هيئة علماء المسلمين في العراق

متى قال الشيخ الضاري للفلاحي.. "ترى العراق ايشوّر"؟ .. طلعت رميح
متى قال الشيخ الضاري للفلاحي.. "ترى العراق ايشوّر"؟ .. طلعت رميح متى قال الشيخ الضاري للفلاحي.. "ترى العراق ايشوّر"؟ .. طلعت رميح

متى قال الشيخ الضاري للفلاحي.. "ترى العراق ايشوّر"؟ .. طلعت رميح

متى قال الشيخ الضاري.. للفلاحي.. "ترى العراق ايشوّر"؟


بقلم طلعت رميح


"ترى العراق ايشوّر" قالها الشيخ المجدد الراحل د.حارث الضاري، للدكتور رافع الفلاحي، عدة مرات، حسب ما روى الفلاحي في كتابه المعنون(أعوام على الجمر-الشيخ حارث الضاري بعض سيرة وبعض ذكريات- 1941-2015). والمعنى يقال -كما يذكر الفلاحي في الكتاب لغير العراقيين طبعًا- للاستدلال، على أن من يؤذي العراق، لابد أن يعاقبه الله على فعله، ولابد أن ينكسر وينهزم".


ويا سبحان الله، أن يكرر الشيخ الضاري تلك المقولة، ليؤكد المؤكد في عمومية المعنى، وأن ينشر كتاب الدكتور رافع عن سيرة ومسيرة الشيخ الضاري، في توقيت تعيش فيه إيران التي إذت العراق، حالة عقاب وانكسار وهزيمة في الوسط والحاضنة التي تصورتها حامية لنفوذها الاستعماري. وأن تنال إيران هذا الانكسار، بعدما عاشت الولايات المتحدة -التي احتلت العراق وأتت بإيران- نفس مذاق الهزيمة والانكسار، على أيدى المقأومة الوطنية العراقية.


وفي اكتمال المعنى، فما قاله الشيخ الضاري كان مبنيًا على رؤية تبناها الشيخ، وكان لها الدور الفاعل فيما أصاب الاحتلالين الأمريكى والإيرانى. تلك الرؤية أوضحها الفلاحي في ص 309 من الكتاب بالقول: اعتمدت (نظرية العمل) التي تبناها الشيخ حارث الضاري، على جملة من الثوابت بينها: أن الطائفية والعرقية، تصنع أبشع أنواع الاستبداد وأكثر حالات التمزق المجتمعي والوطني، فبنشر الثقافة الطائفية تزداد الكراهية ويتراجع الوعي وتضيع العدالة والإنصاف والتسامح، ويتحول المجتمع إلى جزر متباعدة ومتناحرة .. كما أن نظرية العمل التي تبناها الشيخ حارث الضاري التي ارتفعت على أسس الثلاثية المهيبة (فكر المقأومة وفعلها ورايتها) كانت تهدف إلى العدالة في التعامل والاصطفاف".


والكتاب لم يجعله مؤلفه - د. رافع الفلاحي - سردًا للتاريخ المجرد، فهو إذ حدد ملامح وتواريخ مسيرة الشيخ الضاري، إنما حدد ملامح حقبة وطنية ممتدة من أجداد الشيخ ومسيرتهم الوطنية حيث دور الشيخ ضاري المحمود في ثورة العشرين، إلى مسيرة الشيخ حارث. وكلاهما كانت مسيرة مقأومة للاحتلال، فالجد خاض التجربة وتشكلت مسيرته في مقأومة الاحتلال البريطاني، والشيخ حارث تشكلت مسيرته في مقأومة الاحتلالين الأمريكى والإيرانى، وبينهما عقود ثمانية، وها هي الأحداث تعيد أيام ثورة العشرين مجددًا في العراق وأيام المقأومة، إذ العراق مرابط في ثورة استقلال في مواجهة الاحتلالين الأمريكى والإيرانى.


