هيئة علماء المسلمين في العراق

حب الوطن فطرة في النفوس السوية ... محمد صادق
حب الوطن فطرة في النفوس السوية ... محمد صادق حب الوطن فطرة في النفوس السوية ... محمد صادق

حب الوطن فطرة في النفوس السوية ... محمد صادق

حب الوطن غريزة فطرية حب الوطن رمز الانتماء والهوية وهو تأريخ للاجداد والآباء فحقيقة حب الأوطان أقرَّتْها شريعة الإسلام، وأحاطَتْها بحُقوق وواجِبات رعاية لمصالِح الدين والدنيا معا . يشترك فيها الإنسان مع غيره، فيألف أرضه ولو كانت قفرا مستوحشا، ويستريح إلى البقاء فيه على علاته، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هوجم، ويغضب له إذا انتقص.


هواؤه لديه عليل ولو كان محملا بالغبار، وماؤه زلال ولو خالطته الأقذاء والأكدار، كما قال القائل.


قال ابراهيم الآدهم : (عالجت العبادة فما وجدت شيئا اشد عليه من نزاع النفس الى الوطن ) . فهو اذا جلس قي مكة مثلا ـ نازعته نفسه بالرجوع الى بغداد . وقال ايضا : ( ما قاسيت فيما تركت شيئا اشد علي من مفارقة الاوطان ) .


ولو تأملنا في نصوص الشرع فإننا نجدها لا تأبى هذا الحب ولا ترفض هذا الولاء ما دام منضبطا بضوابط الشرع،  ولعل خير دليل على ذلك ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، بعد أن خرج من مكة، ووقف على حدودها، التفت إليها قائلا: ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك.1]


ولما أخبر ورقة النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بأن قومه سيكذبونه ويؤذونه ويخرجونه ، قال: بأبي هو وأمي أو مخرجي هم؟ قال السهيلي: وفي حديث ورقة أنه قال لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – لتكذبنه، فلم يقل له النبي – صلى الله عليه وسلم – شيئا، ثم قال: ولتؤذينه، فلم يقل النبي – صلى الله عليه وسلم – شيئا، ثم قال: ولتخرجنه، فقال: أو مخرجي هم؟


الاستفهام الإنكاري ها هنا دليل على شدة حب الوطن وشدة مفارقته على النفس، وأيضا فإنه حرم الله وجوار بيته وبلد أبيه إسماعيل، فلذلك تحركت نفسه عند ذكر الخروج منه ما لم يتحرك قبل ذلك فقال: أو مخرجي هم؟!.2]


ولما قدم أصيل الغفاري على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة سألته عائشة كيف تركت مكة ؟ قال : أخضرت جنباتها ، وابيضت بطحاؤها وأغدق إذخرها وانتشر سلمها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسبك يا أصيل لا تحزنا» 3].


ومن ذلك أيضا حبه صلى الله عليه وسلم للمدينة بعد انتقاله إليها وصيرورتها وطنا له بعد مكة فقد أحب ترابها وجبالها وأهلها ودعا لها فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة أوضع ناقته ، أي حركها من حبها” وفي الحديث دلالة مشروعية حب الوطن والحنين إليه.4]


وأخرج مالك في موطئه من حديث أبي هريرة أنه قال : كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فإذا أخذه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، ومدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة مثل ما دعاك به لمكة ومثله معه “.5]


وقد حن أصحابه صلى الله عليه وسلم إلى مكة وترنموا بذلك الحب وعبروا عنه ولم ينكر عليهم كقول بلال رضي الله تعالى عنه.


ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بواد وحولي إذخر وجليل


وهل أردن يوما مياه مجنة… وهل يبدون لي شامة وطفيل.6]


 


فحب الوطن فطرة فطر الله عليها المخلوقات قي الارض فالابل تحن الى اوطانها والطيور تحن الى اعشاشها واوكارها فاما الانسان حنينه الى وطنه اشد وشوقه اليه اكبر .


غريزة حب الوطن والشوق إليه عند البعد عنه ومفارقته جعلت الأعرابية ميسون ابنة بحدل الكلبية لما زفت إلى معاوية بن أبي سفيان من بادية كلب فسكنت قصور الشام تحن وتشاق إلى باديتها وتقول:7]


لبيت تخفق الأرواح فيه … أحب إلي من قصر منيف


وأصوات الرياح بكل فج … أحب إلي من نقر الدفوف


ولبس عباءة وتقر عيني … أحب إلي من لبس الشفوف


وقد ذكر الله الديار فخبر عن موقعها من قلوب عباده، فقال: { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم } النساء 66.


وقال: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} البقرة 246.


فهذا يدل على شدة التعلق بالديار وعظمة مكانتها في النفس.


ففي الآية تصريح بان قتل النفس والخروج من الوطن شاق على النفوس .


فقد اقر الشرع وجوب الدفاع عن المسلمين بالنفس والمال والكلمة المقروءة أو المسموعة، وهذا إجماع من المسلمين؛ بل من صور تعين الجهاد على كل فرد من أفراد الأمة: إذا دهم العدو بلاد


المسلمين؛ وجب على أهل هذا البلد أن يدفعوا عنه؛ لقول الله -جل وعلا-: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا} الأنفال: 45].


ولقول رسول الله ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات.. وذكر منها: التولي يوم الزحف». متفق عليه.


فصاحب الفطرة السليمة والدين المستقيم يجد حرمة بلده في قلبه كحرمة أهله، كحرمة أبويه، كحرمة إخوانه؛ كما قال بعض الحكماء: (تربة الصبا تغرس في النفوس حرمة، كما تغرس الولادة في القلب رقة)


لا يوجد أحد منا هذبه الإسلام، وامتلأ وفاء، وبقي على فطرة الله -عز وجل- إلا وهو يحمل في نفسه حب وطنه، وإكباره، والخوف عليه، قلبه مشبع بالإعزاز لوطنه، مفعم بالتفاخر به والاعتزاز به) .


إن حب الوطن غريزة إنسانية، وكل سوي من البشر يحب وطنه، وينتمي إليه، ويدافع عنه، ومن لم يجد في نفسه.. ومن لم يجد في قلبه.. من لم يجد في ضميره وعقله حب وطنه فهو شاذ عن الإنسانية، منحرف عن الفطرة السوية، وهو بحاجة إلى علاج ودواء!!


حفظ الله العراق.


اللهم احفظ وطننا.. اللهم احفظ وطننا.. اللهم احفظ وطننا، واحفظ جميع بلاد المسلمين, وانتصر يارب للمستضعفين والمظلومين في كل مكان, وأذل الطغاة والمجرمين, وأعز الاسلام والمسلمين ... اللهم أمين


وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


1] سنن الترمذي وصححه الألباني. حديث رقم 3926


2] شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى لأبي شامة ص163.


3] أخبار مكة وما جاء فيها من الأثار للأزرقي 2/155.


4] فتح الباري لابن حجر 3/621.


5] الموطأ حديث رقم 1846.


6] صحيح البخاري حديث رقم 1889


7] التذكرة الحمدونية للبغدادي 7/416.


8] المحاسن والأضداد للجاحظ ص117


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


محمد صادق امين


أضف تعليق