هيئة علماء المسلمين في العراق

حتى لا نكرر أخطاء الحرب الباردة مجددًا.. طلعت رميح
حتى لا نكرر أخطاء الحرب الباردة مجددًا.. طلعت رميح حتى لا نكرر أخطاء الحرب الباردة مجددًا.. طلعت رميح

حتى لا نكرر أخطاء الحرب الباردة مجددًا.. طلعت رميح

حتى لا نكرر أخطاء الحرب الباردة مجددًا


بقلم :طلعت رميح


تتزايد ملامح استقطاب دولى جديد حاد وتتصاعد ملامح تغييرات فى التوازنات الدولية وهو ما يزيد حدة الصراع.


كان الاستقطاب جاريًا منذ فترة طويلة، على صعد المنافسة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والتسليحية، وجاءت أحداث وواقع ونتائج كارثة فيروس كورونا لتدفع الصراع خطوات أبعد؛ إذ يجرى طرح أبعاد إيديولوجية وصياغة أساس متين للصراع لدفعه لآفاق أشد حده.. كانت وقائع جائحة الفيروس بمثابة المعجل للتغييرات وعملت كرافعة لإعادة ترتيب التوازنات وتعزيز التحيزات، فيما بدى وكأنه نهاية للنظام الدولي المعتمد ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ وهذا الاستقطاب متوقع أن تزداد حدته في الفترة القادمة وفق المؤشرات الجارية.


العالم يعيش الآن لحظة دولية فارقة، وكأننا أمام محطة تاريخية، لن يكون ما بعد تجاوزها كما كان قبلها.


وفيما تسعى الدول المؤثرة فى المشهد والساعية لإعادة ترتيب علاقات المصالح وصياغة نظام دولى جديد- عبر وقت قد يطول بحكم أن الأمر لا يجري بالحرب العسكرية - فالخوف والقلق أن تكرر أمتنا ما أخطات به خلال مرحلة استقطاب الحرب الباردة، حين انقسمت دول الأمة بين من وإلى أو تعاون مع المعسكر السوفيتي ومن وإلى أو تعاون مع المعسكر الغربي، فصارت دول الأمة منقسمة ومتناحرة فيما بينها.


لم تدرس وتتبنى وتدافع دول الأمة عن مصالح واضحة أو ثابتة او موحدة؛ وفي ذلك كان طبيعيًا أن تخرج جميع دول أمتنا خاسرة بعد نهاية الحرب، خرج من تحيز هنا ومن تحيز هناك بنفس النتيجة –الخسارة- في نهاية المطاف.


من انحاز للاتحاد السوفيتي تبعثرت أوراقه بعد انتصار الغرب وصار في وضع الخضوع للمسيطر المنفرد – ومن رفض وقاوم قتل أو أسقط- والأمثلة كثيرة، إذ انتهت كل النظم والقيادات التي انحازت للسوفيت ولم يبق منها أحد، ولعل أحد أهم النماذج دلالة هنا ما جرى لليمن الجنوبي الذي فتحت نهاية الحرب الباردة الطريق لانتهاء تجربته كدولة.


ومن انحاز للغرب لم يرحمه انحيازه هذا بعد انتهاء الصراع وانتهاء الحاجه له، والنموذج ذو الدلالات هنا باكستان، التي انحازت للغرب على خلفيات كثيرة -أهمها انحياز الهند للمعسكر الىخر- إذ وصل الحال بعد نهاية الحرب الباردة وبدء مرحلة القطب الأمريكي الواحد، أن هددها جورج بوش الابن بالتدمير الشامل –كما قال الرئيس الباكستاني برويز مشرف، ولم يشفع لباكستان انحيازها للغرب ولا الدور الذي لعبته فى مواجهة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان.


الآن لا يجب أن يتكرر الأمر، خاصة وأن الظروف تسمح بتغيير معادلات الحركة – عن ما جرى في السابق- بحكم تعدد الأقطاب المتصارعة بما يفتح مساحات متعددة يمكن النفاذ منها وبناء مواقف مستقلة، خاصة وأن كل الأطراف المتصارعة دون استثناء قد أوغلت فى دماء المسلمين.


الصين ارتكبت أشد الجرائم خسة ضد مسلمي الإيغور وهي أحد المدافعين عن جرائم الحكم في ميانمار، والولايات المتحدة ارتكبت أشد الجرائم خسة ضد مسلمي أفغانستان والعراق وهي من قررت منح الكيان الصهيوني السيطرة على كامل القدس والجولان، وروسيا في تاريخها الحديث جرائم ممتدة من الشيشان إلى سوريا، وأوروبا لها تاريخ طويل في الجرائم ضد الأمة سابقًا وحاليًا.


الآن وبعد خوض تجربة الحرب الباردة بنتائجها الكارثية على الأمة، وبعد أن انتهت معادلة إما مع السوفيت أو مع الغرب، وصارت الأقطاب الصاعدة متعددة ومتنوعة ومنتشرة على طول الأرض وعرضها، فقد بات ممكنًا للأمه بذاتها ووفق حسابات عملية ومصلحية أن تنجح فى بناء موقف مستقل لها بدرجة أو بأخرى، فهكذا ينبغي التفكير.


وبالإمكان الوصول إلى ذلك ولو عبر مشروعات جزئية مشتركة لتأمين الغذاء والدواء وغيرها، والآن يمكن استثمار حالة الانقسام والتشتت بين القوى الدولية الصاعدة الضاغطة على الأمة لحسم بعض الصراعات التي تنخر جسد الأمة وإنهاءها لمصلحة شعوب الأمة أو حتى لتحقيق قدر من الاستقرار ومواجهة نتائج كارثة الفيروس.


المقلق حقًا أن البعض بادر ومن الىن للدخول في لوثة الخيار بين هذا الطرف أو ذاك، فيقول هذا إذا اخترنا بين الصين وأمريكا فنحتار هذا الطرف، ويقول آخر نختار الطرف الآخر.


سؤال الانحياز .. سؤال يعمق الأزمة .


هذا السؤال لا يجب ان يطرح، سواء لأن العالم لا يسير إلى نظام ثنائية القطبية – فالصين وأمريكا لن يكونا سوى قطبين من أقطاب كثيرة- وكذلك لأن السؤال الحقيقي هو ماذا عنا نحن وكيف نتحرك باستقلال لا بالتحيز لمصلحة هذا الطرف أو ذاك.


البحث يجب أن ينصب حول ما الذي توفره لنا حالة الصراع المتنامية في العالم الآن، لننهي حقبة طالت حتى تعفنت من حالة الارتهان لهذا الطرف أو ذاك، يجب أن نبحث عن اختراق تاريخي وأن نكون في وضع المشاركة في إدارة نظام دولي متعدد الأطراف، لا أن نكون تابعين لهذا الطرف أو ذاك.


أضف تعليق