هيئة علماء المسلمين في العراق

مهمة التحرير والبديل الوطني العراقي
مهمة التحرير والبديل الوطني العراقي مهمة التحرير والبديل الوطني العراقي

مهمة التحرير والبديل الوطني العراقي

الان وقد اصبح واضحا ابعاد الاجندات الطائفية والعرقية، هل ثمة من يسأل عن جدوى ما يسمى بالعملية السياسية في العراق؟ هل وصل الوضع العراقي الى نقطة اللاعودة، وهل نجح الاحتلال والمتعاونون معه في ضرب اسس الوحدة الوطنية ونسيجها الاجتماعي، ليسهل عليهم التفكيك والتقسيم والتفتيت، ولضرب وانهاء شروط ومقومات قيام حركة وطنية شاملة وموحدة ضد الاحتلال ونتائجه، عبر تقزيم الانتماء والهوية، وجعل المكون الطائفي والعرقي والمناطقي يتقدم ويلغي لغة الوطن والانتماء الوطني.
ان المشهد العراقي وبكل تجلياته السياسية والاجتماعية والعسكرية، يعطي الانطباع، بالانحدار السريع نحو الهاوية، وربما تغشى العين لصورٍ اخرى، تشير الى حالة عراقية متنامية ناهضة، تحاول ان تنفض عنها ركام الدمار والخراب، وتجاوز المحنة، وتناهض وتتصدى للاحتلال وافرازاته وسياسات اتباعه، وتقاوم مشاريعه التي تخدم اجندته واجندة اتباعه من العراقيين وغيرهم.
لقد ادى غزو العراق واحتلاله الى بلورة اصطفافاتٍ سياسية وشعبية، بمواجهة الاحزاب والتجمعات التي خرجت عن دائرة العمل الوطني، ورهنت نفسها للمحتل الاجنبي وانخرطت في مشروعه وعملت على تكريسه بشتى السبل، واستخدمت السلطات الممنوحة لها من قبل المحتل للتصدي والتنكيل بكل صوتٍ وطني وبكل تحرك شعبي مضاد للاحتلال وتوجهاته، وهم بذلك حاولوا احتواء الجماهير والفئات الشعبية الواسعة، باشاعة التضليل الفكري والسياسي، وباستخدام المظلة الطائفية ومراجعها، وبعزف بعضهم على الوتر العرقي الممجوج، وذلك كله من اجل منع تشكل اطر حركة وطنية ناشئة ونامية، وان لم تكن واضحة المعالم في صيغها التنظيمية والشعبية، ومن اجل تفسيخ وضرب مقوماتها وحصرها تحت رايات احزاب الاحتلال ومظلات الطائفية السياسية والعرقية، واعاقة قيام حركة وطنية شاملة، تكون نواة حقيقة لانبثاق حركة التحرير الوطني العراقية.
لذلك كانت سياسة المحتل وحكومته واحزابه، تعتمد بشكلٍ جوهري على ضرب اهم مقومات وعناصر قيام اطر وطنية منظمة ومتراصة، عبر تخريب وتدمير القيم والمفاهيم الاجتماعية والوطنية، والدفع باتجاه اضعاف اي اصطفاف سياسي وشعبي ذي صبغة وطنية شاملة، من خلال عملية ارهابية واسعة ومتواصلة، من قتل يومي على الهوية، وتهجيرٍ اجباري على اساس طائفي لخلق "المناطق النظيفة"، وجعل مناطق بكاملها تعيش حالة الحرب والدمار اليومي، وسياسيا عبر احتواء بعض الاصوات والتجمعات والتيارات التي تميزت بدايةً لغة خطابها السياسي بالوطنية، لتنخرط فيما بعد بلعبة المحتل وبمظلته السياسية القائمة اساسا على التحاصص الطائفي والمناطقي.
من السذاجة بمكان الاعتقاد بان الادارة الامريكية، مجبرة على تقسيم العراق تجنبا للحرب الاهلية، كما يروج بعض الساسة العراقيين، والذين يبررون انخراطهم في العملية السياسية، من اجل منع هذا التقسيم وحفظ حقوق طائفة بعينها. ان تفكيك العراق وتفتيته يدخل في صميم الاهداف الصهيوامريكية، وهو مطلب صهيوني قبل ان يكون امريكيا، ومعلومة دواعيه ومبرراته الاستراتيجية.
ان تصوير الحالة العراقية كونها حالة مستعصية، لا ينفع معها الا عملية بتر جراحية، هو ما تحاول ماكنة الدعاية والاعلام الامريكية، وبعض الاحزاب العراقية المتعاونة مع الاحتلال تضليل الراي العام، وحتى بعض الجهات الدولية، بان التقسيم امر واقع لا محال، لذلك لا نستغرب التصريحات الاخيرة لمسعود البرزاني بالدعوة للتقسيم والتهديد بالانفصال، وكذلك اصرار عبد العزيز الحكيم على اقرار الفدرالية كنظام اداري (لعراق المستقبل)، كونهم ينطلقون من اجندتهم الطائفية والعرقية المتوافقة والمتناغمة مع الاحتلال واهدافه.
