لم يكن قرار وزراء الخارجية العرب في القاهرة، الأسبوع الماضي، «بكسر الحصار عن الشعب الفلسطيني» مفاجئاً، إلا من حيث دلالته بأنّ الحصار كان مفروضاً فعلاً على الشعب الفلسطيني ليس من قبل الغرب،
وحسب، امتثالاً لإرادة من يعمل على إبادة الشعب الفلسطيني بشتّى الوسائل من المجازر وقصف المنازل بالطائرات الحربية وبالصواريخ وسدّ سبل العيش في وجهه، ولكن أيضاً من قبل البعض من العرب الذين يردّدون ما تصرّح به قوات الاحتلال، بأنّ المشكلة هي في صواريخ تُطلق من غزّة أو في شباب مقاوم للاحتلال الأجنبي، وليس في الاحتلال البغيض الذي تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين. لقد ركّزت إسرائيل، عبر حملاتها الإعلامية والدبلوماسية وضغوطها السياسية المرافقة للمجازر والاعتقال والتّنكيل اليومي بالمدنيين الفلسطينيين، على تزييف الواقع وترويج أكذوبة مفادها «أنّ الاحتلال ليس المشكلة بل المشكلة تكمن في المقاومة»، وأنّ إسرائيل «تعاقب هؤلاء الذين يشاغبون على سلام ممكن». بذلك تُصنّع تبريراً لجرائم احتلالها لفلسطين وتبتزّ البعض من العرب والعالم الأوسع بالتعاون معها من أجل «إحلال السلام» من خلال قمع المقاومة والتّنكيل الدموي بكلّ من يعترض على الاحتلال حتى ولو بالانتخاب الديمقراطي! والخطأ المصيري الذي يقع فيه هذا البعض من العرب الذين ساهموا في فرض الحصار على الفلسطينيين هو إلغاؤهم للذاكرة وعدم عودتهم إلى أحداث الماضي القريب أو البعيد ربما لعدم امتلاكهم الأرشيف المنظّم، لأنهم لو عادوا لاكتشفوا أنّ ارتكاب المجازر وسياسة القتل والتّهجير والتّنكيل بالفلسطينيين هي من ركائز قيام «إسرائيل» وفق أكذوبة الصهيونية الشهيرة بأنّ فلسطين «أرض بلا شعب». فهل كان هذا البعض من العرب مقتنعاً بهذه النظرية وتجاهلوا كلّ ما قامت وتقوم به إسرائيل يومياً من جرائم ضدّ الإنسانية، وتعاونوا معها لفرض الحصار على الشعب الفلسطيني بغية تطويعه من أجل قبول «سلام» مع «إسرائيل»!؟
ولمن يُساوره أدنى شكّ بأنّ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ورفضها التخلي عن أيّ جزء من هذه الأرض، هو سبب استمرار الصراع في منطقتنا، أطلب منه أن يفسّر رفض إسرائيل الفوري لمبادرة «مدريد باريس روما» للسلام في الشرق الأوسط، والتي أطلقها زعماء البلدان الثلاثة بهدف رفعها إلى برلين ولندن قبل أن تُعرض على مجلس أوروبا في كانون الأول. كما أطلب منه أن يفسّر لي رفض أولمرت من واشنطن، لأيّ مبادرة للسلام في الشرق الأوسط بحجّة أنّ الوقت غير مناسب، بينما وجد الوقت مناسباً لتوسيع عملياته الإجرامية في غزّة ومدن الضفّة المحتلة، وإعلان الاستمرار بجرائم الاغتيال لأبناء الشعب الفلسطيني المتواصلة يومياً من اغتيالات يومية واعتقال العشرات من خيرة أبناء فلسطين بغية كسر إرادة هذا الشعب الحيّ في الحرية والديمقراطية، والذي برهن «بإمكانات المقاومة المحدودة» حتى الآن، أنّ أكثر قوة عسكرية عاتية وأكثر الممارسات إجرامية في العالم غير قادرة على كسر إرادته.
