ما وراء تصاعد قتل المتظاهرين..واستقالة عبد المهدي
بقلم: طلعت رميح
شهدت مدينة الناصرية إيغالًا مرعبًا في الدم العراقي، حينما وقعت مذبحة مروعة في مسقط رأس عادل عبد المهدي؛ ولم تكن الناصرية وحدها في هذا الخطب؛ ففي ذات التوقيت جرت حالة التصعيد في قتل المتظاهرين في بغداد والبصرة، وفي النجف لم يكن القتل هو التطور الأبرز وحده عقب حرق مقر القنصلية الإيرانية، بل جرى نشر مجموعات الميلشيات المسلحة في أول ظهور علني لمواجهتها للمتظاهرين تحت عنوان حماية المرجعية، وهو ما يعيد التذكير بتجربة مروعه أخرى، إذ بدأ نصر الله وميلشياته مذابحه ضد السوريين تحت عنوان حماية المراقد؛ والمتابع لتطور الأحداث، يجد أن كل هذا الذي جرى، جاء عقب الإعلان عن تعيين قادة عسكريين لإدارة خلايا الأزمة الموزعة في المحافظات.
وإن أمر هذا التصعيد انتهى، إلى إبداء عبد المهدي استعداده للاستقالة، دون أن تتوقف حالة التصعيد في القتل.. فما هي ملامح الحالة الراهنة؟ وما دلالات حركة واتجاه الأحداث؟ وما نوعية المخاطر التي تحيط بالثورة العراقية الآن؟
هذا الذي يجري يأتي في إطار مرحلة كسر العظم التي دخلتها المجموعات الحاكمة في العراق ضد شباب الانتفاضة الثورية ويمثل إعلانًا بإطلاق جنون الحسم العسكري وارتكاب المذابح.. لقد انتهت لعبة المناروات المتعددة المجالات التي اعتمدت من قبل إلى الفشل، ولم يعد لدى تلك المجموعات سوى الفعل العسكري المباشر، وهنا يبدو للمتابع أن إخراج عبد المهدي من المواجهة المباشرة، وإن جاء تعبيرًا عن فشل، إلا أنه بمثابة تمهيد لمرحلة القتل الأوسع والصراع المفتوح على أرضية المواجهة لا أرضية الوصول لحلول -أيًا كان وصفها- مع ثوار انتفاضة تشرين.
لقد اعتمدت المجموعات التابعة لإيران خلال المرحلة السابقة مجموعة من الخطط. أولها: يقوم على الترويج لمقولة الطرف الثالث، في محاولة للحفاظ على سمعة أجهزة القمع الرسمية التى يسيطر عليها هؤلاء. كانوا يتصورون أن بإمكان القتل "المموه" -على من يقوم به- أن يخيف الثوار ويفض المظاهرات.
وثانيها: استهدف تفكيك حالة التظاهر بتقسيم المتظاهرين إلى جيدين وسيئين وزرع الشقاق بينهم.
وثالثها: تمثل في اعتماد خطة اختراق المظاهرات عبر أحد الوكلاء المشاركين في العملية السياسية، عبر تقديمه معارضًا وثوريًا، ليصل إلى مرحلة تزعم المظاهرات ثم يقوم بإجهاضها وهو ما سبق اعتماده في التعامل لإجهاض انتفاضات سابقة.
ورابعها: خطة استيعاب المتظاهرين داخل العملية السياسية عبر طلب تشكيل وفود تفاوض منهم، ومن خلال إدخال مطالب المتظاهرين في دوامة ألاعيب الدورة السياسية بين الرئيس ومجلس الوزراء ومجلس النواب وتبادل الأوراق فيما بينها، لاغتنام الوقت والسيطرة على عقول الثوار وتقليص مطالبهم تدريجيًا.
وخامسها: خطة للتماهي الشكلي بين العملية السياسية والثوار، عبر إقرار وثيقة وقعت عليها الأحزاب المشاركة في السلطة (12 حزب وكتلة في البرلمان)، لإظهار نفسها في موقع المطالب بالتغيير كما الثوار. ولكي تجري عمليات استجابة شكلية تضمن الحفاظ على العملية السياسية.
وسادسها: سحب الدعم الشعبي للمتظاهرين، وهو ما اتضح حين استقبل عادل عبد المهدى شيوخ العشائر ليقدم لهم وعبرهم بعض الرشى.
وسابعها: التخويف الطائفي، من خلال التأكيد على ضرورة الحفاظ على النظام القائم حتى لا يسيطر الآخرون على السلطة التي تشكلت بعد الاحتلال، وهو ما ورد في خطبة المرجعية نصًا.
وثامنها: استخدام التهديد والوعيد المباشر باستخدام القوة -كان فالح الفياض رئيس الحشد صاحب أعلى الأصوات- في إطلاق التهديدات تحت عنوان الحفاظ على الدستور (دستور الاحتلال) وجعل من يطالب بتغييره خارجًا على الشرعية، وعلى القوات العسكرية مواجهته بالسلاح.
وهكذا اعتمدت الخطة على القمع مع التمويه على القتلة. وتفكيك التظاهرات. وسحب الدعم الشعبي. وتفكيك المظاهرات وتخويف المتظاهرين واختراقهم وإعادتهم للحضن الطائفي...إلخ، لكن كل ذلك فشل، إذ زادت رقعة انتشار الثورة، وقوة تصديها للقتل وبسالتها في تقديم التضحيات دون تراجع، كما ارتفعت مطالبها وزاد وعيها بضرورة العودة للفكرة الوطنية، وإنهاء كل البناء السياسي الطائفي، كما زاد وعيها بالخطر الإيراني، وضرورة مواجهته على الأرض العراقية.
الآن وصلت الأمور إلى مفترق طرق بالغ الحدة، ولم يعد لدى جماعات الحكم سوى استخدام القوة الظاهرة لحسم المعركة استراتيجيًا ضد الثوار، وإجهاض الانتفاضة عبر العمل العسكري.
وبذلك فإن ما جرى لم يكن مجرد زيادة في معدلات القمع والقتل، بل جاء انتقالًا لإنفاذ خطة استراتيجية جديدة تقوم على الحسم المسلح وخوض معركة مفتوحة مع الثورة.
وهو ما يتطلب في المقابل، رفد المظاهرات جماهيريًا وتوسيع رقعة الدعم والانتشار في المناطق الأخرى -لتشتيت القوة المهاجمة- وتعميق البناء الوطني للمطالب والأطروحات وزيادة تدفقات الحركة على الأرض واعتماد رؤية لتطوير حركة الثوار لمواجهة هذا التغيير.
ـ مقال خاص بموقع ( الهيئة نت ).