انهم يشددون على ان الاحتراب الطائفي والانقسام السياسي قد وصل الى مرحلة يصعب تجاوزها، الا من خلال المحاصصة الجغرافية وتقسيم الارض وانشاء كياناتهم واماراتهم، ليقيموا عليها حكم القبيلة والعائلة والطائفة، المستعدة لاقامة واستقبال قواعد العم سام الثابتة والدائمة.
ان المحتل واعوانه من العراقيين، ورغم انخراطهم الكامل في خلق الفتنة الطائفية، عبر عمليات القتل اليومي والتهجير القسري لالاف العراقيين، ومحاولة صناعة واشعال فتيل الحرب الاهلية، هم يدركون ويخفون حقيقة اكيدة، ان في العراق الجريح يتكرس الانتماء، وينتعش النهج الوطني المقاوم والمناهض، والذي يستند الى وعي شعبي متصاعد، بان سبب البلاء والكوارث، هو المحتل ومريدوه من حملة رايات الطائفية والعرقية والمناطقية ومن مسوخ الليبرالية الجديدة والمغمورين ومافيات السياسة الماجورين.
لقد اصبح حتى الذين ارتضوا الدخول "بالعملية السياسية " وادعوا انها ساحة نضال سلمي وسياسي ضد الاحتلال، في وضعٍ لا يحسدون عليه، بعد ان تحولوا الى ادوات مساهمة في تمرير نظام المحاصصة الطائفية والاثنية، وامتثلوا لاجندة المشروع السياسي الامريكي، واصبحوا، وعن وعي عناصر اندماج في لعبة الاحتلال المتناقضة مع "ثوابتهم الوطنية"، في الوقت الذي اصبحت مواقف البعض منهم لا تدخل في اطار الانتهازية السياسية، بل تعدتها الى الارتداد والخيانة الوطنية. ان هذه القوى والعناصر تقف الى جانب المحتل في تعويق اتساع النضال المقاوم والمناهض للاحتلال، اضافة الى دور بعضها التخريبي ضد فصائل المقاومة الوطنية .
في العراق النازف، حيث تتسع المقاومة المسلحة وتتصاعد، وتمتد مناهضة الاحتلال واجندة احزابه، لتشمل قطاعات شعبية واسعة، يزداد الطائفيون والانفصاليون شراسة، ويتسع نشاط فرق الموت قتلا وتهجيرا بالتنسيق مع اجهزة الاحتلال وحكومته، لتشمل كافة مناطق بغداد والمدن والبلدات المحيطة بها، بهدف اشغال المقاومة عن مهمتها الرئيسية، وبهدف فك الطوق عن بغداد، تمهيدا لمعركة الفصل فيها، وما احداث الاسبوع الاخير في بغداد وطبيعة الهجمات الواسعة على بعض المناطق، ومعارك الشوارع التي جرت فيها، وتحت رقابة قوات الاحتلال، الا بدايات لايامٍ دموية قادمة، يريدها المحتل واعوانه عنوانا لتغيرات سياسية وقانونية، ومدخلا لمخرج مقبول لمأزق المحتل المتأزم في العراق.
امام حجم التضحيات الجسام والخراب والدمار، وامام خطورة وهول ما هو قادم، تبرز الحاجة التاريخية لاستعادة الوحدة الوطنية، عبر اصطفاف القيادات الوطنية، للاحزاب والتيارات والهيئات الدينية والمراجع ومجالس العشائر العراقية والشخصيات الوطنية، ومن مختلف مكونات الشعب العراقي، الرافضة للاحتلال وافرازاته، والمتصدية لاجندة احزابه وجماعاته، حول ميثاق عمل يبرز ويكرس علائم البديل الوطني ومشروعه، ويمهد الطريق لنمو المكونات التنظيمية لهذا المشروع، ويصبح اطارا سياسيا لخيار وطني بديل، يعزز حالة الرفض الوطني المتنامية والمستندة الى الوعي الشعبي المتصاعد ضد الاحتلال وحكوماته.
ان عناصر الجهد الوطني المقاوم والمناهض للاحتلال لازالت قاصرة عن اجبار المحتل الامريكي في الدخول بمفاوضات جدية لترتيب انسحابه، وفرض الحقوق القانونية والاعتبارية للشعب العراقي، رغم الخسائر الامريكية ورغم المأزق السياسي لادارته، والعسكري لقواته في العراق، ورغم اننا نقرا ونسمع عن مفاوضات بين بعض الفصائل المسلحة او السياسية مع الاحتلال، فلا نعتقد حتى لو صحت، انها ترتقي الى مستوى المفاوضات الجدية حول مستقبل العراق ومصير الاحتلال واعوانه، على الاقل من جانب المحتل، الذي يسعى ان لاتخرج اطر النقاشات ونتائجها عن حدود الاتفاقات المحلية والمناطقية، وعن مظلة مشروعه السياسي التحاصصي، في نفس الوقت الذي تدرك فيه اغلب القوى المقاومة والممانعة والمناهضة للاحتلال، بان افتتاح مفاوضات حقيقية مع المحتل لازالت تفتقد مقوم وعنصر نجاحها الاساسي، في وحدة قوى المشروع الوطني.
