كأن الرجل كان يقرأ كتابا مفتوحا, وهو يجزم بكل اليقين ـ رغم نبرته الساخرة ـ أن الأمريكيين لن يتمكنوا ابدا من اقامة امبراطورية, مهما يحاول المجمع الصناعي العسكري, وجماعة المحافظين الجدد الدفع في هذا الاتجاه ,
والسبب ببساطة هو أن الناخبين الأمريكيين سوف يعاقبون أية ادارة تتبني مشروعا امبراطوريا, لان المواطن الأمريكي الذي تكفيه موارد بلاده, وعلاقاتها السلمية للتمتع باحسن مستوي معيشي في العالم, لايقبل أن يقتل ابنه خارج الحدد من أجل حفنة امبراطوريين كان المتحدث هو روبرت ميلر مدير قسم الشرق الأوسط في مخابرات وزارة الدفاع الأمريكية سابقا, وكان الوقت قبيل ساعات من انتخابات الرئاسة الأمريكية عام2000.
لم يكن ميلر ساعتها يتحدث علي هذا النحو لانه كان يتوقع ان إدارة الرئيس جورج بوش الابن ـ إذا انتخب رئيسا ـ سوف تتبني مشروع المحافظين الجدد لبناء امبراطورية, ومن ثم فهو يتنبأ بفشله, ولكنه في الحقيقة قال ما قاله في سياق استبعاده لمثل هذا الاحتمال, لان بوش في نظره ينتمي إلي جناح المحافظين الواقعيين الذين يدركون استحالة بناء امبراطورية امريكية للسبب الذي ذكرناه توا.
وكان الخبراء البارزون في هذا الجناح يملأون الساحة الأمريكية وقتها انتقادات لاسلوب ادارة الرئيس بيل كلينتون الديمقراطية في قيادة العولمة, لان هذا الاسلوب أدي إلي تحول القيادة الأمريكية لهذه العملية إلي امبريالية في رأي رجل في وزن وخبرات الجنرال برنت سكوكروفت مستشار الرئيس بوش الأب لشئون الأمن القومي, ورئيس هيئة مستشاري السياسية الخارجية في حملة المرشح الرئاسي الجمهوري بوش الابن, وقد نعي سكوكروفت ـ في حديث لنا بواشنطن ـ علي إدارة كلينتون الليبرالية انها تدير عملية العولمة بطريقة اقنعت العالم بأن القرارات تتخذ هنا, ويجب أن تتخذ هنا في واشنطن, وعلي الأخرين في بقية انحاء العالم التنفيذ.
هذه الخلفية تجسد لنا حجم الخيانة التي ارتكبها الرئيس جورج بوش الابن لناخبيه, وللتيار الرئيسي في الحزب الجمهوري حين استغل احداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية, ليفرض علي الجميع اجندة المحافظين الجدد, وحلفائهم في المجمع الصناعي العسكري من أجل الحلم الامبراطوري الأمريكي, لكن ذلك ليس أهم ما في درس الهزيمة المشينة للحزب الجمهوري يوم الثلاثاء الماضي, وانما الأهم هو استشراف المستقبل في ضوء هذا الدرس البليغ والقاسي والمتكرر.
أولي الخصائص التي ستميز السياسة الخارجية الأمريكية في الحقبة المقبلة هي خفوت النزعة العسكرية فيها بعد النجاح في ايجاد مخرج من الورطة العراقية, وقياسا علي السوابق فقد أدت عقدة فيتنام إلي خفوت هذه النزعة فترة طويلة من الزمن, فباستثناء المحاولة الفاشلة لانقاذ الرهائن الأمريكيين في طهران في عهد الرئيس الاسبق جيمي كارتر, ظل الرأي العام يرفض أي عمليات عسكرية واسعة النطاق حتي تولي الرئيسان الجمهوريان رونالد ريجان, وخلفه جورج بوش الأب تطعيم الجمهور والمؤسسات السياسية تدريجيا بمصل الاعمال الحربية, فغزا ريجان جرينادا, ووجه ضربات جوية إلي ليبيا, ثم اعقبه بوش الأب بغزو بنما, ثم حاول ارسال قوات إلي الصومال, لكن نجاحه الأكبر والذي أدي بالفعل إلي انهاء عقدة فيتنام كان في حرب تحرير الكويت.
