنجر والجنرال أبي زيد مستقبل العراق بين كيسنجر والجنرال أبي زيد

مستقبل العراق بين كيسنجر والجنرال أبي زيد

هل هناك من رابط فعلي بين سياسي مخضرم مثل هنري كيسنجر، وعسكري ذائع الصيت مثل الجنرال جون ابي زيد، قائد القيادة الوسطى للقوات الامريكية؟ لا توجد أي صلة بين الرجلين لا في المرتبة ولا في العبقرية. الأول رجل سياسي استراتيجي محنك، وعلى قدر كبير من بعد النظر. والثاني عديم الموهبة العسكرية، وبطيء الفهم لوقائع الميدان، ولايبدو عليه انه استفاد من دراسة العسكرية الأمريكية، التي تمتاز بالبراجماتية العالية. يبدو أمر هذا الجنرال غريبا ومحيرا، كان عليه أن يفهم بعد شهر من احتلال العراق، ان مهمة قواته في هذا البلد مستحيلة، وهو ما فعله الجنرال تومي فرانكس، الذي تعهد عملية اسقاط النظام العراقي، وبعد أن أتمها على أكمل وجه سحب نفسه من المعمعة، وعاد الى بيته في تكساس ليصطاد السمك، وترك للجنرال ابي زيد الرحلات المكوكية، ما بين باكستان وصنعاء والقاهرة وبغداد وقطر، موزعا وقته بين عسكريين وسياسيين، من دون أن يلحظ بأن النار التهمت العراق، وباتت قريبة من بقية بلدان المنطقة.

رغم ان الرجلين لايلتقيان، فقد جعلتهما “الأعجوبة” العراقية يتقاطعان كخطين متوازيين. لقد اتفق السياسي المحنك، والجنرال الذي لم يتعلم من الخسائر والفشل، على نقطة واحدة، وهي ان الوضع في العراق بات ينذر بكارثة مدوية.

اعتبر كيسنجر ان النصر في العراق لم يعد ممكنا. وحذّر من ان “حدوث انهيار مدو، ستكون له انعكاسات كارثية. سيكون علينا دفع ثمنه لعدة سنوات، ويمكن أن تعيدنا بشكل أو بآخر الى المنطقة”. وأشار الى حرب أهلية طاحنة اكثر عنفا، يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة، ويمتد نطاقها الى ابعاد تفوق الاسباب التي دعت التحالف الغربي للتدخل العسكري في يوغسلافيا السابقة.

أما الجنرال ابي زيد فذهب أبعد حين اكد ان “العالم سيواجه حربا عالمية ثالثة، إذا لم يجد وسيلة لوقف تزايد التشدد الاسلامي”. وقال في محاضرة القاها في جامعة هارفرد بعنوان “الحرب الطويلة”، إن “العالم يواجه ثلاث عقبات رئيسية في إشاعة الاستقرار في الشرق الاوسط، وهي تخفيف التوترات بين العرب و”اسرائيل”، ووقف انتشار التطرف، والتعامل مع ايران.. وتصادف ان تجمعت المشكلات الثلاث في مكان واحد اسمه العراق”.

هناك نقطة جوهرية نسيها الجنرال، الذي اختارته الادارة لهذه المهمة فقط لأنه من أصل عربي، ويفهم نفسية العرب. وهي إن الأمريكيين لايفعلون شيئا من أجل قيادة العراق نحو الاستقرار، وان هذا البلد تعرض لعملية سطو واحتيال لامثيل لها في التاريخ، بدأت بتواطؤ قيادات عراقية مثل احمد الجلبي الذي اختفى عن الأنظار، مع عصابة المحافظين الجدد، ولن تنتهي قبل أن تترك العراق حجرا فوق حجر.

لم يعد مستقبل الوضع في العراق اليوم محصورا بيد الولايات المتحدة وحدها، فالمخاوف صارت غربية على نحو عام. وأكثر الاطراف انشغالا هي الدول الاساسية في الاتحاد الاوروبي. وتبدو النظرة من اوروبا متشائمة إزاء التدهور المريع للموقف في العراق، وهناك اجماع على ان سوء الحسابات الأمريكية، قد أدى الى ورطة كبيرة، تتطلب تضحيات أكبر للخلاص منها.

لا أحد يريد ان تخسر الولايات المتحدة، ولا أحد يريد أن يشاركها في دفع ثمن فاتورة الخسارة، في الوقت الذي بات فيه الاوروبيون على قناعة، بأن ادارة بوش لاتبدي القدر الكافي من المسؤولية لتحمل عواقب مغامرتها. انها تريد ان ترمي كرة النار وسط الجميع. وهدفها المنظور هو توريط الآخرين معها ليخف عنها الحمل، وهي ليست في وارد الاتعاظ من الدروس، رغم مأساوية الوضع.

