إنّه من سنن الله في الكون أن تتفاوتَ قدراتُ الناس وطاقاتُهم، وتتباين مَلَكاتهم وحاجاتهم، فأحدهم مستطيع، وآخر عاجز، وبعضهم أغنياء، والآخرون فقراء، لقد أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأن يدَ الله على الجماعةِ، وهذا مما يُدركه العقلاءُ؛ أن الجماعةَ خير من الفُرقة، وأن الانعزالية والأثَرَة مدعاةٌ للمشقة والضياع والهلَكة؛ لذا حرَص الإسلام أشد الحرص على جعلِ المسلمين أمةً يتكافل أفرادُها فيما بينهم، ويتعاون بعضُهم مع بعض، القوي يستخدم قوته لنصر الضعيف، والغني يجعل غناه في قضاء حاجة الفقير؛ يقول الرب - عز وجل -: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2]؛ فالتعاون في الإسلام أن يعينَ بعضُ المسلمين بعضًا؛ قولاً وفعلاً.
فالإعانة هي: الإتيان بكل خَصلة من خصال الخير المأمور بفعلها، والامتناع عن كل خَصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه، وبمعاونة غيرِه من إخوانه المؤمنين عليها، بكل قول يبعث عليها، وينشط لها، وبكل فعل كذلك وكل معصية وظلم يجب على العبد كفُّ نفسه عنه، ثم إعانة غيره على تركه؛
ويقول القرطبي في تفسير هذه الآية: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]: هو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البرِّ والتقوى؛ أي: لِيُعِنْ بعضُكم بعضًا، وتحَاثُّوا على أمر الله - تعالى - واعمَلوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه، وامتنعوا منه، وهذا موافق لِما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((الدالُّ على الخير كفاعله((، وقد قيل: الدال على الشرِّ كصانعه، والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه؛ فواجبٌ على العالِم أن يعين الناس بعلمه فيعلِّمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهِرِين كاليد الواحدة؛ ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتِهم أدناهم، وهم يد على من سواهم((، ويجب الإعراضُ عن المتعدي، وتركُ النصرة له، وردُّه عما هو عليه؛ )الجامع لأحكام القرآن، 6/46-47(.
ويتحدث ابنُ القيم عن هذه الآية الكريمة فيقول: اشتملت هذه الآيةُ على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم فيما بينهم بعضهم بعضًا، وفيما بينهم وبين ربهم؛ فإن كلَّ عبد لا ينفكُّ عن هاتين الحالتين، وهذين الواجبين، واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخَلق؛ من المعاشرة والمعاونة والصحبة، فالواجب عليه فيها أن يكونَ اجتماعُه بهم وصحبته لهم تعاونًا على مرضاة الله وطاعته التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه، ولا سعادة له إلا بها، وهي البر والتقوى اللذان هما جِماعُ الدِّين كله؛ (زاد المهاجر، 1/6-7)، وقد بين - رحمه الله - ما للتعاون على البرِّ والتقوى من الضرورة والأهمية في المجتمع الإنساني فقال: "والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم هو التعاون على البرِّ والتقوى، فيعين كل واحد صاحبَه على ذلك علمًا وعملاً، فإن العبد وحده لا يستقلُّ بعلم ذلك، ولا بالقدرة عليه، فاقتضت حكمةُ الرب - سبحانه - أنْ جعَل النوعَ الإنساني قائمًا بعضُه ببعضه، معينًا بعضه لبعضه"؛ (زاد المهاجر: 1/13).
يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((مَثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهر والحمى))؛ (صحيح مسلم، رقم: 2586).
لقد عُنِي الإسلامُ بالتعاضد والتناصر والتكافل والتعاون فيما بين المسلمين أيَّما عناية، حتى جعَل الصلاةَ التي هي عماد الدين عملاً يعرِف به المسلمُ ما يعيشه أخوه المسلم من بلاء ومحنة وضيق وشدة بعد حضوره في المسجد، وشهودِه الصلاةَ مع الجماعة، وجعَل الإحسان إلى المساكين وابن السبيل والأرملة والمصابين شرطًا لقبول الأعمال الصالحة، واستحقاق الأجر والثواب عليها بجلب الرحمة والمغفرة إثرها ؛يقول النبي - صلّى الله عليه وسلّم-: الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء(سنن أبي داود، رقم:4941)، سنن الترمذي، رقم:1924) وهذه الرحمة تختلف باختلاف الأشخاص، و تتعدّد بتعدّد الأفراد فالمريض مثلا إذا زُرته وعُدته وأعنته على مداواته فقد رحمته.وهكذا الفقير الجائع إذا أطعمته وقضيت له حاجته فقد رحمته، والأسير بغير حق إذا شفعت له شفاعة حسنة وسعيت في فكّ أسره فقد رحمته. واليتيم إذا مسحت رأسه، وأدخلت السرور على قلبه، وآنست وحشته فقد رحمته. وهلمّ جرا. لقد أولى الإسلامُ عناية فائقة ورعاية زائدة لليتامى والمساكين وأبناء السبيل، وجعلهم في عِداد من يُنفَق عليهم، ويُحسَن إليهم، من الوالدين والأقربين والجيران؛ يقول الله - عز وجل -: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: 36].