وربما من منظور عدم استفزاز واستثارة «إسرائيل» وحليفتها الولايات المتحدة أتت ردود الفعل العربية الإعلامية والرسمية على مجزرة بيت حانون ردوداً مخزية لم ترقَ على الإطلاق إلى المستوى الذي يليق على الأقل بالأخوّة العربية، وإنما بالأخوّة الإنسانية، والتي كان يجب أن تنتفض وتغضب لمنظر النساء والأطفال يذبحون وهم نيام في منازلهم. وربما من هذا المنظور أيضاً يعمد البعض إلى استقدام قوات أجنبية إلى بلاده، ووضع بلاده عملياً تحت الاحتلال، كي لا يستثير غضباً أكبر وأخطر من العدوّ ومن يدعمه من دون قيد أو شرط. ولهذا نرى بعض الإجراءات العربيّة التي تُتخذ في أعقاب الاستباحة الإسرائيلية لكرامة وحقوق الإنسان في فلسطين، تكاد تكون «مضحكة» من إرجاء زيارة، إلى التساؤل عن بعض القضايا، إلى «دعوة» بعض الدول عبر الإعلام للضّغط على «إسرائيل» كي تُغيّر سياساتها، أو كي توقف خروقاتها، أو كي تتوقف عن التّنكيل بالشعب الفلسطيني وسدّ مصادر عيشه!! وكي تكتمل الاستهانة بالعقل العربي والمصير العربي، تُطلق آلة الإعلام الصهيونية، في أعقاب المجازر التي ترتكبها وآخرها مجزرة بيت حانون، عناوين يتبنّاها الإعلام العربي برمّته لتبرير تجاهل المجزرة بعد حدوثها، إذا لم نقُل لتبرير ارتكابها بنظر الرأي العام العالمي، فتمتلئ الشاشات العربية بخبر «تهديد القاعدة بنسف البيت الأبيض» أو «تهديد إرهابي كبير ضدّ بريطانيا» أو «ضبط قوات عربية كمية متفجّرات عند نقطة رفح الحدودية»، وإلى ما هنالك من أخبار مختلقة هدفها الوحيد التغطية على المجزرة التي تفاعلت في الإعلام الأجنبي لمدة أسبوع على الأقل، بينما اختفى أيّ حديث عنها في الإعلام العربي، حتى أنني حاولت أن أعرف اسم المرأة الشهيدة مع طفليها فلم أعثر على اسم. وتذكّروا أنّ تغييب أسماء الشهداء سياسة حديثة بدأتها إسرائيل بعد اغتيال الشهيد محمد الدرّة، الذي أثار حنق العالم، فقررت أن يصبح الشهداء العرب في العراق وفلسطين ولبنان أرقاماً مجرّدة لا تثير المشاعر ولا تؤثر في الذاكرة، بل تتكرّر كأيّ خبر على الشاشات من دون ذكر الأسماء والمعاناة الإنسانية لهم، والتي تثير التعاطف معهم والغضب على مرتكبي الجرائم بحقّهم. وفي حين أفضل ما كُتب عن مجزرة بيت حانون هو ما كتبه ريتشارد بوردو في جريدة «لوس أنجيلس تايمز» في 10 تشرين ثاني 2006 بعنوان «بالنسبة لعائلة في غزّة الصراع يضرب بيتها» فإنّ المتابع يُجبر على التساؤل: هل هناك حصار إعلامي عربي أيضاً على أخبار المجازر التي ترتكبها إسرائيل بحقّ العرب، وعلى سير الشهداء حالياً والتي قد نعلم بها حين يقرر العرب كسر هذا الحصار، واعتبار هذا «الكسر» إنجازاً؟! والسؤال الأجدى هو ما هو نوع الحصارات المفروضة اليوم على القضايا العربية في فلسطين ولبنان والعراق والسودان، والتي يجب أن نستنتجها من خلال قراءاتنا لأنها غير معلنة، وسوف نتحقّق منها أو يتحقق منها أبناؤنا فقط بعد أن يُتّخذ القرار «بكسر الحصار».
