هيئة علماء المسلمين في العراق

المعلم في بغداد
المعلم في بغداد المعلم في بغداد

المعلم في بغداد

عندما يؤكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم، في اول زيارة له الى العاصمة العراقية بعد الغزو الاميركي، أن «أمن سورية هو من أمن العراق»، فإنه يوجه رسالة مزدوجة الى كل من الحكومة العراقية والادارة الاميركية مفادها انه لا شأن لسورية في حالة الانهيار الأمني التي يعاني منها العراق، وان الاتهامات التي تكررت بحق دمشق على ألسنة مسؤولين عراقيين وقادة بارزين في ادارة الرئيس جورج بوش، بهذا الصدد، هي اتهامات باطلة.
وعندما يؤكد الوزير السوري، المعروف بكفاءاته الديبلوماسية الرفيعة، منذ كان سفيراً لبلاده في واشنطن، انه لم يأت الى بغداد «لإرضاء أي كان، باستثناء الشعبين العراقي والسوري»، فإنه يرد ايضاً، وبصورة غير مباشرة، على التعليقات التي تواترت في الصحف الاميركية في الايام الماضية، والتي اشارت كلها الى توقيت زيارة المعلم مع التكهنات السائدة في واشنطن حول النتائج التي ستعلنها لجنة بيكر - هاملتون، والمتعلقة بالمخارج الممكنة من المأزق العراقي. ولم يكن من قبيل الصدفة، في هذا الاطار، ان يتولى السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى «الكشف» في صحيفة «نيويورك تايمز» عن اللقاءات التي جرت في ايلول (سبتمبر) الماضي بين الوزير السابق جيمس بيكر والمعلم، للبحث في «ما يمكن ان يجعل سورية مستعدة للمساعدة في موضوع العراق». ومعروف ان بين الرجلين علاقة طيبة منذ كان بيكر في الخارجية ايام بوش الاب والمعلم في سفارة بلاده في واشنطن، وأحد اقرب السفراء النافذين الى الرئيس الراحل حافظ الاسد ونائب الرئيس الحالي فاروق الشرع عندما كان وزيراً للخارجية.
وليس سراً أن دمشق تشعر في هذه المرحلة بارتياح واضح الى ما آل اليه سوء ادارة الرئيس بوش للأزمة العراقية، والذي كلفه خسارة الأكثرية في مجلسي الشيوخ والنواب في الانتخابات الأخيرة، وكذلك ارتياح العاصمة السورية الى النقاشات الدائرة في اللجنة المشتركة المكلفة دراسة الموضوع العراقي، والتي اضاف اليها هنري كيسنجر صوتاً وثقلاً مهمين عندما تحدث عن أهمية مشاركة جيران العراق في أي حل للمشكلة القائمة فيه. ولهذا ترى دمشق أن المأزق الذي يواجه ادارة الرئيس بوش لا بد ان يدفعها الى البحث عن بدائل، ومنها ما صار متعارفاً عليه بالانفتاح على دول الجوار واشراكها في الحل، بدل أن تكون، حسب الاتهامات السابقة، جزءاً من المشكلة، أو طرفاً في التدهور الامني.
وعندما يكون معروضاً على دمشق أن تلعب دوراً في الحل، فإن هذا العرض يفترض أن هناك قناعة اميركية بقدرة سورية على التأثير في الداخل العراقي. لكن هذا التأثير يستطيع أن يكون سلبياً أو ايجابياً، حسب اتجاه المصالح وحسب «الثمن» الذي يكون المتضررون من هذا الوضع مستعدين لدفعه. ومن هنا لا يخفى المغزى وراء اشارة السفير السوري في واشنطن الى ما يمكن أن يدفع سورية الى مساعدة الولايات المتحدة في الموضوع العراقي.
لكن الدور السوري الذي اصبح مكشوفاً الآن في العراق، بعد طول تردد، يشير الى قدرة دمشق على لعب دور ايجابي اذا وجدت أن ذلك في مصلحتها. ولا يمكن فهم اقتراح الوزير المعلم بوضع جدول زمني للانسحاب يمكن، في رأيه، أن يساعد على تخفيف اعمال العنف، الا في هذا الاطار. انه الشرط الاساسي والمعلن للمقاومة العراقية على أي حال. لكن الالتزام به كشرط يحمّل سورية مسؤولية اضافية، لان مثل هذا الجدول الاميركي، وهو بين الاقتراحات العسكرية المطروحة للنقاش في واشنطن، اذا تحقق، سيجعل دمشق شريكة في المسؤولية عن ضبط الامن العراقي في المرحلة المقبلة.
اننا على ابواب مرحلة جديدة في العلاقة السورية - الاميركية، لا تغير من شأنها كثيراً المحاذير المعلنة من جانب الحكومة العراقية حيال الدور السوري. انها مرحلة تذكّر بالنقلة التي شهدتها هذه العلاقة في المرحلة التي اعقبت ولاية رونالد ريغان وتولي بوش الأب الرئاسة. لقد كان الابن بحاجة الى هزيمته الانتخابية الاخيرة والى أزمته العسكرية ليستفيد من الدرس الذي تركه والده قبل حوالي عقدين من الزمن.


* نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية

أضف تعليق