لقد تهافتت خلال الأيام الماضية , حملات الهجمة الشرسة والمنظمة , على الشيخ الدكتور حارث الضاري , الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق , من قبل جهات سياسية وحكومية متعددة ناقمة , آلت نتيجتها إلى إصدار مذكرة توقيف أو تحقيق ,
تضاربت التصريحات حول ماهيتها من قبل وزارة الداخلية العراقية , وحول عدم علم الحكومة بها , ورفض بعض البرلمانيين لها جملة وتفصيلا , وتراجع النبرة الرسمية عن جدية الأمر لعدم وحود مذكرة إعتقال, بحسب تصريحات السيد عمرو موسى الأمين العام للحامعة العربية , ليشهد العراقيون أعانهم الله على بلواهم , فصلا جديدا من فصول المؤامرات المحسوبة , لغرض تصفية الوطنيين والمناضلين والداعين إلى عراق نظيف خال من دسائس الاحتلال وخدّامه الصغار, ولتصبح المواجهة مطلقة بين العراقيين المواطنين من جهة , وبين الحكوميين الرسميين من جهة مقابلة .
لكن مما يلاحظ على تلك الجهات المتعددة والناقمة , هو التقاؤها عند رابط واحد يجمعها , يتمثل بأن شخوصها من أتباع أمريكا التي تحتل العراق بجنودها , وهم ذوو الجاه المزور والسلطان الكاذب , الذين يتربعون على كرسي السلطة المكسور في العراق , ويمثلون اليوم ذراع أمريكا التي تبطش بالعراقيين , من خلال فرقهم الطائفية ومصالحهم الانتهازية وغير الوطنية , والتي تصدى لها الشيخ الضاري شخصيا , ومرة تلو مرة , بالإدانة والشجب والرفض والسخط , وعملت هيئته الوطنية لعلماء المسلمين , على إصدار البيانات بإثر البيانات , ضمن هذا السياق التنديدي .
حيث رفضت هيئة علماء المسلمين العملية السياسية تحت غطاء الاحتلال , وشجبت مختلف أنواع الجرائم المقترفة بحق العراقيين من جرائها , وكرست الصوت الإعلامي المقاوم لكل حالات الفساد والسرقة والقتول والاغتيالات والتهجيرات الطائفية , التي حصلت منذ اليوم الأول للغزو الأمريكي للعراق , ولا زالت تحصل في يومنا هذا وبالشكل المتزايد والرهيب , تحت غطاء ما يسمى بالحكومة الوطنية المنتخبة .
ولقد تعرضت هيئة علماء المسلمين لموجة بوهيمية كثيفة من الغدر والاعتداءات والمكائد , وأنكأها تلك الاغتيالات والتصفيات , التي طالت ولازالت تطال العشرات تلو العشرات من أعضاء الهيئة وأساتذة وعلماء العراق , حيث نعتهم الهيئة بوقار الخطاب وعدتهم شهداء مكرمين , في سبيل النضال من أجل البلاد وتحرير الوطن , وداعية بذات الوقت إلى التماسك الوطني بين أبناء العراق وعدم الانزلاق في الفرقة والتشرذم والضياع , وتفويت الفرصة على الأعداء المجرمين في مسعاهم المغرض ومطلبهم المشين .
وإذا ما أردنا وضع النقاط على الحروف , بين الضاري الذي يناصره الأبناء والعلماء والعراقيين , وبين خصومه العملاء الأدعياء الصفويين , سنكتشف بأن الضاري شخص كريم في الحياة عزيز في المجتمع , ورث عن آبائه وأجداده شرف النضال الوطني ومقاومة المحتلين البريطانيين للعراق في القرن الماضي , وهو اليوم يسير على تلك الخطى المضيئة , في رفض الاحتلال الأمريكي للعراق في القرن الحالي .
ويتوهم مَنْ يضن بأن هذا الرجل يمكن أن يتزحزح عن الحق قيد أًنملة , وربما يحلم مَنْ يمارس معه اليوم لعبة التصدي والمواجهة غير النظيفة , أو التستر بالمناورة السياسية العلنية وتبنّي المواجهة المكشوفة إزاءه , على أمل كسر شكيمة هذا الرجل العصامي , والنجاح في استدراجه إلى مغريات السلطة والتفاوضات المشبوهة للنيل من رمزية المقاومة العادلة , ومن وجود سطوتها المحترمة بين الناس , والتصغير من شأن وجوهها الوطنية الكبيرة .