في الكتاب يقدم الفلاحي، البيئة الحضارية والمجتمعية والوطنية والنفسية التي شكلت الشيخ المجدد الراحل د.حارث الضاري، وحين تتابعها تعيش أجواء التاريخ الوطني للعراق وحاضره، بل تاريخ الأمة المعاصر أيضًا، إذ الشيخ الضاري –كما يلخص الفلاحي- "لم يكن رمزًا خاصًا أو ملكًا لهيئة معينة بل كان رمزًا (عراقيًا وعربيًا وإسلاميًا) يعبر عن صورة الهيبة والحضارة والرقي.


والفلاحي قدم تلك التجربة الإنسانية بشكل متكامل للشيخ الضاري، لا كخطوات تاريخية متسلسلة فقط، بل وفق نمط قراءة التطور الحضاري والسياسي الوطني للعراق. وهنا كان للشهادات الحية حول التاريخ الإنساني والفكري والحضاري الأكاديمي للشيخ، والوقفات التي وقفها الرجل في كل المراحل في حياته، دورًا أساسيًا في تحقيق معايشة القارىء للوقائع وتعميق الرؤية، حتى يكاد قارىء الكتاب أن يعيش الحدث وكأنه يراه.


وهنا كان لافتًا في سيرة الرجل موقفه العلمي والأكاديمي المدافع عن الحقيقة – أيًا كانت - وكيف تسببت واقعة عدم موافقته على أحد رسائل الدكتوراه في خروج الضاري من وطنه تحت ضغط محبيه القلقين عليه، إذ اعتبرت بعض الدوائر موقف الرجل العلمي موقفًا سياسيًا من الحكم القائم. كما كان لافتًا أيضًا، أن هذا الرجل الذي خرج مكرهًا من وطنه، هو ذاته من أخذ قرارًا بالعودة للدفاع عن وطنه وتأسيس المقاومة، ففور وقوع الاحتلال الأمريكي – وهو خارج الوطن - ساهم أولًا في إصدار فتوى بالمقاومة مع قادة آخرين ذوي وزن عراقي وطني وأحقية علمية، وقرر إنهاء حياة الغربة – الإجبارية - وقرر العودة إلى وطنه المحتل، ليقاوم الاحتلال.


وإذا كان الدكتور الفلاحي قد عبر عن وجله – قلقه - حين اتخذ قرار بدء هذا الكتاب، ولديه كل الحق - فنفس الشعور ينتاب كاتب السطور وقد أصبح وجله وقلقه مضاعفًا - إذ الكتاب عن سيرة الشيخ الضاري يصعب أن يحتويها ملخص الكلمات، كما أن ما قدمه الفلاحي لا يستطيع أحد تلخيصه إلا بمجازفة كبرى. ولم يشجعني على ذلك سوى معرفتي الشخصية بالشيخ الضاري وسماحة المنهج الذي ربى عليه خلفاؤه وتلامذته، والأبعاد المتكاملة والمتسعة لشخصية الفلاحي.


والكتاب يقع في 325 صفحة قسمها الفلاحي تحت عناوين خمسة أولها: تحت عنوان: الجذور –زوبع والضاري- وخلالها روى حال العراق قبل وبعد الحرب العالمية الأولى وكيف جرى صراع لجمن والضاري ويكشف هنا كيف تصدى الضاري لمحاولة القائد البريطاني لجمن غرس الفرقة والصراع بين السنة والشيعة، حين جرى التفكير في تشكيل حكومة في العراق. وأن كلمات الشيخ أفسدت خطة الضابط البريطاني، الذى أضمر شرًا للشيخ، وحين حاول التنفيذ عاجله الشيخ ومن معه.


