طالب رئيس الوزراء العراقي ( المنتخب ديمقراطيا) نوري المالكي، امام اساتذة وطلاب جامعة بغداد، منذ ايام، غداة خطف ما يزيد علي المئة موظف ومراجع من وزارة التعليم العالي، في وضح النهار ومن قبل قوات كانت ترتدي الزي الرسمي لمغاوير الشرطة
وتوجهوا الي الوزارة في موكب مكون مما يزيد علي العشرين مركبة من مركبات الشرطة، طالب باعتقال الخاطفين وليس الاكتفاء بالافراج عن المخطوفين. وهذه المطالبة رائعة وتستحق التقدير لولا انها أولا صادرة من شخص يفترض بانه رئيس وزراء دولة ديمقراطية تستند الي حكم القانون، وتسنده أقوي دولة في العالم بجيشها ومعسكراتها ومعداتها، وليس ناشطا طلابيا او عضوا في احدي منظمات المجتمع المدني يقدم عريضة طلب للحصول علي الدعم والمساندة لتمكينه من تنفيذ مشروع ما. ثانيا : لمن وجه رئيس الوزراء المنتخب طلبه، او بالاحري من هي الجهة التي طالبها باطلاق سراح المختطفين واعتقال الخاطفين؟ هل وجه طلبه الي الطالباني، رئيس الجمهورية، الذي يتصرف عموما وكأنه ضيف اجنبي وافد الي العراق وليس من اهله؟
هل طالب المالكي مستشاريه من العسكريين الامريكيين الذين يلتقي بهم اكثر مما يلتقي بأي من ابناء الشعب العراقي؟ أم انها قوات الجيش الخاصة الموجهة من قبل المستشارين الامريكيين؟ هل سأل فرانك رامازيل، المستشار الامريكي لوزارة العدل اسميا والمشرف علي العمل اليومي فعليا؟ أم انه طالب وزير الداخلية وهو المشرف علي السجون الخاصة؟ ام انه وجه عريضته الي قادة الميليشيات ـ الوزراء والمتنفذين في حكومته المتحصنة في المنطقة الخضراء؟ أم لعلها قيادة الجيش الامريكي التي قدم هوشيار زيباري، وزير خارجيته، في اليوم نفسه، طلب تمديد بقائها كقوات احتلال للعراق؟ هل أدرك المالكي، أخيرا، ومعه ( لملوم) المنطقة الخضراء المنقسمة علي نفسها، وبعد ان وصلت دماء المواطنين، بلا تمييز، الي الركب في شوارع مدننا الحبيبة وضاقت بالجثث ثلاجات الطب العدلي، حجم الكارثة التي نسجوها لابناء امتهم؟ هل استوعب المالكي ومن حوله أي منحدر جروا العراق اليه عندما زرعوا بذرة التفرقة والمحاصصات والتقسيم والتفتيت، أو في أحسن الاحوال، عندما صمتوا مطأطئي الرؤوس وهم يرون المحتل وهو يزرع بذور التفرقة والشقاق؟
هل فهم كل من صال وجال في مؤتمرات وزارة الخارجية الامريكية والبريطانية، مساهما في عملية الاعداد لغزو العراق واحتلاله، بانه خلق الطائفية كالعالم الذي ظن نفسه مستنيرا فخلق فرانكشتاين الكائن المشوه ليسخره في خدمته فكان اول عمل قام به الكائن هو قتل من خلقه، لينطلق خارج العالم المحدد له، حرا ليعيث في الأرض فساداً وفي الناس قتلاً.
ألم يفهموا، وهم (المستنيرون) ان الطائفية التي ساهموا في خلقها لتسخيرها في خدمة مصالحهم هي الكائن المشوه الذي فقدوا السيطرة عليه فانطلق في الارض تشويها وتعذيبا وقتلا وسيبتلعهم جميعا بلا استثناء؟
ألا يعلم المالكي الذي قال في تصريحه الاخير: (البلد يمر بأزمة نحن صنعناها فلنتق الله بحق هذا البلد وكفانا ازمات)، ان كلمة الازمة التي استخدمها لوصف مايجري للمواطنين في ظل حكومته هي اهانة اخري بحق الشعب انها مفردة المقصود منها غسل يديه من المسؤولية القانونية والاخلاقية تجاه المواطنين وهي لاتقل احتقارا للمواطن من مفردات جيش الاحتلال الامريكي عندما يقوم بقتل او نحر اهلنا.
يقول المالكي البلد يمر بأزمة. أزمة؟ هل قتل 650 ألف مواطن عراقي هي أزمة؟ هل اخلاء البلد من مواطنيه هو مجرد أزمة؟ هل تفريغ العراق من عقوله من علمائه واساتذته واطبائه هو أزمة؟ متي تصبح الازمة جريمة حرب؟ كم من الضحايا بعد؟ كم من الجثث المدفونة في اكياس النايلون، بلا هوية، نحتاج لتقديم المسؤولين عن المقابرالجماعية الي المحاكم؟
ولعل من المفيد تذكير المالكي ببعض جوانب ( الازمة) التي غطتها في الايام الاخيرة حادثة اختطاف وزارة التعليم العالي. اذ قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي عبد ذياب العجيلي إن الخاطفين الذين احتجزوا عشرات الاشخاص من مبني تابع لوزارته عذبوا وقتلوا بعض الرهائن وذلك استنادا لاقوال مخطوفين اطلق سراحهم لاحقا. مشيرا في تصريح لوكالة رويترز يوم الخميس الي ان نحو 70 رهينة أطلق سراحهم من بين 150 من الموظفين والمراجعين، وإن الباقين قتلوا او عذبوا طبقا لأقوال الاشخاص الذين أطلق سراحهم. مكررا عزمه علي مقاطعة الحكومة حتي الافراج عن كل الرهائن.
