هيئة علماء المسلمين في العراق

أخطاء بوش وفضائح حكمه ملأت الدنيا وشغلت الناس
أخطاء بوش وفضائح حكمه ملأت الدنيا وشغلت الناس أخطاء بوش وفضائح حكمه ملأت الدنيا وشغلت الناس

أخطاء بوش وفضائح حكمه ملأت الدنيا وشغلت الناس

لم ينشغل العالم بأي حرب ولا بالأخطاء والفضائح المرتكبة فيها مثلما ملأت الدنيا وشغلت الناس في القرن الجديد حربا أفغانستان والعراق، وفضائح حكم الرئيس بوش. الحربان العالميتان الأولى والثانية إنما كان الإعلام ينشر عنهما البلاغات الرسمية التي تصدر من لدن أطراف النزاع وتتحدث عن وقائع القتال والخسارات التي حلت بكل طرف، ومعها تعليقات صحافية مختصرة تضيع في غمرة الأنباء العالمية. أما في حرب القرن الواحد والعشرين التي أطلق عليها عدة نعوت فقد غطت أنباؤها على جميع الأنباء وفي طليعتها ما شاع وذاع من أنباء أخطاء الرئيس بوش التي تراكمت حتى غدت لا تعدّ ولا تحْصى، مضافا إليها سلسلة الفضائح التي جرت في معسكرات الخزي والعار في جهات معروفة من العالم مثل سجني أبو غريب وجوانتانامو. وهما السجنان المعروفان لحد الآن. أما بقية السجون السرية فلا زال لم يُكشف عن أسرار فضائحها. ولن تلبث بكل تأكيد أن تفوح عبر العالم رائحتها الكريهة المؤذية. فلا شيء في عالم التواصل اليوم يبقى مكتوما لا يُعرف وسرا لا يُذاع.

العالم منشغل اليوم بصفة أخص بالبحث عن مخرج من مستنقع الحروب الدائرة رحاها بضراوة في أفغانستان والعراق وفلسطين، وفي لبنان الذي يوجد في حالة هدنة منذرة بتفجير حرب أخرى.

لم يعرف الرئيس الأمريكي في حياته همًّاً أقسى من همّه اليوم أن يحصل على الوصفة الطبية التي ينفع تجرّع دوائها للشفاء من داء الحرب العضال، ويأمل ألا تؤذي طريقة العلاج المريض الميؤوس من شفائه. والمريض هنا ليس الرئيس الأمريكي وحده، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية بجميع فصائلها، وقوات التحالف الدولية التي أوقعها بوش في شبكة صيده. وهي تعمل اليوم جاهدة لِسلّ خيوطها من عجين الحروب المؤذية. وقديما قيل: “لا أسهل من الدخول إلى الحمّام (الحمّام هنا حمّام الدماء والحروب) ولا أصعب من الخروج منه”.

الرئيس الأمريكي ورّط الشعب الأمريكي بجميع فصائله ومكوّناته في الحرب. ولا همّ يشغل أمريكا اليوم أكثر من همّها المؤرِّق الباحث عن الخروج من مأزق الحروب غير المدروسة، والتي لجأت فيها القيادة الأمريكية إلى الكذب على الشعب الأمريكي والعالم، واختلاق الذرائع الوهمية لتبرير الحرب.

لم يخسر الرئيس الأمريكي في المغامرة، بل خسر معه بالأصالة الحزب الجمهوري الذي عاقبه الناخب الأمريكي وزحزحه عن مقعده بوصفه أول وأقوى حزب. ولم يسع الرئيس للخروج من الورطة إلا أن يضحّي بأحبّ وأقرب مساعديه إليه: وزير الدفاع دونالد رامسفيلد. وقد ظهر الرئيس بادي الألم وهو يودِّعه ويُربِّت على كتفيه تعزية وإشفاقا. ورامسفيلد في همّ شديد من ملاحقته قضائيا على ارتكاب جرائم التعذيب في السجون بالعراق وغوانتانامو. وبدأت إجراءات محاكمته يوم الثلاثاء المنصرم وتقدم بالشكاية واتهامه بارتكاب جرائم حرب أمام محكمة كالسرو الألمانية محامون من مختلف الجنسيات من بينهم أمريكيون.

همّ بوش المؤرِّق هو الخروج المشرف من مأزق الحروب. وهو همّ أنساه ترديد مقولته: “لن نخرج إلا منتصرين والنصر قادم”. وهو يتطلع كما قال إلى الحصول على توصيات اللجنة التي يرأسها جيمس بيكر والتي تعكف على دراسة الوضع في العراق وتحضر تقريرا يشتمل على توصيات من شأنها تسهيل تنفيذ الخروج من العراق في أسرع وقت. وقد بادر الرئيس قبل توصله بتقرير هذه اللجنة إلى التمهيد لقبول توصياتها فقال وهو يخاطب في البيت الأبيض أولمرت في نهاية الأسبوع المنصرم : “إني أتطلع إلى الأفكار التي ستقدمها لجنة بيكر”. وقبل ذلك قال “إنه منفتح على كل اقتراح من شأنه أن ينهي خروج قواتنا من العراق لكن ذلك مرهون بتطورات الوضع في العراق نفسه”.

