ما يزال الوقت مبكرا لاستشراف أي تغيير محتمل في السياسات الخارجية الامريكية بعد الفشل الذي مني به الجمهوريون في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ، بسبب فشل سياسات الرئيس جورج خصوصا في العراق.
والسؤال الآن ليس ما اذا كان سيحدث تغيير، بل متي وما حجمه؟ فثمة حقائق أصبحت أكثر وضوحا في ضوء الفشل الذريع الذي أنهي الحياة السياسية لوزير الدفاع، دونالد رامسفلد، وقد يكون بداية النهاية لتيار المحافظين الجدد، ومن بينهم نائب الرئيس، ديك تشيني وريتشارد بولتون، سفير واشنطن لدي الامم المتحدة. هذا التيار أصبح يمثل خطرا علي العالم، ليس في نظر العرب والمسلمين فحسب، بل في نظر الغربيين ايضا. وقد أظهر استطلاع للرأي العام اجري في الايام الاخيرة في كندا وبريطانيا والمكسيك ان 69 بالمئة من البريطانيين، و62 بالمئة من الكنديين و 57 من المكسيكيين و 36 بالمئة من الاسرائيليين يعتقدون ان سياسات بوش الخارجية جعلت العالم أقل أمنا. وبرغم الاعتقاد السائد بان هذا الاعتقاد تبلور بسبب فشل سياساته في العراق، فان استطلاعات سابقة علي تلك الحرب جاءت بنتائج مماثلة. ففي مثل هذه الايام قبل اربع سنوات أظهر استطلاع قامت به مؤسسة صندوق الحكمة الامريكي ان الرئيس بوش اكبر تهديد للعدل والسلام . فقد حصل بوش في ذلك الاستطلاع علي 54 بالمئة، وأسامة بن لادن 24 بالمئة وصدام حسين 21 بالمئة. وأظهر استطلاع أجري مؤخرا في الولايات المتحدة ان غالبية الامريكيين تعتقد ان الحرب في العراق قد فشلت، الامر الذي انعكس في الانتخابات الاخيرة التي خسر فيها الحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه بوش السيطرة علي مجلسي النواب والشيوخ. واصبح علي الرئيس الامريكي ان يقضي العامين المتبقيين من رئاسته في حالة من الجمود لانه لن يستطيع تمرير اي تشريع لا يوافق عليه الديمقراطيون المناوئون لسياساته.
استطلاعات الرأي العام قد لا تكون مقياسا حقيقيا للرأي العام، ولكنها مؤشر مهم لاتجاهاته. وفي عالم اصبحت الممارسة الديمقراطية فيه منتشرة في اغلب البلدان، فان لهذه الاستطلاعات مضامينها العملية في استجلاء موازين القوي في تلك البلدان. فمثلا أغلب شعوب أمريكا اللاتينية، صوتت لصالح زعماء ذوي اتجاهات يسارية، مناوئين للسياسات الامريكية. وجاء فوز دانيال اورتيغا في الانتخابات الرئاسية الاسبوع الماضي في نيكاراغوا، ليضيف الي متاعب الولايات المتحدة الامريكية. وهذا يعني فشل سياسات واشنطن، ليس في بقية انحاء العالم فحسب، بل في أمريكا اللاتينية التي تعتبر الساحة الخلفية لها. ففي الاعوام الاخيرة أصبح أغلب بلدان تلك القارة محكوما بزعماء واحزاب محسوبين في خانة العداء للسياسات الامريكية، وهو ما لم يحدث من قبل. فخلال الحرب الباردة، كانت كوبا تمثل حالة شاذة بعد الثورة الشيوعية التي قام بها فيدل كاسترو في 1959. وعلي مدي العقود الثلاثة اللاحقة بذلت الادارات الامريكية المتعاقبة جهودا هائلة لدعم انظمة حكم موالية لها في بلدان تلك القارة. لكن تلك السياسة لم تؤد الا الي المزيد من الاحتقان والتوتر، لان تلك الحكومات جسدت الاستبداد في أبشع صوره، كما حدث في تشيلي والسلفادور ونيكاراغوا والارجنتين، وأدت الي حالة استقطاب ايديولوجي وسياسي ادي الي الوضع الذي تعيشه تلك البلدان حاليا. فقد أصبح أغلب الزعماء المنتخبين من ذوي الاتجاهات اليسارية المناوئة للسياسات الامريكية. فبالاضافة الي كاسترو، يمثل هوغو تشافيز، رئيس فنزويلا، ولولا رئيس البرازيل، وتباري فازكويز رئيس أوروغواي وغيرهم توجها عاما مغايرا لما كانت الولايات المتحدة تخطط له.
