للمرة الأولى منذ الموجات الاحتجاجية السابقة التي تم تنظيمها خلال الفترة الواقعة بين عامي (2016 و 2018) ـ والتي لم تتعد المطالبة بتوفير الخدمات والاصلاح السياسي ومكافحة الفساد ـ طالب المحتجون الذين انطلقوا في الأول من الشهر الحالي باسقاط الحكومة الحالية التي حاولت فرض سلطتها عبر سلسلة من الاجراءات القمعية، بينها غلق الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير وسط بغداد ومنع المتظاهرين من الوصول الى ما تسمى المنطقة الخضراء، اضافة الى قطع خدمة الانترنت وحجب مواقع التواصل الاجتماعي في عموم العراق بهدف التعتيم على جرائم القتل الوحشية والانتهاكات الصارخة التي طالت آلاف المتظاهرين.
لا شك أن هذه الموجة من الاحتجاجات ـ وهي الرابعة على التوالي ـ تُعد الأعلى صوتا في رفض العملية السياسية الحالية برمتها والمطالبة بإسقاط الحكومة، والتركيز على رفض التدخل الايراني السافر في شؤون العراق، وهو ما تضمنته صراحة شعارات وهتافات المحتجين الذين لا يرتبطون بأي جهة سياسية داخلية كانت أم خارجية، كما ظل العنوان الأهم والأبرز للاحتجاجات هو معاناة العراقيين من تردي الأوضاع المعيشية وسوء الخدمات الأساسية ومكافحة الفساد الذي ينخر بمؤسسات الدولة، إضافة إلى توفير فرص العمل، وهو ما جعل هذه الاحتجاجات تشكل التحدي الأخطر الذي يواجه حكومة (عادل عبد المهدي) منذ تشكيلها قبل عام.
فقد تزامن اندلاع التظاهرات السلمية التي انطلقت في العاصمة بغداد وامتدت الى عدد من المحافظات الجنوبية والوسطى، بينها البصرة وميسان وذي قار والقادسية وواسط والنجف وكربلاء وبابل، مع مرور عام كامل على تشكيل الحكومة الحالية برئاسة (عبد المهدي)، اتسم بالتلكؤ في التعامل مع العديد من الملفات المهمة التي ورثتها من حكومات الاحتلال السابقة، وعلى رأسها آفة الفساد المستشرية في العراق منذ عام 2003، وتفاقم البطالة التي خلّفت جيشا من العاطلين ولا سيما خريجي الجامعات، فضلا عن تردي الخدمات الاساسية كالصحة والكهرباء والماء الصالح للشرب، وتعثر جهود إعادة الإعمار، واستمرار المحاصصة الطائفية، اضافة الى ارتفاع وتيرة التدخلات الخارجية.
لقد تطور المشهد في العراق سريعًا، وتحول من اعتصام خريجي الجامعات اعتراضًا على غياب فرص العمل، إلى مظاهرات حاشدة مارست فيها الاجهزة الامنية الحكومية كل أعمال العنف، بدءا من الاعتداءات بالضرب ورش الماء الحار مرور باستخدام الرصاص الحي وصول الى القنابل المسيّلة للدموع، ما أدى الى مقتل أكثر من (100) متظاهر، واصابة ما يربو على ستة لاف آخرين بجروح بعضها خطيرة.
وفي الوقت الذي اعترفت فيه القوات اﻷمنية باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، وجهت السلطات الحكومية أصابع الاتهام إلى طرف ثالث مجهول بقنص المتظاهرين ورجال الشرطة على حد سواء وإحراق عددا من مكاتب المحطات التليفزيونية بذريعة إشعال الفتنة الطائفية، ولم يقتصر عمل القوات الحكومية على قتل المتظاهرين فقط، بل امتد ليشمل اقتحام عددا من مكاتب الفنوات الفضائية المحلية والعربية والأجنبية.
وروى أحد الصحفيين الهجمات التي استهدفت تلك القنوات، فقال: "لقد اقتحمت عناصر ملثمة لا يملكون أي شارة للجهة التي ينتمون اليها، وقاموا بتحطيم أجهزة البث كافة، كما طالبوا العاملين في المكاتب الاعلامية بمغادرتها وعدم العودة اليها مرة أخرى" .. مشيرا الى ان القوة المقتحمة أقدمت على تفجير محطة (دجلة) التلفزيونية بالكامل، فيما وصف أحد الصحفيين العاملين في قناة (NRT) عربية ـ فضّل عدم نشر اسمه خوفاً من الملاحقة ـ ساعة الاقتحام بأنها وقتٌ مقتطعٌ من الجحيم وقال: "إن المفارقة المريرة هي ان الاقتحام حدث أمام مرأى ومسمع قوات الشرطة التي يقع مقرّها قبالةَ مقر القناة، كما ان سيارة لشرطة النجدة كانت متمركزة هناك أيضاً".
وكانت النقابة الوطنية للصحفيين قد سجلت في اليوم الخامس للتظاهرات أكثر من (43) اعتداءً وانتهاكاً ضد الصحفيين والمؤسسات الاعلامية التي كانت تغطي التظاهرات .. مؤكدة ان تلك الاعتداءات والمضايقات ومصادرة اجهزة الصحفيين تتناقض مع حرية التعبير عن الرأي التي كفلها الدستور الحالي.