لقد أوضحت الآيةُ الكريمة ما للتعاون والتناصر والتعاضد والتراحم من قيمة كبيرة ومكانة عظيمة في الإسلام أيما إيضاح، وفصلت مَن هو أحقّ بالإحسان إليه والبرّ به، وسمَّت مَن أبى ذلك مختالاً فخورًا ممَّن يُبغضهم الله ولا يُحبّهم؛ لذا شرَع الإسلامُ الزكاة فريضة محكمة، وأمرًا معلومًا من الدين بالضرورة؛ فالإسلام يهدف إلى محوِ فوارقِ ونوازعِ الاستعلاء والاستكبار، ودوافع الشحّ والبخل والطمع والحرص، ويرمي إلى خَلقِ غريزة التعاون والتناصر فيما بين المسلمين، ويقول الرب - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60].ويقول –عزوجل-: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر:7]
وهكذا الصوم شرعه الإسلام لأتباعه لخَلْقِ صفة التقوى في قلوبهم؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].
"لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" تحمل في طيّها معانيَ كثيرة، ومطالب واسعة؛ فبالصوم يتّقي المسلمُ الحرصَ، والشحَّ، والطمع، والحقد، والضغن، والحسد، وحب المال، وجميع الأخلاق الرديئة، والعادات الدنيئة؛ من الاستبداد، والاستئثار، والاستغلال، والاحتكار؛ لذا ورد في الحديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((الصوم جنة من النار كجنة أحدكم من القتال))؛(سنن النسائي، رقم:2231) جُنَّة من النار وما يقرِّبُ إليها من الأقوال والأفعال والأعمال التي تورِثُ صاحبها الشحناء والبغضاء التي يتشتَّتُ بها شملُ الأمة الإسلامية، ويتفرَّق جمعُها، ويتزلزل بنيانها.
وقد ذكَر العلماءُ أن الحكمة في فرض الصيام هو أن يذوق الغنيُّ طعم الجوع، فلا ينسى أخاه المعوِزَ الفقير.
وفي الحج لما شرع الله فيه الهَديَ، نرى أن التكافل الاجتماعي وصفةَ التناصر والتعاضد تمتاز بها هذه الفريضةُ الربانية؛ ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الحج: 36].
لقد رغب الله - عز وجل - عباده في القيام بهذا العمل العظيم في مواضعَ من القرآن الكريم؛ يقول - عز وجل-: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، ويقول - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 215].
ففي الصحيحين عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال: على كلّ مسلم صدقة. فقالوا:يا نبي الله، فمن لم يجد؟: قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدّق. قالوا: فإن لم يجد ؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا:فإن لم يجد ؟ قال: فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر، فإنها له صدقة.(صحيح البخاري، رقم:1445، صحيح مسلم، رقم:1008. (
وكان من سنَّة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يهتم بإطعام الناس والإنفاق عليهم؛ ليلاً ونهارًا، سرًّا وجهارًا؛ أخرج الإمامان البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: كنت أمشي مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَرَّةٍ بالمدينة، فاستقبَلَنا أُحُدٌ، فقال: ((يا أبا ذرٍّ))، قلتُ: لبيك يا رسول الله، قال: ((ما يسرُّني أن عندي مثلَ أُحدٍ هذا ذهبًا تمضي عليَّ ثالثةٌ وعندي منه دينار، إلا شيء أُرصِدُه لدَين، إلا أن أقولَ به في عباد الله هكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله، ومن خلفه)) ثم سار فقال: ((إن الأكثرين هم الأقلُّون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه، وقليل ما هم))؛ (صحيح البخاري، رقم: 6444، صحيح مسلم، رقم: 991).
وأحبّ الأعمال إلى الله عز وجل سرور تُدخله على مسلم تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحبّ إلي من أن أعتكف في هذا المسجد يعني مسجد المدينة شهرا ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبّت الله قدميه يوم تزول الأقدام. (صحيح الترغيب والترهيب، رقم:2623).
ولينظر الشباب المسلمون ما أصيبت به الأمة الإسلامية في بقاع الأرض المختلفة من نكبات وأزمات في الأرض المباركة فلسطين، وبلاد الرافدين، وسوريا، ومصر، وأفغانستان، والشيشان، والصومال، وكشمير، كيف يواجهون هذه الأحوالَ الشائكة، ويعانون تلك الضربات القاصمة من أمم العالم الجائرة الظالمة؟يقول الربّ - عز وجل-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2]، ويقول - عز وجل-: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 75]، ويقول - عز وجل -: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الأنفال: 72]. ويقول - عز وجل -: ﴿ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38].
وصلَّى الله - تعالى - على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وبارَك وسلَّم.