ونتيجة المتابعة والتحليل سوف أذكر باختصار حصارين مفروضين من قبل بعض العرب على قضايانا اليوم وكسرهما يخدم القضية العربية والوضع الدولي للعرب، فلا يعود وزراء خارجيّتهم خالي الوفاض لا حول ولا قوّة لهم أمام جبروت صديقهم الأمريكي المتربّص بحقوقهم وكرامتهم بالفيتو البغيض. الحصار الأول المفروض على البعد القومي لكلّ ما يدور في العراق وفلسطين ولبنان والسودان. فلا شكّ أبداً أنّ فلسطين هي القضية المركزية للعرب، رغم اتخاذ قرارات عربية باستقلال القرار الوطني الفلسطيني، فإنّ مأساة فلسطين جوهرية ليس فقط في الصراع العربي الإسرائيلي، وإنما في الصراع بين الشرق والغرب أو بين المسلمين والغرب الدائر اليوم. وتجاهل هذه القضية في بعدها القومي والحصار المضروب على الشعوب العربية للتركيز على قطر كلّ منها فقط هو أحد الأساليب التي يعتمدها أعداؤنا لإضعاف هذه الأمّة ودبّ الوهن والفرقة والانقسام في صفوفها. وللمفارقة، فإنّ المبادرة الأوروبية اليوم وما تحدّث به رئيس وزراء بريطانيا ووزيرة خارجيته عن العراق والشرق الأوسط، أكّدت على ضرورة الحلّ الشامل في منطقة الشرق الأوسط، نتيجة إدراك هذه القوى أنّ القضية الفلسطينية مركزية ليس للعرب فقط، وإنما للعالم الإسلامي برمّته، والذي يفرض الحصار اليوم على هذا البعد القومي للقضية، هم بعض العرب أنفسهم. والحصار الثاني قد يبدو بسيطاً، ولكنه لا يقلّ أهمية، هو الحصار المفروض على الفنّ القومي والأغاني الوطنية التي تلهب قلوب الشباب حماساً ووطنيّةً وتوحّد شعورهم القومي وتضبط نبضه من الخليج إلى المحيط. خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان انطلقت محاولات شعرية وغنائية وفنية تدعم عروبة القضية، وبعدها القومي بعيداً عن مقررات «الكبار»، ولكنّ معظم التلفزيونات العربية قاطعتها وفرضت حصاراً شديداً عليها، فهي لا تفرد مساحة لهذا التوجّه الذي يعكس الثقافة الواحدة لهذه الأمة وإرادتها وعدم رضوخها للعدوان، رغم كلّ المحاولات المجرمة لكسر إرادتها. وقد برهن الشباب العربي في عواصم عربية مختلفة، وهو يردّد مع جوليا بطرس أناشيد، تؤكّد صمود لبنان باعتباره انتصاراً للأمة وتعبيراً عن المشاركة في الهمّ العربي، وأنّ شعوبنا تتشاطر الحلم العربي، ولكنّ الحصار المفروض على قضاياها وعلى وحدتها وعلى تواصلها هو الذي يُعيق تقدّمها وقوّتها وانتصارها. فهل يقرّر هؤلاء العرب يوماً «كسر الحصار» المفروض على قضاياهم، في وقت يهدر البعض منهم جهده في استرضاء العدوّ خوفاً من عواقب شديدة، ولا عاقبة أقسى من إجراءات الحصار المتّخذة، فهي الأخطر والأدهى على مصير هذه الأمة. حين نعلن للعالم أنّ شهداء لبنان والعراق وفلسطين هم أحباؤنا جميعاً في كلّ قطر عربيّ، وأنّ كل نقطة دماء عربية مقدّسة لدى كلّ عربي، حينها سيحسب لنا العالم حساباً فلا يجرؤ على تبرير المجزرة بـ«الفيتو» الإجرامي، وسنطرد الخوف من بين صفوفنا فلا نعلن على الملأ أن جيوشنا عاجزة، ونعيش أعزّاء كرماء في ديارنا، صادقين مع شعوبنا وأنفسنا ومصيرنا، حينذاك فقط سنحظى باحترام العالم لنا وبوقوفه مع قضايانا.
- الشرق الاوسط
أحبّـائـــي !-بثينة شعبان
