تحتفي أوساط ثقافية وسياسية عربية متعددة وعريضة بهزيمة المشروع الأمريكي في العراق وعجزه الحالي أمام إيران، كما يعدّ مثقفون وكتّاب عرب مقالة (ريتشارد هاس)، رئيس قسم التخطيط السابق في وزارة الخارجية الأمريكية - بعنوان \"الشرق الأوسط الجديد\" (مجلة الشؤون الخارجية)، التي يرى فيها أن الحالة العراقية مؤذنة بنهاية التفرّد الأمريكي في الشرق الأوسط- بمثابة إعلان رسمي بهزيمة أمريكا في المنطقة.
قد نتفق أو نختلف على أبعاد الهزيمة الأمريكية في العراق ومستوى تداعياتها؛ بخاصة بعد هزيمة الجمهوريين في الانتخابات النصفية لمجلسي الشيوخ والنواب ، لكن السؤال الذي يجب أن نفكر فيه بتمعن شديد ووقفة صادقة مع النفس: هل هزيمة أمريكا تعني انتصارنا؟ وإذا كان البعض يرون ذلك؛ فما هي مؤشرات وعلامات هذا الانتصار في الواقع العربي ذاته؟ هل الوضع العراقي سيكون أفضل حالاً في حال الخروج الأمريكي؟ المعطيات تدل على خلاف ذلك، والحال نفسه في لبنان وفلسطين، مما يفرض سؤالاً جوهرياً قديماً- جديداً: أين الخلل؟ هل هو في السلطة العربية المستبدة أم في الواقع الاجتماعي- الثقافي أم الواقع الاقتصادي؟ هل هو في الداخل العربي أم الخارج؟
الإجابة عن الأسئلة السابقة كانت هاجس مؤتمر إقليمي عُقد في بيروت 16-17 تشرين الثاني الحالي، بعنوان "الديموقراطية والإصلاح: النهج الثالث"، قام بتنظيمه كل من مؤسسة (فريد ريش ناومان) والمركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة. شارك فيه مثقفون وسياسيون عرب من عدة دول، وقُدِّمت أوراق عمل تناقش الأوضاع السياسية في المنطقة، وبخاصة في كل من العراق وفلسطين ولبنان والأردن ومصر وسورية. النتيجة الرئيسة التي يمكن الخروج بها من أوراق المؤتمر ومناقشاته أنّ هنالك حالة مرعبة من الانقسام السياسي الداخلي في العديد من الدول العربية؛ إذ تتجلى نزعات الصراع الداخلي اليوم في العراق ولبنان وفلسطين، بينما هي مكبوتة وكامنة في الأردن ومصر ودول أخرى.
يمكن القول، على الرغم من الاختلاف بين حالات فلسطين ولبنان والعراق، أنها تتشابه في سمات معينة، تقدم مؤشرات على حالة السياسة والمجتمع في العالم العربي اليوم. ففي هذه الدول الثلاث عاد الناس إلى مرحلة ما "قبل الدولانية"؛ إذ تسيطر الانتماءات القبلية والعشائرية والطائفية وتغيب الاعتبارات المدنية والوطنية، بينما أصبح هاجس الأمن والوحدة هو الاعتبار الأول لهذه المجتمعات، بعد أن كان الإعلام الغربي يبشر بالربيع الديموقراطي والإصلاح السياسي قبل شهور.
يستعمل المفكر العراقي عبد الحسين شعبان مصطلح "حرب الكل ضد الكل"، في وصفه للحرب الأهلية العراقية، إذا ما تدهورت الأمور أكثر، وهو مصطلح دقيق، مستوحى من (توماس هوبز)، في وصفه لحالة المجتمعات قبل "العقد الاجتماعي" المؤسس لعملية بناء الدولة.
اللافت للتفكير بحق أنّ الدول الثلاث عندما كانت تعاني من الدكتاتورية أو النفوذ الخارجي المهيمن (في العراق: حقبة صدام، لبنان: النفوذ السوري، فلسطين: الاحتلال الإسرائيلي) كانت المجتمعات تنعم بحالة من الاستقلال والسلم الاجتماعي- الأهلي، وبمجرد ما انتهت حالة القهر انزلقت هذه المجتمعات إلى حالة من الفوضى والانقسام والاستقطاب والصراع، وأصبح الحديث عن حوارات وطنية بلا أي مضامين حقيقية، بل وتأكيد على غياب المؤسسات السياسية والدستورية. هذه الملاحظة يسجلها بذكاء شديد السياسي اللبناني العريق سليم الحص؛ إذ يقول: "يوجد في لبنان كثير من الحرية وقليل من الديموقراطية!"؛ فلا يوجد في دولة ديموقراطية "أزمات وطنية" ولا "جولات حوار وطني"، فحل هذه الأزمات والحوارات مكانها المؤسسات السياسية والدستورية، وليس الجماعات والطوائف والأفراد.
