لا بد من أن الرئيس جورج بوش عبقري. وهو عبقري من مستوى ألبرت اينشتاين، فأنا لا أفهم نظرية النسبية، ولا أفهم سياسة الرئيس.
ثمة أخبار متوالية متراكمة من داخل ادارة بوش ومن حولها تقول إن هذه الإدارة تريد أن تساعدها ايران في ضبط الوضع في العراق. والتقرير المقبل لمجموعة دراسة العراق سيقترح إشراك ايران وسورية في الحل.
هذا منطقي جداً، ركن أساسي في محور الشر يطلب منه أن يساعد عدوه على انقاذ نفسه.
غير أن ما سبق جزء من الصورة وأرجو من القارئ أن يصبر علي لأرسمها له كاملة:
- في 13 الجاري وزعت وكالة اسوشييتد برس الأميركية خبراً مصدره واشنطن يقول إن البيت الأبيض دعا الى عزل ايران عالمياً حتى تتخلى عن طموحها النووي. وقال الرئيس بوش في حديث الى الصحافيين في البيت الأبيض بعد جلسة له استمرت ساعة مع رئيس وزراء اسرائيل ايهود اولمرت، إن خطر البرنامج النووي الإيراني يتجاوز اسرائيل والشرق الأوسط الى العالم كله.
- في 14 الجاري نشرت «نيويورك تايمز» خبراً من واشنطن حمل تاريخ اليوم السابق كتبه جيم روتنبرغ ايضاً عن اجتماع بوش وأولمرت جاء فيه أن رئيس وزراء اسرائيل قال للصحافيين في البيت الأبيض بعد الاجتماع إن خطر امتلاك ايران سلاحاً نووياً ليس على اسرائيل فقط بل على العالم كله.
الخبران هما عن الموضوع نفسه في حضور المراسلين المعتمدين لدى البيت الأبيض، وأرجو من القارئ أن يلاحظ أن اولمرت قال إن الخطر الإيراني يتجاوز اسرائيل الى العالم، وقال بوش إن الخطر الايراني يتجاوز اسرائيل والشرق الأوسط الى العالم كله.
الرئيس بوش يكرر كلام رئيس وزراء اسرائيل، ازاء رئيس ايراني يرى في اسرائيل كياناً مصطنعاً سيزول، ثم يريد من ايران أن تساعده.
هناك ببغاء آخر هو رئيس الوزراء توني بلير، وأنا مدين هنا لتعليق في «الاندبندنت» كتبه ادريان هاملتون، ونشر في 16 الجاري، فهو قال إن بلير تحدث الى الصحافيين صباح 13 الجاري في مقره الرسمي في 10 دواننغ ستريت عن سياسة جديدة في الشرق الأوسط تضم ايران وسورية، إلا أنه في المساء، وفي خطابه السنوي في قاعة مجلس بلدية لندن، قال إن على ايران وسورية ان تغيرا تصرفاتهما اذا أرادتا العودة الى الحظيرة، ولاحظ الكاتب أن بلير غيّر موقفه بين الصباح والمساء، ليتفق كلامه مع تصريحات بوش في البيت الأبيض بعد مقابلته أولمرت ذلك اليوم.
بلير غير مهم، فأبقى مع الرئيس الأميركي، أو رئيس العالم، وسياسته المنطقية، والصورة لا تكتمل من دون بعض الرتوش، فأزيد أن في 15 الجاري صرح ديفيد ساترفيلد، مستشار وزارة الخارجية عن العراق في شهادة أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، أن ادارة بوش تفكر في طلب مساعدة ايران في العراق، إلا أنها لا تفكر في دور لسورية بسبب «موقفها السلبي» في لبنان والعراق والمنظمات الفلسطينية.
هل موقف ايران أفضل من وجهة نظر أميركية؟ باختصار، ادارة بوش تلتزم الموقف الإسرائيلي التزاماً كاملاً، وتهدد ايران وتطلب منها ان تساعدها، وتحاول الفصل بينها وبين سورية. ولا بد من أن سياسة رشيدة من هذا النوع هي التي نفذت في الحرب على العراق وأدت الى النتائج الباهرة التي نراها، والنصر الذي يعدنا به جورج بوش كل يوم.
لمسة أخيرة على الصورة، ففي البيت الأبيض قال أولمرت حرفياً عن البرنامج النووي الإيراني: «هذه ليست قضية لإسرائيل وحدها، وإنما قضية اخلاقية للعالم كله».
حديث أولمرت عن الاخلاق هو حديث زانية عن الشرف، فمجرم الحرب هذا الذي قتل 1400 لبناني، غالبيتهم من النساء والأطفال ولا يزال يقتل النساء والأطفال الفلسطينيين كل يوم يتحدث عن الأخلاق، ولا تفعل الإدارة الأميركية سوى تأييده، فأدينها معه.
بقيت نقطة تابعتها شخصياً في الأشهر الأخيرة، فالادارة الأميركية تهدد سورية وايران، ثم تعتقد بأنها تستطيع الفصل بينهما.
وكنت سئلت على هامش دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة كيف يمكن إبعاد سورية عن ايران، وقلت إن هذا مستحيل حالياً لانعدام الثقة في سياسة ادارة بوش، فهي تركت لبنان يدمر في الصيف مع انها تؤيد حكومة فؤاد السنيورة، وقطاع غزة يستباح مع أنها تؤيد الرئيس محمود عباس وتعتبره رجل سلام. واذا كانت تفعل هذا بحلفائها، فكيف يثق بها خصم أو عدو؟
غير أن الرئيس بوش عبقري، ويستطيع وضع سياسة تجترح المعجزات كما فعل في العراق، فيساعده عدوه، ويشق صف خصومه، «وينجز المهمة». هو «لذيذ» كما كانت رزان مغربي تقول عن طلاب الأغاني في برنامجها التلفزيوني المشهور وكل أسفي انني لست على درجة كافية من العبقرية لأفهم سياسته.
الحياة اللندنية
(يرددان الكلام نفسه)-جهاد الخازن