ويأتي فوز أورتيغا بعد ستة عشر عاما من خروجه من الحكم في الانتخابات التي اجريت في 1990، وسعي للعودة عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات الاربعة اللاحقة، حتي فاز هذه المرة. وبرغم سعيه لطمأنة واشنطن بانه قد تخلي عن الماركسية والتزم اليسار الوسط، فان واقع بلاده والحاجة لدعم خارجي من كاسترو وتشافيز سيدفعه تدريجيا الي خندق المعادين للولايات المتحدة. ولوحظت نبرته الهادئة تجاه واشنطن في خطابه الاول بعد اعلان النتائج، قائلا: أتمني ان تستمع الادارة الامريكية لصوت شعبها، وتسحب قواتها من العراق، وتنهي تلك الحرب... فقد دفع الجمهوريون ثمن تشبثهم بحرب رفضها العالم . واشنطن، من جانبها، تشعر بالمرارة الكبيرة وهي تشاهد عودة واحد من اشد مناوئيها التاريخيين في امريكا اللاتينية، الذين خاضت معهم معارك كبيرة في السابق. فقد كانت واشنطن تدعم الحكم الذي هيمنت عليه عائلة سوموزا علي مدي اربعة عقود، حتي قيام ثورة جبهة التحرير الوطني الساندينية واسقاط حكم أناستاتيو سوموزا في 1979. وبعد سيطرة الساندينيين بزعامة اورتيغا علي السلطة، بدأت واشنطن في التخطيط ضدها. وفي 1981 بدأ رونالد ريغان خطة شاملة لمواجهة الحكم الجديد، متهما اياه بالتعاون مع كوبا والاتحاد السوفييتي لتسليح ثوار السلفادور ضد نظام دوارتي المدعوم من واشنطن. بدأت الحملة بوقف كافة المعونات الامريكية لنيكاراغوا، وتدريب قوات الكونترا التي تشكلت من ضباط الحرس الوطني في العهد السابق، التي استلمت اسلحة من اسرائيل ايضا. وتعمقت الازمة تدريجيا فيما لجأ الساندينيون للحصول علي مزيد من الدعم العسكري والامني من اوروبا الشرقية وكوبا والاتحاد السوفييتي. وفي 1985 قرر الكونغرس الامريكي وقف الدعم لقوات الكونترا، فقامت ادارة بوش، في المقابل، بفرض حصار اقتصادي شامل علي نيكاراغوا، الامر الذي ادي الي مشاكل اقتصادية كبيرة. ثم سعت ادارة بوش للحصول علي مصادر دعم اخري لدعم قوات الكونترا، وهنا تم الكشف عما سمي وقتها بـ صفقة ماكفارلين التي تم بموجبها بيع بعض الصواريخ لايران، واستعمال العائدات لدعم تلك القوات. وتواصلت المواجهات العسكرية بين الطرفين حتي توصلا الي اتفاقية ادت الي مشاركة الجميع في الانتخابات التي اجريت في 1990 والتي خسرها الساندينيون. وبعودة اورتيغا الي الرئاسة مجددا، يفتح فصل آخر في ملف الشد والجذب بين الامريكتين.
هذه التطورات تكشف عددا من الحقائق. اولها ان السياسات الامريكية الخارجية ما تزال مضطربة وغير محكومة باستراتيجية واضحة. فمن ايران الثورة الي امريكا اللاتينية الي الصومال وافغانستان وصولا الي العراق، يمكن ملاحظة هذا الاضطراب بشكل واضح، الامر الذي زاد الوضع الدولي تعقيدا، بدلا من حل اشكالاته. ومن مصاديق هذا الاضطراب، عدم وضوح الاستراتيجية الامريكية في ما أطلقت عليه الحرب ضد الارهاب .
