هذه السطور مســـــــاهمة فـــــي حوار بين بعــــض الاخوة حول أبعاد اغتـــيال الشهيد واخوانه من العلماء، في موقع hp://abutamam.blogspot.com/ لكنه يطرح أفكارا ذات فائدة عامة.
أود أن أنقل اليكم بعض أجواء مجلس الفاتحة المقام علي روح الشهيد عصام كاظم الراوي والحفل التأبيني الذي تلاه، والذي انعقد في جامع ريجنت بارك في لندن يوم الخميس الماضي 2 تشرين الثاني (نوفمبر).
لقد كانت أجواء المجلس مؤثرة، أراها مساهمة في التخلص التدريجي من الضباب الكثيف الذي يغطي العراقيين، ومن ضمنهم النخب الثقافية والأكاديمية التي ليس لنا من أمل بخروج البلد من كارثته الراهنة قريبا بدونهم. وقد بدا لي كأن العالم الجليل قد نجح حتي في وفاته في تحقيق بعض ما هدف اليه في حياته.
لقد شعرت بسيادة أجواء الوحدة الاسلامية والعراقية علي الحفل التأبيني، متمثلة بكلمات مفعـــــمة بالأسي والمعاني من قبل مثقفين عراقيين وعرب من المذاهب الاسلامية المخــــتلفة ومن دون مذهب معين. ولا أقول هذا اعتــــباطا أو تفاؤلا فلست اليوم من المتفائلين. لكـــن هناك أضـــواء وبراعـــم في هذا لجو الكئيب.
كانت أهم المساهمات بالنسبة لي، ولعدم كوني علي قرب من عائلته أو أوساطه، كلمة الدكتور أحمد كاظم الراوي، شقيق الفقيد. فقد غطت الكلمة جوانب حياته، وبضمنها سجنه وتعذيبه واعدام أربعة من رفاقه في سجن أبي غريب في الثمانينات وسجنه ثم الغاء حكم الاعدام بحقه بعد تدخلات واسعة، ثم اطلاقه بعد سنين، واقتناعه المتردد بالهجرة الي الخارج ثم اصراره علي العودة قبيل الاحتلال، ثم رفضه للعملية السياسية خلافا لرفاقه، ثم مشاركته في هيئة علماء المسلمين وتأسيسه لرابطة التدريسيين الجامعيين. واضافة لشرح الأسلوب العلمي الرزين في توثيق الجرائم بحق الأكاديميين وعائلاتهم، وسعة علاقاته الممتدة عبر محافظات العراق، والتي ليس للمذهب فيها من دور، فقد تطرقت الكلمة لدوره في التصالح والتفاهم بين الجماعات السياسية المختلفة.
أعتقد أنه يجب التوقف عند دورالوساطة العملي هذا الذي كان د. عصام يقوم به بشجاعة فائقة، لأن فيه محور الأمر وسبب استهدافه. فقد ذكر الدكتور أحمد زيارة الشهيد عصام للكاظمية للقاء أصدقائه في التيار الصدري هناك في عز فترة الاحتقان الدموي في بغداد الذي تلي تفجير قبتي الامامين الهادي والعسكري. فقد استغربوا قدومه بدون حراسة فأجابهم بما معناه وهل يحتاج أحد للحراسة كي يزور قبر جده؟ أنتم حراسي . وعندما سئل الشيخ جواد الخالصي، والذي أقيم مجلس العزاء علي الفقيد عصام في مدرسته بالكاظمية، حول السبب المباشر لاغتيال الشهيد، ذكر أن استهداف كل من يقوم بجهود المصالحة والتفاهم في أطر مناهضة الاحتلال أمر متكرر واضح. والواقع أن من الممكن متابعة هذا الأمر بعد أي جهود للتصالح بين العشائر كما حدث بين العشائر المحيطة بالمشاهدة والتاجي وحوالي بلد والضلوعية.
ومن المنطقي لأي أجندة تسعي للتقسيم، أو حتي لاضعاف العراق عبر المحافظة علي القدرة علي التلاعب من الخارج بمكونات سياسية ضعيفة، أن تستهدف أية جهود تسمح لتلك المكونات أن تتفاهم أو تجد حلولا لمشاكلها ضمن الكيان الموحد. لذلك أجزم أن كل مثقف عراقي يسعي في اطار جماعته للتقارب من الجماعات الأخري سيكون مستهدفا للتصفية الجسدية او المعنوية.
