هيئة علماء المسلمين في العراق

واجب الأمة في مواجهة الظلم ... د / عبد الرحمن عبد الحميد
واجب الأمة في مواجهة الظلم ... د / عبد الرحمن عبد الحميد واجب الأمة في مواجهة الظلم ... د / عبد الرحمن عبد الحميد

واجب الأمة في مواجهة الظلم ... د / عبد الرحمن عبد الحميد

على الأمة واجب في مواجهة هذا الظلم؛ فلا يكفي أن تعرف الظلم وتسكت، أو أن نجلس فنتلاوم على الظلم الحاصل،بل لا بد أن يكون لكل منا دورٌ في تحقيق العدالة، وفي تحقيق المساواة بين الناس؛
 أخرج أبو داود وصححه الترمذي وابن حبان عن أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
 “إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ”، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِى ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لاَ يُغَيِّرُوا إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ”، وفي رواية: “مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ“.
إن من حق الراعي على رعيته أن ينصحوه، وإذا مال وانحرف أن يقوموه؛ أخرج الدينوري عن أبي بكر- رضي الله عنه- قال حين تولى الخلافة:
 “إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن زغتُ فقوموني”.

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال:


 دخلتُ على عمر وهو قاعدٌ على جذع في داره، وهو يحدث نفسه، فدنوت منه، فقلت: ما الذي أهمك يا أمير المؤمنين؟ فقال هكذا بيده وأشار بها.


قال: قلت: الذي يهمك، والله لو رأينا منك أمرًا ننكره لقوَّمناك، قال: الله الذي لا إله إلا هو لو رأيتم مني أمرًا تنكرونه لقوَّمتموه؟!، فقلت: الله الذي لا إله إلا هو لو رأينا منك أمرًا ننكره لقوَّمناك. قال: ففرح بذلك فرحًا شديدًا، وقال: “الحمد لله الذي جعل فيكم أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم مَن الذي إذا رأى مني أمرًا ينكره قوَّمني”.


الأمة حينما تقوم بواجبها، فلا يستطيع الظالم أن يسير إلى النهاية، وقد ضرب الله لنا مثلاً بأكبر الظلمة على وجه الأرض، وهو فرعون، كيف ظلم؟ قال﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ(الزخرف: من الآية 54)، أي ظلمهم فاستكانوا له، وتَجَبَّر عليهم فركعوا تحت قدميه، قال لهم: أنا ربكم، فعبدوه من دون الله،﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)(الزخرف)، والله جل وعلا حين وصف فرعون بالظلم لم يصفه وحدَه، إنما وصفه وكلَّ مَنْ ساعده، فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ(القصص: من الآية 8) فلا بد للأمة إذا رأت الظالم أن تنصحه، على أي مستوى، المدير في المدرسة، الأب في المنزل.. أي مستوى من مستويات القيادة في الأمة، يجب أن يُنْصَح ليُقام العدل بين الناس، وهذا واجبُ الأمة حتى تنهض


لم نر في تاريخ البشرية ظالمًا رجع عن ظلمه؛ لأنَّ قلبَه رقًَّ للمظلوم،


 وإنما تأخذ الأمم حقوقَها بقوة النصيحة، بقوة العمل:


 


وما نيل المطالب بالتمني   ولكن تؤخذ الدنيا غلابا


حين تسكت الأمةُ كلُّها؛ سيعمُّها الظلمُ، ويهلكها اللهُ جل وعلا، وحين تنشط الأمةُ وتنهضُ لمحاربة الظلم في كل أشكاله وأصنافه، حين تمتنع من دفع الرشوة، حين تقول كلمةَ الحق ولو على نفسك، حين تدعو الناس إلى العدل ولو كان في ذلك مضرةٌ عليك، حين يكون هذا؛ فإن الله تبارك وتعالى يملأ الدنيا سعادة، ويملأ الحياة استقرارًا ورخاءً.


أسأل الله العلى العظيم أن يقيم فينا العدل، وأن يرفع عنا وعن أمتنا الظلم والضيم.


 


آثار الظلم  


إن الله تبارك وتعالى قدَّس العدل، وقدَّس الأمم التي تقدِّس العدل، وكتب لها الغلبة والسيادة، مثلما شدد النكير على الظلم، وجعله سببًا في هلاك الأمم.. أخرج ابن ماجه وصححه ابن حبان عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ قَالَ: “أَلاَ تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ؟!“. قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْبَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِنيِهِمْ تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ وَجَمَعَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا، قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “صَدَقَتْ صَدَقَتْ، كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْأي أن الأمة التي لا مجال فيها لأخذ الحق للضعيف من القوي، فلا مجال لها بين الأمم، ولا بد أن تذل وتخزى.


فالظالم وإن كان حوله الجندُ والخدم والحشم ومَنْ يزينون له الظلم، إلا أن الله تبارك وتعالى لا يمنعه من أخذه مانعٌ، ولو كان في برج مَشيد، ولو كان في منعة وشدة، وقد أرانا الله مصارع الظالمين لتكون عبرةً؛ أرانا ماذا فعل مع فرعون؟!، وماذا فعل مع قارون؟!، وماذا فعل مع النمرود الظالم، وماذا فعل مع سائر الظلمة؟!!.


كم من بيوت كانت تعج بالظالمين، ماتوا فصارت الديار بلاقع! كم من ظلمة قطع الله دابرهم!.


لكن الأمر في حاجةٍ إلى أن تنهض الأمة لمقاومة الظلم والفساد، وأن تندفع للإصلاح، لتكون أمة تستحق أن ينصرها الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور (41)ِ﴾ (الحج).


أسأل الله العلى القدير أن يهيئ لأمتنا أمرًا رشدًا يُعَزُّ فيه أهلُ طاعته ويُذَلُّ فيه أهلُ معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر؛ إنه على كل شيء قدير


وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين .


أضف تعليق