هيئة علماء المسلمين في العراق

صيام شعبان .. ياعباد الرحمن
صيام شعبان .. ياعباد الرحمن صيام شعبان .. ياعباد الرحمن

صيام شعبان .. ياعباد الرحمن

شعبان شهر عظيم مبارك يتنزل فيه من رب العالمين العطاء الكبير لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب هذا الشهر ويخصه بخصائص ليست لغيره من الشهور إلا رمضان.


فالمتأمل في أحوال هذا الكون يجد أن من أعظم الدلائل على وحدانية الله وأكبر الشواهد على ربوبيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته أنه جلّ وعلا يختار ما يشاء من الأشخاص والأمكنة ويخص ما يريد من الأشياء والأزمنة لمقاصد عظمى تقوم عليها مصالح العباد فلا شريك له سبحانه يختار كاختياره «وربك يخلق ما يشاء ويختار» ومن الشهور المفضلة شهر شعبان أما وقد دخل علينا هذا الشهر المحبب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والناس عنه غافلة. فهل من وقفة وفاء لشعبان.


فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: لَمْ أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» رواه النسائي.


ومن شدة محافظته صلى الله عليه وسلم على الصوم في شعبان أن أزواجه رضي الله عنهن كن يقلن إنه يصوم شعبان كله مع انه صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شهر غير رمضان، فهذه عائشة رضي الله عنها وعن أبيها تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان. رواه البخاري ومسلم.


وفي رواية لأبي داوود، قالت: «كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصوم شعبان ثم يصله برمضان». ولشدة معاهدته صلى الله عليه وسلم للصيام في شعبان قال بعض أهل العلم: إن صيام شعبان أفضل من سائر الشهور وإن كان قد ورد النص أن شهر الله المحرم هو أفضل الصيام بعد رمضان. قال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» رواه مسلم.


وفي فضل التطوع بالصيام في شعبان على غيره من الشهور أنه قريب من رمضان ولذلك قال أهل العلم إنه يلتحق بشهر رمضان لقربه منه وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها فيلتحق بالفرائض في الفضل وهي تكملة لنقص الفرائض، فكما ان السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالنسبة للصلاة كذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه ولهذا يسن بعد انقضاء رمضان صيام ست من شوال فهي كالسنن الرواتب التي قبل وبعد الصلاة المفروضة.


ومن فضل التطوع بالصيام في شعبان ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم حين سأله أسامة بن زيد عن كثرة صيامه قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله وأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم».


فبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم السبب الأول أنه شهر الغفلة لأن الناس ينشغلون بشهر رجب لأنه شهر محرم وكذلك رمضان عن شهر شعبان ولما كان الناس ينشغلون بغير شعبان عن شعبان كان صلى الله عليه وسلم يعمره بالطاعة والصيام وفي هذا دليل على استحباب تعمير أوقات غفلة الناس بالطاعة وأن هذا العمل يحبه الله عز وجل ولهذا كان بعض السلف يصلون بين المغرب والعشاء ويقولون هي ساعة غفلة.


ومن الحكمة من كثرة الصيام في شعبان أن الأعمال تُرفع فيه إلى الله عز وجل حيث إن أعمال الليل ترفع بعد صلاة الفجر وأعمال النهار ترفع بعد صلاة العصر وأعمال الأسبوع ترفع يومي الاثنين والخميس وأعمال السنة ترفع في شعبان، فمع ان النبي صلى الله عليه وسلم غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يكثر من الصيام ويغتنم وقت غفلة الناس فماذا نحن صانعون؟


إن الصيام في شعبان هو تمرين على صيام رمضان حتى لا تحصل المشقة عند صيام رمضان ولقد كان سلف هذه الأمة يجدون ويجتهدون في شعبان ويتهيأون فيه لرمضان.


قال بعض السلف: شهر رجب شهر الزرع وشهر شعبان هو شهر سقي الزرع وشهر رمضان شهر حصاد الزرع، ومن لم يزرع في رجب ولم يسق في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان، فها قد مضى رجب وجاء شعبان فماذا أنت فاعل إن كنت تريد رمضان؟


فهيا بادر بالتوبة إلى الله عز وجل واعقد العزم على ترك الذنوب، فالله عز وجل هو الغفار، الغفور، الرحيم، التواب، فلا يعظم عليه ذنب مهما عظم الذنب فإن مغفرة الله تعالى أعظم منه ولهذا فتح باب التوبة لأن الله لا يريد من عباده أن يبعدوا عنه ولكن يريدهم أن يتقربوا منه ويقول لهم كما في الحديث القدسي: «وان تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة».


فمن أقبل على الله تائباً تلقاه من بعيد ومن أعرض عنه ناداه من قريب كما أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله..». فما ألطفها من عبارة إنهم العصاة المجرمون ومع ذلك لم يحرمهم شرف العبودية له وناداهم بهذا النداء المحبب «يا عبادي»، المهم أن تسارع إلى التوبة، أن تبادر ولا تسوِّف فأكثر أهل النار المسوِّفون.


فاحرص على صلاة الجماعة فإنها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم تفضل عن صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة. أيضاً من الأعمال المستحبة في هذا الشهر قراءة القرآن ليكون تدريباً لك على القراءة في رمضان. قال سلمة بن كهيل: كان يُقال شهر شعبان شهر القراء وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن . وكذلك الصدقة فاتها تطفيء غضب الرب


إن تقريرك السنوي يوشك أن يُرفع إلى الله عز وجل فهيا طيبه بما هو أطيب من رائحة المسك بالصيام كما قال المعصوم صلى الله عليه وسلم «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». فأكثر من الصوم فإنه لا مثيل له، قال صلى الله عليه وسلم: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له» والصوم جنة ووقاية من النار فلا تحرم نفسك ولو صيام يوم واحد. قال صلى الله عليه وسلم: «من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض» (صحيح الجامع 6333) .


وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله.
روى أحمد, وأبو داود والنسائي وابن ماجه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلا أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ.
ولفظ أبي داود : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنْ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ ) . صححه الألباني في صحيح أبي داود (2048) .43


فيا عباد الرحمن .. احرصوا على الصيام اقتداءا بالحبيب محمد صلى الله عليه وسلم , وتوبوا الى الله  وبادروا بالأعمال الصالحة ليرفع عنا الوباء والأمراض والاسقام وجميع بلاد المسلمين .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


محمد صادق أمين


أضف تعليق