هيئة علماء المسلمين في العراق

أصوليات وحروب-زهير قصيباتي
أصوليات وحروب-زهير قصيباتي أصوليات وحروب-زهير قصيباتي

أصوليات وحروب-زهير قصيباتي

رغم الهزيمة القاسية التي مرّغت أنوف الجمهوريين في انتخابات الكونغرس أخيراً، لا يبدو ان الرئيس جورج بوش ملّ معزوفة الإيديولوجيا التي لطالما برر بها السياسة الخارجية لإدارته، وغزواتها. في فيتنام نسي ان شعاراته، خصوصاً «ايديولوجيا الحرية في مواجهة الكراهية»، باتت باهتة في الولايات المتحدة فكيف بها في الخارج، هو الذي منع بالفيتو إدانة مجلس الأمن المجزرة الإسرائيلية في بيت حانون الفلسطينية. وهو بذلك يشجع حكومة ايهود أولمرت على ارتكاب مزيد من المجازر، ما دام للحساب وجه واحد: حصار دولي للشعب الفلسطيني بذريعة ان حكومته «إرهابية»، فيما ايديولوجيا الحرية ممنوعة عنه.

لم يمضِ أسبوع على ذاك الفيتو حتى «اكتشف» الوزير الإسرائيلي المكلف حقيبة القضايا الاستراتيجية، أفيغدور ليبرمان ان أقصر الطرق لمعالجة إطلاق الفصائل الفلسطينية صواريخ على الدولة العبرية هو «إرسال» قادة هذه الفصائل «إلى الجنة»، ومعهم ايضاً رئيس الوزراء اسماعيل هنية، أي تصفيتهم بحملة اغتيالات.

الأكيد ان لا حاجة للتساؤل مجدداً عن أي مكيال لإدانة فعل القتل، فلسطينياً كان أم إسرائيلياً، على رغم ان ذلك لا يلغي الفوارق بين مقاومة المحتل، وبين مجازر ترتكب باسم الأمن... بين المقاومة المشروعة وبين الإرهاب المنظم الذي لا يلقى أي حساب، لأن جنسيته إسرائيلية. الأكيد ايضاً ان ليبرمان الذي يصفه يهود بأنه فاشي وعنصري، استفز مشاعر المسلمين، إذ وجّه إليهم إهانة باستخفافه بالشهادة، ليضيف الى الصراع بعداً بغيضاً، وليحوّله صراعاً دينياً بين يهود ومسلمين.

وعكس ما يدعي، في كل ما فعل منذ دخوله البيت الأبيض، كان الرئيس جورج بوش وعقيدته استاذاً لعشرات من امثال ليبرمان، منذ جعل للإرهاب هوية «إسلامية» حصراً، مستنداً الى خدمات قدمتها «القاعدة» وتلامذتها، وأطلق سيف القوة العمياء، لتحاصره «انتصاراتها»... مشيعاً في العالم أجواء ذعر من كل ما هو إسلامي ومَن هو مسلم.

قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال جون ابي زيد، لا ينعت جميع المسلمين بالإرهاب، لكنه قلق على مصير العالم، واثق بأن شرارة حرب عالمية سيطلقها استخدام «التطرف الإسلامي» أسلحة نووية أو جرثومية. أبو زيد كالرئيس بوش يحوّل الأنظار مرة اخرى عن الورطة الكبرى للأميركيين في العراق، حيث خاضوا الحرب بكذبة أسلحة الدمار الشامل، وتفشّى التطرف والتكفير الجنوني كجرثومة سرطانية تكاد أن تذبح وحدة البلد واستقلاله المؤجل، وتقذف شظاياها في المنطقة.

وبافتراض سعي تنظيمات أو خلايا، تدعي لواء الدفاع عن مصالح المسلمين، الى امتلاك السلاح النووي، لا جدال في ان ذلك لن يكون في مصلحتهم، حين تخطف مجموعات أمن العالم رهينة باسمهم زوراً، بل المعضلة ان سياسات الغرب ما زالت تحشر كثيرين منهم في زاوية المتطرفين، وتجعلهم لقمة سائغة لهم، فيما تشتد رياح الجهل... فيصبح كل خراب ميزة لـ «الإسلامي»، وكل تقدم ميزة لخصمه.

الغرب ذاته مدان إذ يجعل كل مسلم فيه محاصراً بالشعور بالخيانة، يُظهر ما لا يُبطِن، وهو يصوّره جاهزاً للانقضاض على أمن المجتمع متى حانت ساعة الانتقام من «إذلال المسلمين في العالم». وبديهي ان التجسس عليه حتى في الجامعات، ليس من شأنه سوى رفع جدران العزلة من حوله، ومعها رياح الكراهية.

والحال ان العالم الذي نجحت استراتيجية بوش في خلق «العدو الإسلامي» ليقلقه، بعد العدو الشيوعي، محاصر بالفشل الرهيب في توحيد معايير العدالة، بالأحرى العجز عن رؤية منابع الظلم، لتجفيفها، وعن رفض الانقياد لكل معيار أميركي... العجز عن رفع الصوت للاعتراف بوجود إرهابيين في الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا وفي كل مكان، ولرفض «البلطجة» الإسرائيلية في فلسطين ولبنان، حيث الإرهاب إسرائيلي بامتياز، ولا يُسأل عن موجبات القرارات الدولية إلا أعداؤه.

لقد أهدر الغرب سنوات في مداراة «الأخ الأكبر» الأميركي، من دون ان يلتقط فرصة لتصحيح مساره العبثي. وإذ ضاعت عشرات السنين من التقارب بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، تحت ضربات التطرف والردود المتطرفة، فالأمن ليس أول ضحية، بل حوار المصالح الذي وحده يعيد التوازن والاتزان الى النظام العالمي.

وفي حال استعاد «الأخ» الأميركي صوابه من غطرسة الجمهوريين، بعد هزيمتهم في انتخابات الكونغرس، فإن الكبار في مجلس الأمن مدعوون الى إعادة تحديد أولويات ذاك النظام، إذا انتُزِع أولاً من التفرد الأميركي، لتطوير شراكة دولية جديدة. من دونها سيبقى لواشنطن وحدها ان تحدد العدو، تفتعله وتضخّمه، وتجند العالم لملاحقته. من دونها سينزلق الغرب «الديموقراطي» كله الى مواجهة خطرة مع الإسلامي، تختلط معالمها في حروب دينية تؤججها كل الأصوليات شرقاً وغرباً.



الحياة

أضف تعليق