وثانيها: تحت عنوان: عروق الآباء -سليمان والحارث- وخلاله أبدع الفلاحي في رواية قصة ما جرى بعد رحيل الشيخ الضاري المحمود والدور الوطني للشيخ سليمان الضاري من بعده. وخلال تتبع الأحداث تجد نفسك في مواجهة تاريخ حي لتطور الحالة الثورية الوطنية في العراق، وتجد طبيعيًا أن يكون الشيخ الضاري، كما كان، امتدادًا وتطويرًا للمواجهة مع الاحتلال فور وقوعه، بحكم الإرث التاريخي المتأصل في تكوينه الفكري والنفسي.


والفلاحي يستعرض في القسم الثالث: تحت عنوان: الثلاثية المهيبة –الحارث والمقاومة- رحلة الشيخ الضاري بنفس متئد في الكتابة، فقدم العوامل التي أسهمت في تحقيق مثل تلك الشخصية بأبعادها العلمية والحضارية والفكرية والسياسية والنفسية، وحتى تجد سيرًا طبيعيًا لمياه في نهر الحقائق.


في القسم الرابع: تحت عنوان: أحداث ومواقف ودلالات، قام الفلاحي برسم ملامح شخصية الرجل من خلال مواقفه، وقدم جوانب التجربة الإنسانية له في الغربة، ومشواره العلمي من قاعات التعلم في القاهرة إلى قاعات التدريس في العراق بعد نيل الدرجة العلمية، ويشرح تجربة الاضطرار لمغادرة العراق.


وفي القسم الخامسك الذي قدمه الكاتب عنوانًا وصفيًا وتحيليًا معًا هو: سنوات الجمر-نداء الموروث والقيم، بدأ الفلاحي بسؤال واجهه العراق بعد الاحتلال. ما العمل. وروى كيف تحول الشيخ إلى الرمز، وقصة تشكيل هيئة علماء المسلمين التي أصبح أمينها العام، وكيف أصبح شيخ المقاومة ومواقف الضاري ضد الطائفية والإرهاب والصحوات وإيران –ومن قبل الاحتلال الأمريكى- وأبدع الفلاحي في صياغة ما أطلقه الشيخ الدكتور الضاري من اللاءات الخمس، وكيف تحول الضاري ليصبح في مرمى النيران.


وهكذا فالكتاب لم يروِ سيرة الرجل بل كشف عن أنصع صفحات تطور الحركة الوطنية العراقية. وهو كتاب يعبر به الفلاحي حالة السيرة النمطية إلى تقديم ملامح الوطن العراقي عبر صفحات حياة ومواقف الشيخ حارث الضاري. وهو كتاب يضمن للقارئ الدقة والموضوعية العلمية بكافة أبعادها دون الكتابة النمطية الأكاديمية وإن التزم بقواعدها في الرواية والاستشهاد والتطور الموضوعي لحياة ودور الشخصية محل البحث والكتابة. وهو كتاب يجمع بين السياسة والفكر والرؤية والتطور الاجتماعي الملموس، بما حقق واقعية صادقة في الصياغة والتحليل.


هو كتاب تمكن كاتبه من أسلوب جمع بين الرواية الواقعية وأدب سرد السير، وملامح التشكل الموضوعي والمحطات السياسية والإنسانية لشخصية الشيخ الضاري رحمه الله.


كان الشيخ الضاري عنوانًا لمرحلة تاريخية وسيظل في سجل التجديد علمًا. ومهما كتب عنه تظل المعاني المستنبطة حاضرة للتجدد أيضًا. ولذلك كتب الفلاحي في الصفحة الأخيرة للغلاف: رحل من ورث شرف (الثلاثية المهيبة).. فكر وفعل وراية المقاومة.. ورثها أبًا عن جد.. رحل الشيخ الدكتور حارث الضاري، ذلك الرجل الذي تحمل من أجل صواب مواقفه وصلابته في الدفاع عن الحق وأهله، الكثير من الأذى والغربة والعقاب وكان بعد ذلك جزءًا من ثمن بسيط واجب الدفع، بحب وسعادة للعراق والعراقيين.


رحم الله الشيخ الضاري.


ـ مقال خاص بموقع    الهيئة نت    


أضف تعليق