لذلك فان وحدة الصف المقاوم بمختلف فصائله الوطنية، ولقاء قياداته على مشترك الاهداف الوطنية مع القوى والاحزاب والهيئات والتيارات والمراجع المناهضة للاحتلال سيعزز ويقوي ويدعم موضوع طاولة التفاوض، ويجبر المحتل على مناقشة انسحابه والتسليم بمطالب وحقوق الشعب العراقي.
مطلوب ان نلتقي ونتفاوض مع بعضنا، لنواجه الغازي بمشروع وببديل وطني يمثل مطامح شعبنا بكل اطيافه، مطلوب البدء بتجاوز القصور والخلل الذاتي الذي سيعزز وينعش التلاحم الوطني، ويعطي الامل لشعبنا بتجاوز محنته المركبة، المتمثلة بالاحتلال وافرازاته، وبخلقه لاشكاليات الانتماء للاعراق والطوائف، وتعمق الظواهر الناتجة عنها من تمزق واحتراب.
اننا بحاجة الى تقصير المسافات بين فصائلنا وقوانا الوطنية، واحداث النقلة المطلوبة في خطابنا وتوجهاتنا ونظرتنا لطبيعة المرحلة العصيبة التي يمر بها وطننا، وان لا يضلل البعض مناهضته للاحتلال بمظلة طائفية ومناطقية، ويغازله في الموقف من ايران، ويدعو دولا عربية لدعم طائفة بعينها، مقزما بذلك طروحاته الوطنية، ومعرضا مصداقيته للتشكيك، ومحفزا خيار التخندق لدى الطرف لاخر.
واذ يأسف الكثير من الوطنيين العراقيين، حين تكون قوى شعبية كالتيار الصدري، كان قد رفض الاحتلال وقاومه، ونسج صلات واواصر تعاون واعدة مع الفصائل الوطنية الاخرى، قد ضعفت مناعته ووقع ببعض الاخطاء المعروفة، فان تاريخ هذا التيار وماضي اباءه الروحيين المعروفين بوطنيتهم وعروبتهم قبل مذهبهم وطائفتهم، يجدد الامل بان يطهر التيار الصدري صفوفه من المندسين الذين يسيئون لسمعته الوطنية، كما يجدد لامل بان يدرك قيادوا التيار الصدري بان التوجهات الوطنية المقاومة والمناهضة للاحتلال، هي المطلوبة اليوم اكثر من اي وقت مضى، وان الادارة لامريكية تسعى بنفس الوقت لجر الاطراف الشيعية لاحتراب داخلي، ربما يساعدها في اعادة ترتيب بعض اوراقها الساقطة، وما تصريحات رامسفيلد الاخيرة (قبل استقالته)، بان الحكومة العراقية ستتولى امر مقتدى الصدر الا تأكيدا للنوايا الامريكية بهذا الاتجاه.
ان ما نامله من مواقف ايجابية في التيار الصدري، مطلوب ايضا من القوى والشخصيات الوطنية الاخرى التي اتخذت من الاخطاء والنواقص في التيار الصدري، ذريعة لاخراجه من حقل الحركة الوطنية المناهضة للاحتلال.
ان اعادة تقييم التكتيكات السياسية لبعض القوى ذات النفس الوطني، والمشاركة بالعملية السياسية للاحتلال، تكتسب اهمية استثنائية في هذا المنعطف الخطير من تاريخ العراق، خاصة في عدم الفصل بين موضوعة وجود الاحتلال وعدم شرعيته، عن واقع الازمة الازمة الطاحنة التي يعيشها العراق، ومحاولة التعويض المصطنع عنها بتضخيم دور "العملية السياسية" والمصالحة الوطنية، والذي لم يزد الوضع الا انحدارا نحو الهاوية، ومن هذه الاهمية جاءت دعوات العديد من المراجع، وخاصة الرسالة الموجهة من هيئة علماء المسلمين بتاريخ 26-9 -2006 الى الحزب الاسلامي العراقي وجبهة التوافق العراقية، والتي تدعوهم فيها الهيئة الى الانسحاب من العملية السياسية، والتخلي عن المساهمة في تمزيق العراق والمشاركة في تشريع وترسيم قرارات التفكيك والتقسيم.
ان مهمة تحرير العراق وتكريس وحدته الوطنية، ووضعه على سكة البناء والديمقراطية، هي مهمة تاريخية، لا تستطيع جهة معينة لوحدها الاضطلاع بها او ادعاء انجازها، انها مهمة كل الوطنيين العراقيين وكل التيارات الوطنية بجميع اتجاهاتها، انها مهمة البندقية والخطاب والقلم والنفس الحر، ومن هنا تبرز اهمية وحدة فصائل العمل الوطني، المسلحة وغير المسلحة، في داخل العراق وخارجه.


كاظم محمد
ميدل ايست اونلاين

أضف تعليق