وبالطبع فإن أي تصفية لجهود الوحدة الاسلامية والوطنية يتم حاليا عبر العصابات المحترفة المتزايدة الانتشار أو يتم تغطيته بقوائم تصفيات طائفية. وكان ملفتا للنظر ما ذكره د. أحمد من أن الدكتور عصام قد استلم في الاسابيع الثلاثة السابقة لاستشهاده ثلاثة تهديدات أحدها من جهة تدعي ارتباطها بتنظيم القاعدة، كانت مسؤولة عن جرائم ضد الاسلاميين المشتركين في العملية السياسية، أي خارج أي استهداف للاحتلال أو القوي العراقية المسلحة التي تعمل تحت امرته، والتي من المفهوم استهدافها. وكذلك فان القوات الأمريكية كانت قد داهمت مكتبه قبل اسبوعين من اغتياله، ولم تستخدم المفاتيح التي قدمها لهم الفراش، بل كسروا الأبواب والمحتويات.
أعتقد أن من الممكن فهم التسلسل الفكري لسيادة فكر التطرف، سواء مدفوعا به من قبل الاحتلال والموساد بشكل مباشر أو غير مباشر، والمؤدي الي دوامة القتل ، كالتالي:
ہ أنت عدوي لأنك مع العدو (القديم أو الجديد) بالعمل أو القول،
ہ ثم لأنك لا تحارب العدو كما أحاربه أنا،
ہ ثم لأنك لا تحارب ضد من يعمل مع العدو كما افعل أنا
ہ ثم لأنك لا تحارب من لا يحارب من يعمل مع العدو
ہ وهكذا، حتي الوصول الي تصفية الأقربين لأبسط اختلاف في الاجتهاد.
من الواضح أننا في العراق قد مضينا شوطا في هذا الطريق، بفضل الأحزاب الطائفية أو أطراف معينة فيها، ويجب العمل الاعلامي والفكري لوقف الانحدار أكثر. فكيف نواجه هذا التسلسل؟ ربما تكون المواجهة بطرح مسلسل مقابل كالتالي:
ہ أنت حليفي لأنك تقاتل الاحتلال بالسلاح ومستعد للتضحية بحياتك فيها، وأنا أمجدك وأدعمك
ہ أو لأنك تناهض الاحتلال بالكلمة والدعوة وتدافع عن حق المقاومة المسلحة
ہ أو لأنك في مجري عملك التقني تحمي أملاك العراق وحقوق الوطن والمواطن وتخدمه بصرف النظر عن الاحتلال
ہ أو بشكل أضعف لأنك وان خدمت مصالحك بالقبول بالاحتلال كأمر واقع، تحاول أن تخفف من أضراره
ہ وحتي ان كنت قد انجررت لمساومات وخطايا في الماضي، فأنت مستعد لاسناد النضال الوطني والعودة لصفوف الشعب، بدون توقع لأن تلعب فيما يأتي أي دور عام.
ان العراق يقاوم علي جبهة عريضة و مستويات مختلفة، وبحاجة الي كل أبنائه في هذا الوقت وعندما يحين وقت البناء، مهما كانت اجتهاداتهم وفصائلهم في الماضي. ولا يلغي ذلك مسؤوليات الماضي، لكن العمل الراهن يكفر عن الخطايا والأخطاء بأبلغ من الكلام، أو هو يشطب حسنات حقيقية أو وهمية لجهات عراقية كلها غرقت في الأخطاء حتي وصلنا الي ما وصلنا اليه. ولا أعتقد من فائدة في المزايدات أو التنديد ببعضنا البعض في وضعنا المأساوي الراهن.
ومن جوانب العمل هذا انتباه مثقفي اليسار والعلمانيين والقوميين لدورهم فيما بينهم وتعاونا مع الاسلاميين كما مع كل فئات المجتمع الأهلي التقليدي. فمن الواضح أن التعصب وافتراض سوء النية واستنفار العواطف والصور التأريخية والمقارنات يمكن معادلتها بالعقلانية والموضوعية، والبناء الهادف للثقة والحلول العملية. انني أعتقد أن احدي أولويات النخب الثقافية أن يرحمونا ويرحموا أنفسهم في أسلوب معالجاتهم، وأن ينتبهوا للفرق بين الحوار الهادف للتفاهم وبين تسجيل النقاط الهادفة لكسب معارك كلامية لا فائدة منها. وذلك بصرف النظر عن هزيمة الاحتلال الوشيكة واخراجاتها الاقليمية والمحلية.
-كاتب من العراق يقيم في لندن
القدس العربي
استهداف د. عصام كاظم الراوي كان بسبب جهوده التوحيدية
