مرة أخرى، العراق على موعد يوحّد أبنائه في انتفاضة شعبية ضد الطبقة الحاكمة الفاسدة التي سيطرت على موارد بلدهم وسرقت أمواله ونهبت خيراته، حتى أصبحت الأيام الاخيرة من شهر تشرين الاول الجاري لا تختلف كثيرا عن بدايته التي شهدت صحوة العراق الجديدة التي ايقظت ابنائه بعد سبات طويل أغرقهم به المحتلون واذنابهم.
فقد شهدت ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد في الخامس والعشرين من الشهر الحالي تظاهرات حاشدة شارك فيها آلاف العراقيين بالتزامن مع تظاهرات مماثلة انطلقت في تسع محافظات جنوبية هي: (ذي قار، وميسان، وكربلاء، وواسط، والقادسية، والبصرة، والمثنى، وبابل، والنجف)، حيث تناسى المتظاهرون تنوعهم الطائفي والمذهبي والقومي الذي كرسته الاحزاب والكتل المشاركة في العملية السياسية الحالية، كما وحّدت هتافاتهم ضد التدخل الايراني السافر في العراق، فضلا عن مطالبهم الاساسية باسقاط الحكومة الحالية وتقديم ساستها الفاسدين الى المحاكم، وتشكيل حكومة وطنية.
العنف المفرط كان رد القوات الحكومية المشتركة وميليشياتها على المشاركين في الاحتجاجات السلمية الذين وصلوا الى بوابات ما تسمى المنطقة الخضراء المحصنة، من خلال استخدام الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع والقنابل الحارقة التي أوقعت خلال أربعة أيام فقط نحو (90) قتيلا وأكثر من اربعة آلاف جريح اصابات بعضهم بليغة ما يرجح ارتفاع عدد القتلى، فضلا عن أكثر من (200) معتقل من المتظاهرين، بحسب تأكيدات مفوضية حقوق الانسان ومصادر طبية، كما تسبب استخدام قنابل الغاز (الفاسدة والقديمة) بازدياد عدد الضحايا بين المتظاهرين العُزّل.
ايران كعادتها كانت وما زالت حاضرة في المشهد العراقي وذلك بمساهمتها الفاعلة في قمع المحتجين، حيث أكد (معهد واشنطن لسياسية الشرق الأدنى) تشكيل ما تسمى خلية أزمة مشتركة من ضباط ايرانيين وقادة الميليشيات الطائفية والاجهزة الحكومية بهدف وأد الانتفاضة الشعبية في هذا البلد الجريح.
وأوضح المعهد المذكور ان خلية الازمة اتخذت مقرين لها كغرفة عمليات مشتركة، الاول في منزل بمنطقة (الجادرية) وسط بغداد، والثاني في مبنى تابع لميليشيات (الحشد الشعبي) بالقرب من مستشفى (ابن سينا) وسط العاصمة ايضا .. مشيرا الى ان الخلية ضمت كل من (قاسم سليماني) قائد ما يسمى فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني، و(ابو مهدي المهندس) نائب رئيس هيئة ميليشيات الحشد، و(فالح الفياض) مستشار ما يسمى الامن القومي ورئيس هيئة (الحشد) ومساعده (حميد الشطري)، و (محمد الهاشمي) المعروف بـ(ابو جهاد ) وهو مدير مكتب رئيس الحكومة الحالية (عادل عبد المهدي) ، اضافة الى (قيس الخزعلي) زعيم ميليشيات (العصائب).
غرفة العمليات المشتركة ضمت ايضا عددا من قادة الميليشيات الطائفية التابعة للاحزاب والكتل المشاركة في العملية السياسية الحالية، بهدف تصفية الناشطين المدنيين والداعمين للانتفاضة الشعبية ومنهم (حسين فالح اللامي) منسق عمل القناصة ضد المتظاهرين، و(تحسين عبد مطر العبودي ) مستشار (عبد المهدي) لشؤون ميليشيا الحشد، و( ثامر محمد اسماعيل) القيادي في ميليشيا (بدر) ويرأس ايضا فرقة "الرد السريع" في وزارة الداخلية الحالية ونشر القناصة لاستهداف المحتجين، و(حامد الجزائري) قائد ميليشيا (الخراساني)، و(هاشم بنيان السراجي) قائد ميليشيا (كتائب سيد الشهداء)، و(أبو أيمان الباهلي) مسؤول "الاستخبارات" في ميليشيا الحشد ومسؤول الارتباط مع استخبارات (الحرس الثوري الايراني) .
القوة المفرطة والاساليب الوحشية التي انتهجهتها الاجهزة الحكومية المختلفة لم تفت من عضد المحتجين ولم تثن عزيمتهم، بل ساهمت بتفاعل جميع فئات الشعب مع الانتفاضة السلمية، حيث انضم اليها طلبة المدارس بكل مراحلها والجامعات الحكومية والخاصة، معلنين الإضراب العام عن الدوام ، كما ناصرتهم في ذلك نقابة المعلمين التي اعلنت الاضراب لمدة أربعة ايام في عموم البلاد احتجاجا على قمع المتظاهرين وسقوط الآلاف منهم بين قتيل وجريح ، في موقف مشابه لقرار نقابة المحامين والاتحاد العام لنقابات العمال في العراق.
صرخة الاحتجاجات السلمية المتواصلة في معظم المحافظات العراقية منذ مطلع الشهر الجاري وصل صداها الى العالم الذي لم يكترث بمحاولات الحكومة الحالية في الالتفاف على الانتفاضة المباركة من خلال وعودها المهترئة البائسة تارة، وباستخدام القوة الغاشمة وقرارات حظر التجوال وتقطيع أوصال الطرق تارة أخرى، وسط تساؤل مفاده: الى متى تبقى ايران وزبانيتها وعملائها في العراق يتحكمون بمقاليد الأمور ومصائر البشر؟.
وكالات + الهيئة نت
ب