ووفقا لما رصدته المنظمات الدولية ومنها منظمة الشفافية، فقد تم تصنيف العراق ضمن أحد أبرز دول العالم التي ينخرها الفساد، وسط استمرار الازمة الاقتصادية التي يعاني منها المواطن العراقي الذي ما زال يكابد شظف العيش في بلد يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي بالعلم.
وفي هذا السياق، أصدرت منظمة (هيومن رايتس ووتش) المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان، مؤخرا تقريرا بشأن استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة في القضاء على الفساد وتوفير فرص عمل، أكدت فيه ان القوات الأمنية الحكومية استخدمت الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع ضد المشاركين في الاحتجاجات السلمية، ما أسفر عن مقتل واصابة الآلاف منهم.
ونسب التقرير الى (سارة ليا ويتسن) المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة الدولية قولها: "ان الحكومات العراقية ومنذ أكثر من عقد، تقول إنها ستحقق في الانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن لكنها لم تفعل ذلك، وان استشهاد واصابة الآلاف من المتظاهرين يتطلّب تحقيقا شفافا ينتهي بنتائج علنية، وبمساءلة عن الانتهاكات".
واشار التقرير الى ان المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق ـ وهي منظمة مستقلة وغير حكومية ـ ابلغت (هيومن رايتس ووتش) في العاشر من الشهر الجاري بأن مكاتبها الميدانية في أنحاء البلاد رصدت مقتل (105) متظاهرين على الأقل، وإصابة أكثر من ستة آلاف آخرين بجروح متفاوتة.
واوضحت المنظمة الدولية انها أجرت مقابلات مع (14) شاهد عيان على الاحتجاجات في العاصمة بغداد ومحافظة ذي قار، حيث قال خمسة منهم شاركوا في مظاهرات استمرت ثلاثة أيام في ذي قار: "إنهم رأوا بأم أعينهم القوات الأمنية وهي تفتح النار على الحشود، دون سابق إنذار بينما كانوا يتفرقون"، كما أكد خمسة آخرون شاركوا في المظاهرات التي شهدتها بغداد خلال الفترة الواقعة بين الثاني والسادس من تشرين الأول الحالي إنهم رأوا قوات الأمن الحكومية وهي تطلق الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع على حشود المتظاهرين وتستخدم المدافع التي تطلق المياه الساخنة ضدهم، ما أدى الى مقتل واصابة العشرات منهم.
ولفت التقرير، الانتباه الى انه حتى الطواقم الطبية التي كانت تعالج الجرحى لم تسلم من الهجمات المسلحة والاعتقالات، حيث قالت مسعفة في بغداد: "إن قوات الأمن قامت في الثالث من الشهر الجاري باعتقالها في سيارة الإسعاف التي كانت تؤمّن فيها العلاج الطبي للمتظاهرين"، كما قالت شاهدة أخرى على مظاهرات بغداد: "إنها شاهدت قوات الأمن وهي تطلق الغاز المسيّل للدموع مباشرة على قافلة من سيارات الإسعاف".
واوضحت (هيومن رايتس ووتش) انها راجعت سبعة مقاطع فيديو تظهر إطلاق ذخيرة حية في محيط المتظاهرين الفارّين من المنطقة، كما يُظهر مقطع فيديو نُشر في الثامن من تشرين الأول الحالي، أحد المتظاهرين وهو يلوّح بعلم العراق، قبل ان يتعرض لإصابة باطلاقة نارية.
وفي اطار الجرائم البشعة التي ارتكبتها الاجهزة الأمنية الحكومية ضد الناشطين المدنيين، اغتيال الناشط والفنان التشكيلي (حسين عادل) وزوجته (سارة طالب) اللذين كانا يحلمان في الحصول على فرصة عمل يغيران بها واقعهما المعيشي، لكن عشر رصاصات أردتهما قتيلين بعد عودتهما من مظاهرة سلمية في مدينة البصرة مطلع الشهر الجاري، حيث برزت (سارة) ذات الـ(24) عاما كناشطة مدنيّة خلال المظاهرات التي شهدتها البصرة العام الماضي وذلك بتقديمها الإسعافات الأولية للمصابين قبل أن تنخرط في صفوف الحركة الاحتجاجية الحالية المنددة بفساد المسؤولين ورفض الوضع القائم.
وعلى الرغم من الهدوء النسبي المؤقت للتظاهرات، ما زالت بعض المحافظات الجنوبية تشهد حالات من الترقب المشوب بالحذر، وسط إجراءات أمنية مشددة، وانتشار العناصر الحكومية على المباني المهمة والحسّاسة، فيما طالت حملات الاعتقال الواسعة عددا من الشباب والناشطين المشاركين في التظاهرات، فضلا عن اضطرار العديد منهم الى الفرار من مناطقهم إلى مناطق أخرى، خشية ان تطالهم الاعتقالات والتعرض للإهانة من قبل الأجهزة الأمنية الحكومية التي لا تزال تبحث عن الذين شاركوا في المظاهرات.
وكالات + الهيئة نت
ح