وكما يفعل القادة العسكريون في ساحة الحرب، قامت وزارة التعليم بتشكيل غرفة عمليات لمراقبة تطورات الوضع. كما قررت وزارة التجارة مواجهة ( الازمة) بطريقتها الخاصة فشكلت هي الاخري غرفة عمليات لارسال مساعدات غذائية إلي العوائل المهجرة قسراً في منطقة سيف سعد في محافظة ديالي بغية مساعدتهم علي مواجهة ظروف الحياة الصعبة.
وأوضح مدير المكتب الإعلامي في الوزارة بأن وزير التجارة عبد الفلاح السوداني أوعز إلي شركات الوزارة كافة التنسيق بغية ارسال المساعدات العاجلة، وأضاف أن الوزارة شكلت غرفة عمليات في احدي الصومعات بغية الإسراع في تنفيذ أمر الوزير ومعالجة المشاكل الغذائية لأبناء تلك المناطق. والمعروف ان أحد جوانب (الأزمة) فضلا عن قتل المواطنين بشكل مباشر وبمعدل المئات يوميا،، هو تهجير مايزيد علي المليون مواطن قسرا في طول البلاد وعرضها واسكانهم في مخيمات لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء ويعانون من قلة او انعدام الخدمات فضلا عن حرمان الاطفال من التعليم، كما ان عدد المهاجرين الي البلدان المجاورة قد وصل المليون والنصف، حسب احصائية مكتب الامم المتحدة في العراق.
وفي ظل فضيحة الاختطاف مرت مجزرة حي الضباط بمدينة الرمادي مرورا لم يستوقف أيا من المسؤولين في حكومة المالكي. اذ قصفت قوات الاحتلال الامريكية بشكل مكثف بطيرانها ومدافع دباباتها منازل الأهالي وأماكن لهوهم في حي الضباط يوم الثلاثاء الماضي. مما أدي إلي مقتل أكثر من 30 مدنيا وجرح العديدين إضافة إلي تدمير سبعة منازل وإلحاق أضرار بعدد آخر منها دون سبب محدد. وكالعادة، منعت قوات الاحتلال وصول سيارات الإسعاف وفرق إطفاء الحرائق إلي الأحياء المتضررة.
وللمرة المائة او اكثر، يتم استهداف الصحافيين، لاسكات الاصوات التي قد تجرؤ علي نقل صورة ما يجري الي العالم الخارجي بعيدا عن التضليل الرسمي. حيث تم اغتيال فادية محمد علي الصحافية بصحيفة المسار هي وسائقها علي أيدي مسلحين أثناء توجهها لعملها في الموصل بشمال العراق. كما اغتال مسلحون مراسلة صحيفة الدستور في بعقوبة لمي رياض في هجوم بمنطقة التحرير في بعقوبة. فمن يجرؤ علي الكتابة وارسال التقارير الصحافية بعد ذلك؟ هل يجرؤ رجل؟ هل تجرأ امرأة؟ وماذا عن جثة المرأة التي تم انتشالها من نهر دجلة في سامراء شمالي بغداد، وكانت المرأة مقيدة اليدين ومصابة بطلقات نارية في الرأس؟ من هي هذه المرأة؟ ابنة من؟ أم من؟ زوجة من؟
لماذا لا نسمع صوت الاحتجاج عاليا علي تعذيب النساء وقتلهن؟ لماذا لانسمع اصوات عضوات المجلس النيابي، وعضوات المنظمات النسوية الديمقراطية، وما اكثرهن، مدافعات عن حق المرأة في الحياة والموت بكرامة، علي الاقل؟ لماذا الصمت المطبق علي الجرائم اليومية التي ستبقي آثارها منعكسة علي حياتنا ومستقبل ابنائنا لاجيال مقبلة، بينما تتعالي اصواتهن في الندوات والمؤتمرات المدعومة ماديا وبسخاء كبير من المنظمات الامريكية، مطالبة بتغيير المادة الفلانية والعلانية في الدستور، وكأن كتابة الدستور هي الاداة السحرية التي ستضع حدا لكل الشرور والاثام؟
الا يدرك رجال ونساء الاحتلال بان الوحش الطائفي الذي ساهموا في خلقه بات قاب قوسين او ادني منهم؟ وان الصمت علي ارتكاب الجريمة هو مساهمة في ارتكاب الجريمة، مهما كانت رونقة الكلمات التي يستخدمونها وزهاء العروض التي يقدمونها تحت مظلة الديمقراطية التي باتت حمراء قانية لفرط تناثر دماء الضحايا عليها!
المقالات لا تعبر بالضرورة عن راي الهيئة
العراق: ساعة تبتلع الطائفية خالقيها! - هيفاء زنكنة