إن الاكثر غرابة في الموقف، هو ان الادارة الأمريكية لاتبدو انها تبحث عن حل للمشكلة، وإلا لكانت بدأت بخطوات أولى، مثل وضع جدول زمني لانسحاب قواتها. وتؤكد المعطيات كل يوم انها ليست في وارد الانسحاب. وحتى لو استقر الوضع الأمني، واستطاعت الأجهزة العراقية ادارة الموقف وضبط الأمن، فإنه سيصار الى تجميع للقوات الأمريكية في نقاط محددة، بعيدا عن المناطق السكانية، في اطار اتفاقية لإقامة قواعد عسكرية امريكية عدة في العراق، في الجنوب والوسط والغرب والشمال. وبالتالي فإن سحب القوات غير مطروح في جميع الأحوال، وخلافا لما يروج، وتتم المطالبة به من قبل جهات محلية وعربية، فإن الولايات المتحدة تعيد التأكيد كل يوم على انها لن تخرج من العراق تاركة الفشل خلفها. وحسب كيسنجر فإن الفشل الامريكي في العراق سيعني: “طغيان المقاربة الأكثر راديكالية للمسألة الفلسطينية.. وسيمنح زخما هائلا للراديكالية في كل البلدان الاسلامية”. ويوافق كيسنجر الرأي كل قادة العالم الغربي، حتى أولئك الذين يتمنون هزيمة الولايات المتحدة. من هنا ماتزال نبرة بوش عالية حين يتحدث عن مواصلة الحرب ضد الارهاب على الجبهة العراقية. ورغم أن خطابه هذا صار يقابل بالازدراء من طرف قطاعات امريكية وغير أمريكية، فإنه لم يستنفد بعد طالما أن التهديد الارهابي قائم، وهذا أمر تجدد على نحو لا يقبل الشك في اكثر من عاصمة غربية، وخصوصا في لندن في تموز/يوليو 2005. حتى كيسنجر نفسه لم يستبعد احتمال سيناريو الكارثة، حين تساءل: ماذا لو كانت هذه التفجيرات نووية؟ وأكثر من هذا وذاك فإن الجنرال ابي زيد يتحدث عن حرب عالمية ثالثة!

ترى حصيلة الدراسات والتحليلات في الغرب، أن الفشل لا يعود فقط الى سوء تقدير الخبراء والاستراتيجيين العسكريين فحسب، بل نتيجة اخطاء سياسية كذلك. فعملية ادارة العراق، وخصوصا في جانبها السياسي، كانت فاشلة منذ البداية. ويقول كيسنجر الذي أيد الحرب على العراق “لم أكن من الرأي القائل ان مرحلة مابعد النصر، يمكن أن تدار بطريقة مشابهة لاحتلال المانيا.. لقد فضلت مقاربة تقضي بدفع الطرف الآخر الى الاستسلام، ثم انشاء حكومة، وبعد ذلك إرساء نوع من الهيكلية التابعة للامم المتحدة.

إن اكثر ما يثير حفيظة الغربيين اليوم، هو تسعير الجو الطائفي في العراق، وذلك لسببين: الأول، هو الخوف من ان تتحول الورقة الطائفية الى سلاح فعال في يد ايران، من أجل احداث اختراق كبير واستراتيجي في هذا البلد، لذلك لا بد من العمل وفق خطة لخلق توازن على هذا المستوى. والسبب الثاني، هو أن الاختلال الطائفي لايقف عند حدود العراق، بل هو مرشح للامتداد الى جميع انحاء الشرق الأوسط، وقد يهدد بنى التعايش القائمة ويؤدي الى بلقنة المنطقة، التي تشكل نقطة الثقل في توازن المصالح الدولية.

لقد جرى تداول احتمال انزلاق العراق نحو حرب طائفية على نطاق واسع في الغرب، خلال الاشهر الأخيرة، على اثر العمليات الانتقامية المتبادلة التي استهدفت حتى الاضرحة والمساجد في الاتجاهين. وقد رأت “المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات”، وهي هيئة ابحاث ودراسات يديرها “روبير ماليه” المستشار السابق للرئيس الامريكي السابق “بيل كلينتون”، ان “هناك مؤشرات أحدث وأكثر دموية على أن العراق على أعتاب كارثة شاملة”. ونصحت “المجموعة” الولايات المتحدة ب “الضغط على حلفائها العراقيين لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وبالخصوص السعي لمنع اعطاء وزارتي الدفاع والداخلية للأحزاب والشخصيات ذات التوجه الطائفي”. ودعت الى “اشراك جيران العراق بضمنهم ايران، في المساعدة على حل الأزمة. مع دعم انعقاد مؤتمر المصالحة الذي تمت الموافقة عليه في القاهرة قبل سنة، وتشجيع الممثلين للأحزاب العراقية والكيانات الاجتماعية، إضافة للحكومات الاقليمية لحضوره”. إن الرسالة الأساسية من وراء هذا التقرير، هي ضرورة اشراك الاطراف المحلية والاقليمية كافة في الحل العراقي، وإلا فإن الكارثة سوف تصيب الجميع. وهذا ماتوصل اليه تقرير لجنة بيكر هاملتون.

ليس من الواضح كيف ستستفيد الادارة من توصيات تقرير بيكر هاملتون، في الوقت الذي يقرع فيه نائب الرئيس ديك تشيني طبول الحرب ضد ايران، ما يعني ان العالم مقبل على دمار يفوق ما خلفته الكارثة العراقية.


الخليج الامارتية
باريس بشير البكر

أضف تعليق