كما قلنا, وكما يعرف الجميع, جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية علي واشنطن ونيويورك لتوفر ليس فقط الذريعة, ولكن ايضا الحافز ـ علي التوسع في استخدام الأداة العسكرية لتنفيذ أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في ظل ايديولوجية المحافظين الجدد ذات النزعة الانفرادية الامبراطورية, واذا كانت الحرب في افغانستان مفهومة ومبررة, فان غزو العراق كان هو اللحظة الكاشفة لنيات مخططيها التي لم تنظل علي مناهضي الفكر الاستعماري الامبراطوري داخل الولايات المتحدة, وفي انحاء العالم الأخري خصوصا في أوروبا, فرأينا لمن لايزالون يتذكرون ـ مظاهرات مليونية في عواصم العالم ـ والمدن الأمريكية الكبري.
لامفر اذن من الاعتراف بأن نتائج انتخابات الثلاثاء الماضي في الولايات المتحدة هي تصويت بسحب الثقة من المجمع الصناعي العسكري والمحافظين الجدد, وإذا افترضنا جدلا ـ وقياسا علي السوابق ايضا ـ ان اصحاب النزعة الحربية في السياسة الخارجية الأمريكية سيعاودون الكرة. فانهم سيحتاجون إلي مرور وقت طويل يكفي لاندمال جرح العراق في جسد الأمة الأمريكية, ويكفي لتطعيم الأمريكيين مرة أخري وبالتدريج لقبول فكرة الحرب عموما, والحروب الاستباقية علي وجه الخصوص.
ومن بين نتائج خفوت النزعة العسكرية في السياسة الخارجية الأمريكية العودة إلي مبدأ العمل الجماعي الدولي لتسوية النزاعات الاقليمية, ومجابهة الاخطار المهددة للأمن والسلم الدوليين, وفي المقدمة منها عمليات الانتشار النووي بداية من كوريا الشمالية وإيران.
ويترتب علي عودة السياسة الخارجية الأمريكية لمبدأ العمل الجماعي الدولي إعادة الاعتبار للمنظمات والاتفاقيات الدولية متعددة الاطراف, كذلك يترتب علي هذا المنهج ازدياد اهمية القوي الاقليمية, وزيادة الاحساس بأهمية تسوية النزاعات المزمنة, والقابلة دوما لتصدير الخطر اقليميا ودوليا, وبطبيعة الحالي تأتي القضية الفلسطينية والحرب ضد الإرهاب الدولي علي رأس الاولويات, أو هذا ما يجب ان يكون.
هذه النبوءات وغيرها لن تتحقق بالضرورة علي الفور, وانما الارجح ان الفترة المتبقية من رئاسة بوش ـ وهي عامان ـ ستكون فترة تحديد البدايات الجديدة, ووضع معالم السياسات المقبلة علي مستوي المؤسسات الرسمية, ومراكز التفكير الاستراتيجي, ومن المهم لاطراف القضايا الدولية التي تلعب الولايات المتحدة دورا مؤثرا فيها ـ وكثيرة هي هذه القضايا للجميع, وعلي الأخص بالنسبة للعرب والمسلمين ـ نقول من المهم لاطراف هذه القضايا أن يبدأوا من الآن التحرك المنهجي المستمر, ليس فقط للاطلاع علي ما سيجري في واشنطن, ولكن ايضا لطرح رؤاهم وافكارهم, والضغط بكل الوسائل المتاحة علي مراكز الفكر وصنع السياسية الخارجية الأمريكية, والتوصية الأخيرة في هذه السطور هي الاهتمام الفائق بالكونجرس الذي دون مساندته يصبح أي رئيس امريكي مجرد رجل طوله ستة أقدام أو أكثر أو أقل علي حد نصيحة الرئيس الاسبق ليندون جونسون لاصدقائه الإسرائيليين.
بعد سقوط حلم الإمبراطورية- عبدالعظيم حماد
