الهيئة نت ـ عمّان| شهدت أمسية مجلس الخميس الثقافي في ديوان هيئة علماء المسلمين؛ محاضرة توثيقية وتأريخية قدّمها مسؤول القسم السياسي في الهيئة الدكتور (مثنى حارث الضاري)، بعنوان: (قراءة في كتاب: شيخ الإسلام سلطان الجبوري)، للمؤرخ العراقي الدكتور (عماد عبد السلام رؤوف).
وتناولت المحاضرة في مقدّمتها حالة العراق في القرون التي أعقبت سقوط الخلافة العباسية، وانتقى الدكتور الضاري من الكتاب مشاهد توثق الانهيار السياسي والأمني الشامل، الذي عصف بالبلاد آنذاك، متمثلاً في فقدان الاستقرار الاجتماعي، وغلبة الفوضى الداخلية، واصطراع الدول المحتلة على مقدراته.. مضيفًا أن هذا الانهيار رافقع ونتج عنه تداعٍ في الحياة الثقافية والعلمية، إذ قضي على كثير من ركائز الثقافة في البلاد، من المدارس والمساجد والربط ودور القرآن والحديث، وتبدد جانب كبير من أوقافها.
وعلّق الدكتور (مثنى الضاري) على ما أشار إليه الدكتور (عماد عبد السلام رؤوف) في كتابه بشأن الحالة التي وصلت إليها أوقاف العراق في العقود التي تلت سقوط الخلافة؛ مبينًا أنها لم تعد قادرة على الاستمرار في أداء وظائفها، وقلَّ من تخرج من أهل العلم فيها، وهاجر كثير من العلماء والمثقفين مواطنهم إلى بلاد الشام ومصر، فخلت منهم البلاد، مضيفًا أن المؤرخين ـ على قلتهم في هذا العصر ـ كأنما انشغلوا هم أيضًا بتدوين وقائع الدول المتعاقبة وحروبها وسياساتها، فأهملوا بذلك تسجيل معالم الحياة الثقافية والفكرية في تلك الحقبة، حتى بات التعرف على رجال العلم من مدرسين ومؤلفين مهمة يكتنفها كثير من الصعوبة.

ونقل الدكتور الضاري عن مؤلف الكتاب توثيقه لمآلات النكبات المتواصلة التي حلّت بالحياة العامة في العراق في ذلك العصر، وحالة الاضطراب التي طبعت الحياة العامة بطابعها، إذ أدى ذلك إلى انقطاع الصلة بين الحياة الثقافية، وما سبقها من عهود سالفة، وعزّت مصادر العلم، وندر العلماء؛ حتى إنهم عدموا في اختصاصات معينة، علاوة على تبدد الكتب، أما إتلافًا أو إهمالًا أو نقلًا إلى مراكز الثقافة في خارج البلاد.
وعلّق الدكتور (مثنى الضاري) على ما جاء في كتاب: (شيخ الإسلام سلطان الجبوري) في تأريخ مؤلفه للحياة الثقافية في العراق التي بدأت تستأنف مسيرتها السابقة في القرن الحادي عشر للهجرة، مستفيدة من حالة الأمن النسبي وما ظهر فيها من جيل علماء حاولوا وصل ما انقطع من أسباب العلم، وسعوا إلى توفير مصادره الأخرى، ليلتقوا بعلمائها، وينهلوا من خزائن كتبها، ويتلقون عنهم أسانيدهم، ويأخذون منهم الإجازات التي تخولهم نقل ما تعلموه إلى أبناء وطنهم.
وبيّن مؤلف الكتاب أن أبناء ذلك الجيل كانوا روّادًا حقيقيين خرجوا من ظلمة عصرهم، وتمردوا على ضيق بيآتهم، وضحالة المعرفة فيها، وسَعَوا بكل سبيل إلى تحقيق إضافات في نوع ما اكتسبوه من علم، وإحياء تقاليده، ووصل أسانيده، ومن بينهم العالم الفذ ذو الاطلاع العظيم والمعرفة الواسعة الشيخ جمال الدين أبو المواهب، سلطان بن ناصر بن أحمد الجبوري الشافعي.
وانتقل الدكتور (مثنى حارث الضاري) في محاضرته إلى الحديث عن سيرة الشيخ الجبوري اعتمادًا على ما وثقه الدكتور (عماد عبد السلام)، مستعرضًا ولادته وأسرته ونسبه، وجوانب واسعة من سيرته، بالإضافة إلى دراسته وخصائصها ومنهجها، وانتظامه في المدارس وتتلمذه على أيدي العلماء والمشايخ في بغداد، وبراعته في مختلف العلوم، ومنها: علوم القرآن والحديث ومصطلحه والفقه والعقائد واللغة والنحو والوضع، والحساب والفلك، فضلًا عن قَرضِه الشعر، وتخصصه بعلم القراءات، وأبرز علماء عصره الذين نهل منهم الكثير.

وعن علم وثقافة الشيخ (سلطان الجبوري) قرأ الدكتور الضاري صفحات من الكتاب الذي وصفه بأنه أحد الرواد الأوائل الذين افتتحت بهم هذه الحياة أولى صفحاتها بعد طول انقطاع، والشهادات بحقه التي أكّدت على غزارة علمه وعظيم جهده، وإبداعه في علوم عديدة صار فيها أستاذ عصره، متناولاً رحلاته إلى الحج وطلب العلم وتنقلاته بين مدن بلاد الشام ومصر والحجاز.
واختتمت المحاضرة بعرض موجز لأبرز نتاجات الشيخ الجبوري الذي ألّف عددًا من الكتب في علم القراءات وأصول الفقه والنحو والحديث، وعلوم أخرى، ولَقِيَت مؤلفاته ـ لاسيما التي في علم القراءات ـ انتشارًا واسعًا، فكثرت نسخها في خزائن الكتب، وعني بها العلماء عناية كبيرة.
وحثّ الدكتور (مثنى الضاري) طلبة العلم على الاهتمام بآثار الشيخ (سلطان الجبوري) وغيره من علماء العراق الذين لهم تراث غزير وعلم واسع، والعناية بها ودراستها وتحقيقها تحقيقًا علميًا، يفيد القرّاء والمقرئين، ويُحيي آثار الصالحين.
الهيئة نت
ج