إذن، نحن أمام ثلاث تجارب جديرة بالدراسة والتفكيك والتحليل. والمفارقة الشديدة أن جميع الأوراق التي قُدمت لم تتجاوز قراءة سطح الظواهر السياسية القائمة دون الولوج إلى تحليلها واستنطاق العوامل الفاعلة المؤثرة، ولم تقدم لنا أية ورقة على الإطلاق جواباً مقنعاً على المعضلات القائمة، باستثناء عبارات ممجوجة، بلا أي معانٍ واقعية، كحديث الفلسطينيين عن حكومة وحدة وطنية "تتوافق على الحد الأدنى" فيما يختلف الفرقاء في تعريف الحد الأدنى، وفي حديث اللبنانيين عن "الحوار الوطني" وتجاوز "الطائفية السياسية"، في حين يتحدث الجميع بلسان طائفي، ودعوى العراقيين لعدم استباحة الدماء، وبغداد تغرق في جثث "القتل على الهوية".
فلا أحد يقدم اليوم حلاًّ عملياً وأفقاً للخروج من هذا المستنقع المرعب، بل الشعوب العربية الأخرى "المقموعة" أصبحت تنظر بعين الخوف من التجارب الثلاث، وتفضل الحاكم الفاسد والظالم والطاغي، مع اختلاف الأحوال نسبياً، على التحرر الذي يؤدي إلى التقتيل والخطف وغياب الأمن والأمان. فهل هي عودة إلى "تراث الفتنة" وتأكيداً لمقولاته التي هيمنت على الثقافة السياسية العربية قروناً طويلة، كمقولات: "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، "من اشتدت وطأته وجبت طاعته"، أم نحن بحاجة إلى "مستبد عادل" يسوقنا إلى النهضة سوقاً، كما خلص إلى ذلك الإمام محمد عبده.
التجربة العربية منذ احتلال العراق، وما تلاها من تداعيات تستأهل دراسة معمقة، فعلى الرغم من قصر هذه الفترة الزمنية إلاّ أنّها ذات دلالات كبيرة، فإذا كان سقوط الاستبداد أو الهيمنة مكلف كثيراً؛ هل يمكن أن تفكر المعارضات العربية الأخرى بمشروع "الصفقة التاريخية" مع النظم الحالية، على غرار (الماغناكارتا)، الالتقاء بمنتصف الطريق، والوصول من خلال عملية متدرجة ومتطورة إلى القيم المدنية الديموقراطية الجديدة؟ وهل النظم العربية تقبل بهذه الصفقة؟ سؤال لا أعتقد أن هنالك محاولات جادة للإجابة عنه، إلى الآن، نظرياً وعملياً.
على العموم؛ النتيجة الحقيقية التي يمكن الخلوص إليها من الأوضاع الراهنة ومن مؤتمر بيروت أن هنالك مأزقاً متجذّراً حقيقياً في العالم العربي اليوم يتجاوز سؤال السلطة إلى أزمة المعارضة وغياب القوة الاجتماعية- الديموقراطية، التي تشكل بديلاً أو "جماعة وطنية" يمكن أن تملأ الفراغ المتوقع، بل يمتد المأزق إلى أصول الاجتماع السياسي العربي الراهن، وفي مركز ذلك "المسألة الثقافية".
نعم، نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي عربي جديد، كما يرى برهان غليون، وإلى بناء ديموقراطية وحكم جيد..الخ، وبالتأكيد الديموقراطية هي عملية تاريخية متواصلة، وليست انتخابات ومظاهر جوفاء، لكن أين الطريق إلى الديمقراطية أو الحكم الجيد، في ضوء الانتكاسات المشهودة؟ كيف نغير الواقع، ونخرج من المأزق المتجذّر؟ ذلكم هو السؤال المطروح فهل يسعفنا أهل الفكر والخبرة!
عمان / محمد أبو رمان
وكالات
هل انهزام الجمهوريين يعني انتصارنا؟