وهناك ما يشبه الاجماع علي ان هذه الظاهرة تعمقت بعد حرب العراق ولم تستطع الولايات المتحدة ليس القضاء عليها، بل حتي احتواءها. وتظهر استطلاعات الرأي العام تصاعد اعداد الذين يعتقدون ان طريقة ادارة البيت الابيض لحرب ضد الارهاب غير فاعلة، ويعتقد ثلث الامريكيين في استطلاع رأي الاسبوع الماضي ان الولايات المتحدة قد خسرت الحرب ضد الارهاب. ثانيا: ان فشل الجمهوريين في الانتخابات الاخيرة يعكس تعمق شعور المواطنين الامريكيين بفقدان الامن، وخشيتهم من ان يؤدي استمرار الرئيس بوش في سياساته الي المزيد من الازمات والاضطرابات الامنية. ثالثا: ان هذه النتائج سوف تؤثر سلبا علي تيار المحافظين الجدد وقد تقضي عليهم كتيار سياسي فاعل. فقد بدأ تراجعهم باستقالة ريتشارد بيرل، نائب وزير الدفاع في 2004، الذي كان أحد اعمدتهم والمنظرين لسياساتهم. وقبل بضعة ايام كتب مقالا اعترف فيه بخطأ قرار الحرب ضد العراق، وقال لو عادت عقارب الساعة الي الوراء فلربما كان هناك منحي آخر للتعاطي مع مقولة أسلحة الدمار الشامل وصدام حسين.
جاءت استقالة رامسفلد ضربة قوية لهذا التيار، ويتوقع ان يلحق ذلك إقصاء ديك تشيني من منصبه. ولوحظ في الوقت نفسه محاولات مستعجلة من الرئيس الامريكي لاعادة قراءة الملف السياسي والعسكري في ما يتعلق بالارهاب والعراق. ولكن هذه القراءة لن تؤدي الي تقويم الوضع ما لم يكن ذلك مشفوعا باعادة النظر في أزمة الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. فهناك ادراك شامل بان هذه القضية يجب ان تحظي باهتمام خاص من الساسة الامريكيين، لانها أم المشاكل في المنطقة. ولو تحرك لوبي عربي اسلامي في الفترة المقبلة للضغط علي الادارة الامريكية فلربما يحدث تغيير ما في موقفها، خصوصا في ضوء الاخفاقات العسكرية والاخلاقية الاسرائيلية، والآثار السلبية لذلك في اللاشعور الانساني والاسلامي ازاء واشنطن.
ولا يمكن فصل الفشل الامريكي في العراق عن الفشل الاسرائيلي في لبنان، او فشل سياسات البيت الابيض في الصومال او امريكا اللاتينية او افغانستان، او الحرب ضد الارهاب، او المواقف الامريكية عموما ازاء الهموم الانسانية المشتركة مثل العدالة الدولية وقضايا البيئة والامن والاستقرار الدوليين. وفيما بدأ بوش في اعادة هيكلة ادارته في ضوء الخسائر الانتخابية الاخيرة، تتصاعد الضغوط عليه لجدولة انسحاب القوات الامريكية من العراق. فقد اصبح ذلك مطلبا دوليا، تشارك فيه الحكومة العراقية نفسها. يتزامن ذلك مع اقتراب موعد التجديد للقوات المتعددة الجنسية المزمع عقده الشهر المقبل، واقتراب العراقيين من موقف مشترك يطالب واشنطن بجدولة الانسحاب، ضمن شروط تسعي حكومة نوري المالكي لالحاقها بالموافقة علي التمديد. فلا معني لهذا التمديد اذا كان سيكرر الوضع المأساوي الذي شهده العراق في الاثني عشر شهرا الاخيرة، التي تصاعد فيها العنف و الارهاب، مع اصرار قوات الاحتلال علي منع السلطات العراقية من ممارسة سيادتها.
لقد اقتربت مواقف الفصائل العراقية، بشتي أطيافها، ازاء قضية الاحتلال، بعد ان فشل في توفير الامن لأهل العراق، وشجعت سياساته علي الفساد والنزعات نحو الانفصال، وفقدان الامن. لقد اصبح الساسة الامريكيون يشعرون انهم لم يلاقوا الترحيب الذي كانوا يتوقعونه عندما شنوا الحرب ضد العراق، ولم يستقبلوا استقبال الفاتحين، بل اصبحت بؤر المقاومة ضد وجودهم تتوسع بشكل مخيف.
د. سعيد الشهابي
- القدس العربي
الانتخابات الامريكية: سقوط الصقور لا يعني تحليق الحمائم
