هيئة علماء المسلمين في العراق

حارث الضاري وتربيع الدائرة العراقية .. بقلم: فيصل جلول
حارث الضاري وتربيع الدائرة العراقية .. بقلم: فيصل جلول حارث الضاري وتربيع الدائرة العراقية .. بقلم: فيصل جلول

حارث الضاري وتربيع الدائرة العراقية .. بقلم: فيصل جلول

الحملة على رئيس هيئة العلماء المسلمين لم تحقق أغراضها بل كشفت النقاب عن زعامة الضاري الوطنية في العراق وزادته قوة وعزما وألبت المزيد من العراقيين على الاحتلال وأعوانه. ميدل ايست اونلاين هل أخطأت الحكومة العراقية في حديثها عن توقيف الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة العلماء المسلمين في العراق؟ الجواب عن السؤال بنعم لم يعد يتحمل الشك لدى مختلف الجهات المعنية بأوضاع العراق سواء تلك المؤيدة للاحتلال الأميركي والمتحالفة معه أو تلك التي تنتمي إلى المقاومة العراقية بأطيافها المختلفة مع فارق في أن الطرف الأول لا يجاهر بالخطأ فيما الطرف الثاني يعتبر توقيف الضاري دليلا على ضعف المحتل وانفلات أعوانه من كل قيد أخلاقي أو سياسي أو وطني.

ولعل إحساس جوقة الاحتلال بالخطأ هو الذي حملها على الاستدراك ومن ثم الحديث عن تحقيق قضائي مع الشيخ العراقي الجليل زاعمة بجرأة تحسد عليها أن "القضاء سيد ومستقل" وأن "الحكومة لا تتدخل في قراراته" ما يعني أن على الرجل أن يسوّي قضيته مع المحاكم العراقية وليس مع الحكومة هذا إن كان أصلا يقيم اعتبارا لهذا الكلام من أوله إلى آخره.

لكن ما الذي تأخذه حكومة المالكي أو قضاؤها على الشيخ حارث الضاري؟ الواضح حتى الآن هو تصريحاته الأخيرة حول العراق وهي للمناسبة ليست جديدة بل تنسجم مع الخط السياسي الذي دأب عليه منذ سقوط بغداد إذ ماانفك يقول: الاحتلال غير شرعي وكل ما ينتج عنه غير شرعي بما في ذلك الحكم وأجهزته ودستوره وقراراته وقضائه وقوانينه.

بالمقابل يرى أن المقاومة شرعية ويميز بينها وبين "الاعتداء على العراقيين" إلا من تعاون منهم مع المحتل.

ويعتقد أن المخابرات الأجنبية والإسرائيلية تقوم بعمليات مشبوهة لزرع الفتنة في العراق ولا يتبنى طروحات تنظيم القاعدة لكنه لا يجد نفسه ملزما بشن حملة عليه فهو لم يأت بهذا التنظيم إلى العراق فقد جاء إلى بلاد الرافدين بعد أن جاء المحتل وكرد فعل له.

أما أن يشرح الضاري أهداف و ظروف العمليات التي تشنها القاعدة بطريقة مختلفة عن طريقة أهل الحكم والمحتلين فمن حقه أن يفعل ذلك لأنه ليس موظفا عند المالكي ولا يحتاج إلى عطفه ولا إلى عطف المحتل.

ولئن درج رئيس هيئة العلماء المسلمين على قول ما يقول دون خوف او تردد أو إبطاء فلأنه يعتبر بداهة أن العراق بلده وأن من أبسط واجباته أن يدافع عنه بالقول الذي يراه مناسبا وضروريا وإن بحده الأدنى ذلك أن الرجل لم يتجاوز في تصريحاته السقف المتاح للكلام ضمن الشروط المنبثقة عن أوضاع العراق بعد سقوط بغداد.

أضف إلى ذلك أنه اختار الإقامة في الأردن وليس في سوريا مع معرفته التامة بموقف عمان ودورها في بلاده عشية وبعد سقوط النظام السابق .عموما من الصعب تفسير الحملة على الضاري دون النظر في مستجدات أسياسية طرأت مؤخرا على الأوضاع العراقية.

أغلب الظن أن المحتل ضاق ذرعا بالشيخ الضاري لسببين أساسيين الأول داخلي والثاني خارجي. في الداخل حمل الضاري على هيئة عشائر الأنبار التي تعمل مع المحتل ضد المقاومة العراقية بحجة التصدي للقاعدة ووصف أفرادها بـ "اللصوص وقطاع الطرق" ونزع عنهم صفة زعماء العشائر مجردا بذلك الهيئة المذكورة من الشرعية العشائرية و ليحولها إلى تجمع كمي ضئيل لا قيمة له في الخريطة السياسية العراقية علما بأن الضاري مرجع مهم في هذا المجال ويحسب لقوله حساب جدي في الأنبار وبخاصة لدى عشائرها ناهيك عن كونه مرجعا دينيا سنيا بل المرجع الأهم وبالتالي من الصعب أن تمر أقواله مرور الكرام سواء في الأنبار أو في غيرها.

ولو كانت أقوال الضاري ثانوية وغير مؤثرة على الترتيبات التي يعدها زلماي خليل زاد في وسط العراق لتوفير طرف سني تمثيلي مؤيد للأميركيين لما غضب المحتل وأعوانه منها ولما سلطوا عليه سيف القضاء الذي يحكم بقانون المحتل وليس بالقانون العراقي المستقل ولو كان القضاء العراقي متعطشا للعدالة لحكم على عشرات الجنود والضباط الأميركيين الذي انتهكوا أعراض وأموال آلاف العائلات العراقية دون رقيب أو حسيب.

وفي الخارج أكد الشيخ حارث الضاري أنه يؤيد بقوة حزب الله في مقاومته للمحتل وعبر عن اعتزازه بصد العدوان الإسرائيلي على لبنان خلال الصيف الماضي وطالب بفك الحصار عن الشعب الفلسطيني وأيد حركة حماس في مجابهتها للاحتلال الصهيوني وفي الحالتين كان كلامه من النوع الذي يؤرق المحتل الأميركي لأنه يقطع الطريق على أهل الفتنة بين الشيعة والسنة في العراق وفي الشرق الأوسط عموما هذه الفتنة التي تداعب مخيلة القادة الاسرائيليين الذين تحدثوا بوقاحة عن وجوب التحالف الصهيوني مع السنة الخائفين من إيران.

لقد تزامن امتعاض جلال الطالباني ونوري المالكي من تصريحات الشيخ الضاري مع الكارثة الانتخابية التي حلت بالمحافظين الجدد والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة وأيضا مع الأنباء المتواترة عن مقترحات ستقدمها لجنة بيكر ـ هاملتون للانسحاب من العراق والانسحاب يستوجب "تأجيل الديموقراطية" مع توفير حد أدنى من الأمن والاستقرار بحسب وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر وذلك من الصعب أن يمر دون تشديد القبضة الأمنية في بلاد الرافدين وبالتالي طي صفحة المقاومة السياسية التي اعتمدتها هيئة علماء المسلمين بعد مضي ساعات على سقوط النظام السابق وحتى اللحظة .

الحاصل أن الحملة على رئيس هيئة العلماء المسلمين في العراق لم تحقق أغراضها بل كشفت النقاب عن زعامة الضاري الوطنية في العراق وزادته قوة وعزما وألبت المزيد من العراقيين على الاحتلال وأعوانه.

أما الفوضى الأمنية فلن تبارح هذا البلد ما دام المحتل مصرا على تربيع الدائرة العراقية.
فيصل جلول

أضف تعليق