إنَّ سيرة الشيخ الضاري أمضى من حسام , فقد نذر هذا الوطني الأمين نفسه لمحبة الوطن والعراقيين , والحرص على تناول لقمة العيش الشريف بصبر المُؤمنين المُوقنين بقضاء الله تعالى وقدره في الرزق الحلال والإصابة والإنابة , وسعى في مشواره الحياتي مُحصنا نفسه وأبناءه وعائلته , بسلاح العلم الشرعي ودراسة الشريعة والعقيدة الإسلامية , فنال العالمية والاجتهاد في اختصاصه العلمي والتعليمي, وعمل بهذه المؤهلات خارج العراق لفترة محددة , وعاد إلى العراق ليواصل مشروعه النضالي في تحرير العراق من أسره , بين أخوته والمعذبين بظلمات السياسات الظالمة , وحظي بالاحترام والتقدير من المثقفين والعلماء ومن البسطاء والعامة في وقت واحد . لقد تحمّل هذا الشيخ الجليل مسؤولية العالم الفقيه الدينية , في توجيه طلبة العلم وتوسيع مداركهم في البحث والتفقه , وأشرف على تدريس الطلبة العراقيين في كليات الشريعة العراقية وغيرها , وغرس قيم الإسلام وروحية التعاون والسلوك القويم في معاملات العباد وقضاء شؤونهم الحياتية , وبذات الوقت تحمّل مسؤولية القائد الشيخ العربي الأصيل متشحا زي العروبة المعروف بعقالها وكوفيتها وعباءتها .
وخلال الأيام العصيبة والهادئة التي عاشها المجتمع العراقي عبر عقودهم , صار يجتمع عند رأيه المتخاصمون , ويأخذ بحلوله البعيدون والأقربون فيما ينزعون ويهدفون , وارتسمت الخارطة القيادية للشيخ الضاري باتساع نطاقها خارج حدود عشيرته , ضمن العاصمة بغداد وعموم محافظة الأنبار, لتشمل الفرات الأوسط والمنطقة الوسطى والغربية والمناطق العربية وغير العربية في صلاح الدين وكركوك والموصل , وتخطت سمعته ومكانتها لتصل إلى دول الجوار والمناطق الأخرى المحيطة بالعراق , بفعل المكانة والمصداقية والمبدئية التي عُرف بها .
ولم يستغل الضاري سمعته النضالية , ولا مكانته العلمية ولا مشيخته العشائرية , ليصفق لأخطاء الساسة ويجعل منها مصابيح هداية تحت مغريات دنيوية , بل نأى مبتعدا عن ترف الدنيا , منشغلا بالعلم والتوجيهات الوطنية , التي تؤسس لمنطلقات الحس الوطني الشريف , والمقولة القوية الهادفة , في نفوس الوطنيين الأحرار , وكان مضيفه وديوانه مدرسة للمُريدين الوطنيين من العلماء والمفكرين , وغاية للمظلومين والبسطاء في النصفة وإحقاق الحقوق , من شتى مناطق العراق .
وقد تبلور تشكيل هيئة علماء المسلمين كمؤسسة وطنية الملامح عراقية المطامح , في أثناء بدء احتلال أمريكا للعراق , وعشية قيامة السلب العجيب والنهب الرهيب في بغداد , وحرق مكتباتها وسرقة متاحفها ومؤسساتها الوطنية , حيث كانت نتاج جهود وتجمعات ونشاطات كثيرة سبقت فترة الإحلال , وشواهدها كانت تمتد إلى مآثر النخب الدينية والوجوه الوطنية , المعروفة بتاريخها النضالي وحرصها الأكيد على وحدة العراقيين .
إنَّ تشكيل هيئة علماء المسلمين , ومن خلال العمق الديني والوطني الذي تحلى به أمينها العام الشيخ الضاري , جعل منها الركن الأمين الذي ينطق باسم الحق الشرعي , فضلا عن النطق بحق العراقيين في بلادهم وأرضهم وحياتهم , بعيدا عن دنس الاحتلال , وخبث العملاء ونوازعهم في التفرقة والبلاء , وكان ( ميثاق الشرف الوطني ) الذي أصدرته الهيئة في 15 / تموز/ 2004 , بفقراته الثمانية من مدينة الكاظمية , خير شاهد على الوطنية العراقية , و يُمثل الدعوة العلنية الصريحة وحرص الهيئة على معاني الوحدة الوطنية بمختلف وجوهها , ورص صفوف العراقيين , ضد الفرقة والتمزيق وإرادة المحتلين الغزاة , متخذا من الآية الكريمة ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) عنوانا لميثاقها , وإستراتيجية طويلة المدى لعمل الهيئة في المستقبل .
وهذا كله قد ربط الشيخ الضاري بعلاقات متينة وواسعة , قائمة على النصرة والولاء مع غالبية العشائر العربية ومراجعها وعلمائها من الشيعة والسنّة والكرد وزعماء الطوائف الأخري , والاجتماع في توحيد الكلمة والصف الرافض لوجود الاحتلال , منذ أكثر من ثلاثة أعوام , تحت المسمى الوطني والعربي والعراقي والإسلامي , وليس تحت مسمى الخيانة والعمالة والسجود عند أبواب الغزاة والأجانب .