وفي بحثه عن الخروج من العراق ذهب بوش بعيدا فقال “إنه لا يرى مانعا في التفاوض مع سوريا وإيران (محور الشر) للوصول إلى مخرج من العراق” لكنه عاد فنفى أن تكون له رغبة في إشراك الدولتين في حل مشكلة العراق. ثم ناقض نفسه فقال “إنه يقبل إشراكهما، ولكن بدون شروط منهما”. ولعله يسابقهما قبل أن تشترط عليه إيران إيقاف ضغوطه عليها لتتخلى عن ملفها النووي، وتشترط سوريا أن يلتزم لها بحل مشكلة احتلال “إسرائيل” للجولان قبل مباشرة قضية حرب العراق.

وأكاد أجزم أن بوش وطوني بلير اتفقا على أن يتولى هذا الأخير اقتراح إشراك سوريا وإيران في حل مشكل العراق على أن يوافق الأول عليه بعد التأكد من استعداد الدولتين للمشاركة إنقاذا لماء وجه الرئيس الأمريكي الذي يصعب عليه أن يغير موقفه من سوريا وإيران بالسرعة المذهلة التي لا تشرفه وهو الباحث عن مخرج مشرف من العراق. وقد بادر بلير إلى التمهيد لإشراك الدولتين بالإدلاء الأسبوع المنصرم بتصريحات جريئة ما أظنه أقدم عليها إلا بسابق تنسيق مع صديقه وحليفه الرئيس الأمريكي. وجاء على لسان الناطق باسمه قوله: “لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري من دون حل سياسي للوضع في العراق. ونحن في حاجة إلى استراتيجية شاملة للشرق الأوسط. وأمام سوريا وإيران خيار استراتيجي للتعامل معنا”. وزاد يقول: “إن رئيس الوزراء البريطاني (بلير) طلب من إيران وسوريا التعاون لحل مشكلة العراق، وهو ينتظر جوابهما”.

وجاء ما يؤكد توجه بريطانيا إلى دعوة سوريا وإيران للمشاركة في حل مشكلة العراق على لسان وزير الدفاع البريطاني “ديس براون”: “لقد قلنا على الدوام إن على إيران وسوريا أن تواجها مسؤولياتهما بشأن العراق وضرورة تفاعلهما مع الحكومة العراقية. وإذا كنا أعربنا عن رغبتنا في التعاون معهما فإن الحكومة العراقية نفسها أجرت اتصالات معهما وقام وزراء من العراق بزيارات لهما”. وتسرب إلى الإعلام أن بلير أفضى إلى لجنة جيمس بيكر لكونه يرى ضرورة إشراك سوريا وإيران في حلّ مشكلة حرب العراق.

وهكذا يبدو أن ربط حل معضلة حرب العراق أصبح عند بريطانيا والولايات المتحدة مرتبطا بحل مشكلة الصراع العربي “الإسرائيلي” بل مشتبكا به. بمعنى أن حلّ مشكلة الصراع العربي “الإسرائيلي” على واجهة فلسطين هو مفتاح حل مشكلة العراق. وهذا تطور كبير يجب رصده بدقة ومتابعته بعناية فائقة.

وفي هذا نشرت جريدة “لوموند” الفرنسية في عدد يوم الأربعاء المنصرم على الصفحة المخصصة للشرق الأوسط وبهذا العنوان العريض: “استراتيجية الشرق الأوسط تبدأ بحل مشكلة فلسطين”. وجاء في المقال تصريح لطوني بلير يضع النقط على الحروف ويقول: “إن قضية فلسطين هي قلب مشاكل الشرق الأوسط. ومن واجبنا أن نبادر إلى حلها مثلما يَتحَتم علينا أن نحقق تقدما في حلّ مشكلة لبنان”.

إن مبادرة طوني بلير الجريئة دليل على استخلاصه الدرس الذي تعطيه محنة بوش الباحث عن مخرج من ورطة العراق. والحلّ عند بلير إما أن يكون حلا شاملا لمشكل الصراع العربي “الإسرائيلي” على أن تعطى الأسبقية لقضية فلسطين أو لا يكون. وقد أخذ بلير يعمل بهذا الاستنتاج تلافيا لأن يقع هو نفسه في الورطة التي وقع فيها بوش. إنه يُواجه مطالبته بالاستقالة من رئاسة الحكومة من لدن تيار شعبي واسع ومن حزب العمال لأنه فشل في حرب العراق مثلما فشل حليفه الكبير. وإذا كان بوش يؤدي ثمن فشله فادحا، فإن بلير يوشك أن يؤدي بدوره نفس الثمن.

لقد خسر بوش في الانتخابات النصفية وأنزل بحزبه الجمهوري الهزيمة، وقد يصاب بلير بهزيمة يخسر فيها مستقبله كقائد سياسي. ولو أن الانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي في الولايات المتحدة كانت رئاسية، وكان يمكن لبوش دستوريا أن يشارك فيها لوقع في هزيمة يفقد بها مستقبله السياسي.

مشكلة الشرق الأوسط كانت تنضج على نار محرقة، ويبدو أنها أخذت تنضج على نار دافئة إما بالمفاوضات المباشرة أو عن طريق المؤتمر الدولي للسلام إذا ما قدِّر له الانعقاد. أو بمبادرة إسبانيا وفرنسا وإيطاليا إلى الدعوة لحل مشكلة فلسطين والمهم أنها تنضج كل يوم أكثر. وسنرى.


د. عبدالهادي بوطالب
الخليج الامارتية

أضف تعليق