لقد بزغت هيئة علماء المسلمين لتمارس دورها الشرعي والأخلاقي والإنساني والوطني , كمطلب عراقي مهم في المجتمع , بوصفها جهة مؤسسية - وطنية - شرعية – مدنية – معنية أيضا بالشأن السياسي المتعلق بمستقبل العراق والعراقيين , ورافضة للاحتلال , وداعية إلى انسحاب المحتل من أرض العراق , وشاجبة للممارسات الإجرامية بمختلف صنوفها , بخطاب شرعي ووطني واضح الدلالة والمعالم , يلامس نفسية المواطن , ويغرس فيه روح الأمل والصبر وتحمّل أذى الظالمين .
إنُّ البيانات الوطنية الصدارة عن هذه الهيئة , والتي بلغت اليوم ما يزيد على ( 340 ) بيانا , ناهيك عن التصريحات المخولة والرسائل الاختصاصية الموجهة بازاء الحالات والحوادث والظواهر والسلوكات المحددة بعينها , لم يثبت عليها مطلقا إلاّ خطابها الوطني الصميمي , لا عبر تصريحات أمينها العام الشيخ الضاري أو مساعديه , ولا عبر المصرحين باسمها .
ولقد تفحصت جميع بيانات الهيئة تفحصا دقيقا , فوجدتها بيانات مُنصفة للحق العراقي في استعادة استقلال العراق , ومدافعة عن العراقيين دون تمييز ودون انحياز لجهة على حساب أخرى , ولم تحثُّ على فتنة , ولا وجّهت طائفة معينة نحو القيام بمفسدة تضر بطائفة أخرى , وإنما على العكس من ذلك تماما , كانت الهيئة في كل ما صدر عنها منارا للوحدة الوطنية , وصمام أمان قوي ضد تفريق العراقيين وتمزيق العراق وشرذمة الجغرافيا طائفيا وعرقيا .
وقد أجريت مع ذلك تحليل المضمون العلمي على مجمل وثائق الهيئة وبياناتها , واستخلصت منها مفادة تقول بصريح البيان : نرفض باسم العراقيين احتلال العراق , ونطالب المحتل بجدولة انسحابه ورحيله النهائي عن بلاد الرافدين , ونرفض المشاركة في العمليات السياسية التي يرسمها المحتل للعراق والعراقيين , ونرفض تقسيم البلاد طائفيا وعرقيا , ونرفض تدخل الصفويين والموساد والمرتزقة في إثارة الحرب الطائفية والأهلية بين العراقيين , فالعراق كله دم واحد , وعقل واحد , وشعور وطني واحد , من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب , وإنَّ هذه أمتكم أمة واحدة في الخير والشر وفي العسر واليسر .
وعليه فمن يدّعي على هيئة علماء المسلمين وأمينها العام الشيخ الضاري , ويلصق بهما ما ليس لهما , فهو كذاب أشر, ويستحق أن يُردَّ عليه على رؤوس الأشهاد : إنَّ الإناء ينضح بالذي فيه , وشبيه الشيء منجذب إليه ...!
فلم يكن الشيخ الضاري ولا هيئته الوطنية من صنيعة الاحتلال , وإنما أنت أيُّها البيدق الخشبي يا بائع الدم والضمير , يا مَنْ دخلت العراق مجلوبا مع أسيادك , وأنت يا مَنْ لا تريد اليوم استقلال العراق , ومقامك لا وزن له في ظل دستور زائف و قوانين طائفية وقضاء أعرج , وأنت يا مَنْ حُسبتَ على جنس العملاء وفصيلة الخونة المحميين بقوة المحتلين لا بمحبة العراقيين الطواعية , وأنت يا مَنْ أسهمت في تقسيم العراق وبصمّت على الفيدرالية بضميرميت مدفوع الثمن , وأنت يا مَنْ تعمل على هدم الحياة العراقية مقابل ثمن مدفوع , طبقا لأجندة خارجية التي فرضها عنوة عليك الصفويون والإيرانيون وغير العرب من الطفيليين اليهود والمتطفلين الموساد , وأنت أيضا يا مَنْ كنت من جوقة الطائفيين المُفرقين بين العراقيين , لكونك لست عراقيا صميميا , لا بالدم ولا بالنسب ولا بالفكرة ولا بالمعتقد , وأنت يا صاحب المليشيات الغاشمة ويا رئيس حزب الغجر الحشاشين , والمتستر على فرق الموت , وأنت يا مَنْ سعى ويسعى إلى ضرب العراقيين بعضهم ببعض , أنت يا مَنْ لا أقول لك , عميلا كنت أم خائنا , سارقا كنت أم انفصاليا , لا حسا بصاق أسيادك , قابلا بأحذيتهم فوق رأسك وأحلامك , مُت بصحيفة أعمالك المخزية , لأن العراقيين قرروا أن يحملوا صحيفة أعمال الشيخ الضاري على رؤوسهم , وسيموتون عليها , لأنها بكل بساطة صحيفة عراقية وطنية , وليست صحيفة تفريقية باطلة .
وكالة الاخبار العراقية
الشيخ الضاري .. بين محبّة الأبناء وحرب العملاء -د . أسعد قواس
